الثلاثاء، 18 أكتوبر 2022

شقاوة عيال

 جلسة هذا الأسبوع مختلفه عما سبقها ، ثلاثتهم احيلوا للتقاعد منذ اكثر من خمسة عشر عاما ، بعد فترة صمت ومع آخر نفس من سيجارته قال نبيل: ايه رايكم نغير محور الحديث اليوم وكل واحد يحكى لنا عن أسوأ حادثه عاشها أيام طفولته ، استحسنوا الفكره على ان يبدأ بنفسه أولا.
نبيل: أسوأ أيام طفولتى كانت مساء كل جمعه أيام الشتاء القارص ، وهو اليوم العالمى لنظافة الأطفال ، بعد صلاة المغرب يوضع بابور الجاز في الحمام وفوقه حله كبيره بها ماء ، لا تمر نصف ساعه الا ويكون بخار الماء المغلى حجب الرؤيه تماما ورائحة الجاز تعبا الحمام ، وهنا تبدأ الماساه , أرى امى وهى تمسك فى يدها لمبة جاز رقم 10 (لان زى ما انتم عارفين مكنش فيه كهرباء) وتتوجه الى الحمام ، تعال يا مقصوف الرقبه (ده انا) وانا ارتعش من البرد تبدأ امى في تجريدى من كل ملابسى لتدفعنى الى داخل الحمام واسنانى تصتك ببعضها من البرد ، اقف مذعورا وانا الاحظها وهى تملأ نصف الكوز الحديدى من حلة الماء المغلى  وتكمله بماء الصنبور ، وتدلقه فوق راسى ، لم تختبر هل هذا الماء دافئ ام بارد ام حار ، هذه الأمور ليست في حساباتها ، وردة فعلى ان اصرخ وانا امسح الماء من عينى لاتلقى كف على اى مكان في جسمى يقابل يدها الكريمه ، لم افق بعد من صدمة الماء او من رائحة الجاز او من انعدام الرؤيه ، لتقوم بدعك صابونه نابلسى بالليفه الخشنه لتستلم راسى أولا ثم كامل الجسد بهذه الليفه الخشنه ، لا يتوقف الدعك حتى تنتهى من الساقين والقدمين ، وجل اهتمامها هو دعك القدم الذى يحتاج منك مهارة لاعب جمباز او بلياتشو في سيرك حتى يمكنك التوازن وانت واقف على قدم واحده والقدم الثانيه مشعلقه في يدها لتاخذ نصيبها من الدعك والنظافه ، اذا لم تصرخ من تسلل الصابون الى عينيك فسوف تصرخ عندما تعيد تلييف راسك من جديد وتتاكد ان كامل جسمك قد تم تلييفه ، لتبدأ مرحلة التشطيب بنص كوز ماء مغلى وتكملته بماء الصنبور البارد والدلق فوق الراس وانت وبختك في درجة حرارة الخليط ، مؤكد انك لا تنطق ابدا بل انت دائما في حالة صراخ او شحتفة بكاء مع ارتعاش ورجفه مستمره لاسباب كثيره ، يفتح باب الحمام ليخترق صاروخ من الهواء البارد عظامك فيزيدك حسرة على نفسك وضعفك ، وتنتظر دقائق لحين ان يتعطفوا عليك باحضار فوطه وملابس داخليه ، بعد هذه الموقعه تخرج مرتجفا والدموع تملا عينيك متسائلا هل كنتم تحمونى ولا بتغسلونى ، ترتدى القفطان الكستور وتجرى مسرعا على سريرك لعلك تحظى ببعض الدفأ او بلحظة راحه بعد هذه المعركه ، ما زالت دموعك تنساب على خديك لاحساسك ان هذه العلقه ستتكرر بعد أسبوع ، تسمع من يسالك: مش هتتعشى يا نبيل  .. لا .. نبيل مش طافح.

يسرى: انا بقى من سن ست سنين لغاية عشره مكنش اسمى يسرى ، بل كان (بتاع سميره) ، طبعا هتفتكروا سميره دى بنت صاحبتى بنلعب مع بعض استغمايه وعروسه وعريس ، بالعكس دى كانت جارتنا وصديقة امى ، تاتى لزيارتنا مره كل أسبوع عندما يكون ابى خارج البيت ، وكعادة حريم هذا الزمن من تتعدى الأربعين ترتدى الأسود الذى يغطيها الا وجهها المغطى ببرقع شبكه وأيضا اسود ، عندما تخلع ملايتها وبرقع وجهها يظهر بياض وجهها وابتسامتها ونغازتيها فينخلع قلبى واقف مزهولا امام حسنها منتظرا ان تاخذنى في حضنها لاتشعلق برقبتها واحضنها بشده واغوص في صدرها النابض وانعم بربربة جسدها ، كنت اجلس امامها كتمثال انتظر لحظة الوداع لانعم بحضن جديد ، لم تستغرب امى حبها لى لعلمها ان سميره عقيم ، كنت اعد الساعات والأيام الباقيه لزيارتها القادمه في انتظار لاحضان زيارتها القادمه ، استمر الحال سنوات ومر أسبوع والثانى لم تحضرفيه سميره لزيارة امى ، صدمت واسودت الدنيا في وجهى عندما علمت انها انتقلت لبلد بعيد لظروف عمل زوجها ، بكيت بحرقه ليطلقوا على بعدها "بتاع سميره".

سعيد: انا بقى أسوأ احداث طفولتى هي علقة كل شهر ، كنت انعم بشعر اسود ناعم احسد عليه لمدة أسبوع واحد فقط ، حيث ياخذنى ابى كل اول شهر وهو في طريقه للجلوس على القهوه مع أصحابه ليسلمنى لعبدالله الحلاق على ناصيه الشارع الرئيسى ، لا يقول غير كلمه واحده "زى ما اتفقنا ياريس عبدالله" ، دقيقه واحده يضع فيها لوح خشبى على زراعى الكرسى المخصص للحلاقه ويجلسنى فوقه ثم ياتى بفوطه كبيره يلفها حول رقبتى بشده ، اذا اشتكيت انى اختنق يطبطب على راسى بكف يده الضخم او يصفعنى على قفاى ، اطلب منه بادب ورجاء الا يجور على كل شعرى ، ما هي الا لحظات لتبدأ يده بالضغط على راسى وكانه يريد ان تخترق ذقنى قفصى الصدرى ، ويبدأ بتحريك ماكينة الحلاقه التلمه مصدرة صوت جرار او محراث يسير فوق راسى ، وكلما حاولت رفع راسى لانظر للمرآة يزداد الضغط على راسى ، اظل على هذا الوضع وعندما ينتهى وارفع راسى أرى بالمرآة شخص آخر ، اقرع كئيب مع ظهور الندوب الناتجه عن آثار جروح نتيجة معارك حدف الطوب مع أصدقاء الشارع ، تنساب من عيونى دمعه مع تصميم على الانتقام من عبدالله ، في المساء يوقظنى ابى من نومى ليحاسبنى بعلقه محترمه لان عبدالله حاسبه على ثمن الحلاقه وأيضا ثمن زجاج باب المحل الذى قذفته بطوبه فكسرته وجريت ، ينمو شعرى من جديد واستمتع برونقه خلال الأسبوع الأخير من الشهر لاكون في انتظار ان يسحبنى ابى لعبدالله ويكرر كلمته السرمديه "زى ما اتفقنا ياريس عبدالله".