الأحد، 30 سبتمبر 2018

افراح الزمن الجميل


زمان  .. مش زمان قوى .. يعنى فى بداية ستينيات القرن الماضى ، الآن نطلق عليها ايام الزمن الجميل  ، فى الايام دى كانت حفلات الزواج غير اللى بنشوفها الآن ، آخر فرح عشته من هذا الزمن كان فرح اخويا الاكبر منى ، كان عندى وقتها سته عشر عاما ،
قبل الفرح بيوم انشغلنا جميعا فى تجهيز هدايا المعازيم ، وهى عبارة عن علبه كارتون ملونه ، تكفى لوضع سندويتش صغير جبنة رومى وآخر بسطرمه وقطعتين جاتوه وعلبة عصير ، بالتاكيد امى هى مديرة العمليات والمسئوله عن توزع المهام ، ولانى كنت فى سنه اولى كلية التجاره ، فانا من وجهة نظر اسرتى خبير حسابات وإحصاء ، قام مدير العمليات بتحديد عدد المدعويين من طرفنا ، وعليه قمت بتحديد الكميات المطلوبه لكل صنف من الاصناف ، وتم توزيع المهام على جميع افراد الاسره ، واحد بفتح العيش الفينو بطريقه تقلل كمية الحشو ، اخى الاصغر مسئول عن حشو الجبنة الرومى ، وبجانبة اختى المسئوله عن حشو البسطرمه ، تستلم امى هذا المنتج ، تضعه فى العلبه وتضيف علبه عصير بشفاطه وقطعتين جاتوه ، اما العريس كلف بالتغليف.
يوم الفرح عصرا استاجرت انا وامى تاكسى الى صالة الفرح ، قمت بتخزين العلب فى ركن بآخر الصاله ، كانت امى ترتدى كعادتها فستان اسود فوقه بالطو اسود وشراب اسود وحذاء اسود ، اما راسها فقد غطتها بطرحة سوداء فيظهر وجهها وكانه قمر فى ليلة حالكه ، اتذكر ان هذا الزى هو زى كل من تعدت الثلاثين من عمرها ، عندما سمعت آذان المغرب وكنا الوحيدان بالصاله ، انتهزت فرصة قيامها بتؤدية الصلاة ، فتحت واحدة من العلب ، بسرعة اخرجت حشو البسطرمة وضعته فى سندويتش الجبنه ، قطمة واحده كنت ابتلعت هذا الخليط اللذيذ ، اتبعته بقطعة جاتوه ، عدة شفطات سريعه من علبة العصير انهت المهمه فى ثوان ، رميت المخلفات تحت احد الكراسى ، وكان شيئا لم يحدث.
فور ان انتهت من صلاتها  ، اخرجت من شنطتها السوداء ورقه وقلم ، مالى اذكر السواد ونحن فى صالة الفرح .. لا ادرى ، ربما لانى كنت اعرف ان نهاية هذه الليلة ستكون بالنسبة لى ليله غامقه .. الله اعلم ، المهم .. سلمتنى الورقه والقلم وطلبت منى الا افارقها ، ومهمتى ان اسجل اسماء ومبالغ النقوط ، قلت لها بضحك ، موافق بس اللى نجمعه نقسمه تلت وتلتين ، قالتلى يعنى ايه ، قلت لها يعنى انا آخد التلتين وانتى تآخدى التلت ، ضحكت ، وكانت ضحكتها صافية رائقه كقلبها ، كنت اميز ضحكتها من مليون ضحكه ، والله ما زلت اسمعها حتى الآن كلما تذكرتها .. رحمة الله عليها ، انت ولد نصاب ، دى فلوس كنت منقطه بيها الجيران ، واليوم هيردوها ، عموما مش خسارة فيك عشرة قروش (عشرة قروش ايامها تمكنى من دخول سينما وعشاء وبيبسى واربع سجائر) ، عند الثامنه مساءا بدأ توافد المعازيم.
اهلا يا اختى نورتى وعقبال ولادك ، سجل عندك .. ام امين جنيه ونص .. شرفتى يا حبيبتى عقبال ما تفرحى بالسيده ، اكتب ام السيده اتنين جنيه .. عقبال ما نبارك لك  فى خلفتك يابت الناس الامرا ، الست كوثر جنيه ونص .. اسجل واسجل ، الصفحة اتملت وش وضهر .. حبايبك كتير يا امى .. يا بنى الناس لبعضيها ، عارف يابنى لو معايا وفر كنت وزعته كله لوجه الله ، قلت لها: طيب وحياة ابوكى يا امى ، لما ربنا يغنيكى تخلينى انا اللى اوزعهملك بمعرفتى ، ضحكت قائله : هوه انا مش عارفاك .. هتروح تشترى بيهم سجاير وتضيعهم على صحابك والمسخرة والسيما.
خلال وقوفى على الباب لاستقبال المعازيم مع امى ، دخلت الفرقة الموسيقية ، اربعة رجال حاملين  آلاتهم الموسيقيه وامراتان سمينتان بعباءات سوداء ، ما احزننى انى لم ارى راقصه فى صحبتهم ، فقلت لامى هو فرحكم ده مفيهوش رقاصه ، قالتلى بطل مسخره وخليك محترم ، بدات الفرقه الموسيقية تختبر آلاتها ، نهضت احدى الامراتان  و خلعت عبائتها التى تخفى تحتها بدلة الرقص ، فجأة حدث هرج وحركة غير عادية ، العريس والعروسة وصلوا ، سريعا وصلت راقصه وطبال الى باب الصالة لبدء الزفه ، ايامها كانت الاغانى المتداوله "مبروك عليك يا معجبانى ، واقروا الفاتحه لابو العباس يا اسكندرية يا اجدع ناس ، وايضا .. ادحرج واجرى .. يا رمان ..  وتعال على حجرى.. يا رمان" ، صعدا اخى وعروسه الى الكوشة ، الموسيقى صاخبة والراقصه السمينه تتثنى وتتلوى وتترجرج على انغام الاوكرديون والطبله ، تهتز يمينا ويسارا وللامام والخلف  ، موجات من شحوم صدرها وخلفيتها تتارجح فى جميع الاتجاهات ، رغم عدم تناسق جسدها ، إلا ان الموسيقى الصاخبة وحركاتها وارتعاشتها ورجرجرتها وعريها تثير فى ابن السادسة عشر كل مشاعر الشهوة والرغبة التى تجعل الدم يفور فى النفوخ ، لم انتبة لنداء امى المتكرر إلا عندما وجدتها تجرنى من قميصى .. انت رحت فين ، يظهر انك استغنيت عن العشرة قروش ، قلت لها : شوفى يا حاجه معازيمك كلهم وصلوا ، ولميتى النقطه خلاص ، روحى اقعدى واللى عاوز يرد النقطه اللى عليه هيجيلك لغاية عندك ، قالت فى عتاب : عيب يا ابنى ومين يستقبل الضيوف ،ده حتى ام سميره لسه موصلتش ولا تحيه ام ربيع ،  نظرت لها بحب : ضيوف مين يا حاجه .. كلهم جم خلاص وآديكى شايفه الترابيزات مليانه ، نظرت فى عينى قائله : طيب اعمل حسابك هتكون معايا وانا باوزع العلب ، وافقتها وانا مشغول بمتابعة كتله الشحم الرجراجه.
العروسه فى هذه الايام إذا جلست على الفوتيه ، تضع ساق على ساق ، ولا تجرأ ان تتحرك من جلستها ، ولا تبتسم ولا تضحك ولا تجرأ لرفع يدها ترد تحية صديقاتها ، اما إذا وسوس لها عقلها وفعلت واحده من هذه الموبقات ، يبقى ليلتها سوده ، قد تكون حفل طلاق قبل ان تصل لعش الزوجيه ، إذا ابتسمت يقولون شوف المايصه فرحانه ان الليله دخلتها ، اما إذا ضحكت لا سمح الله ، دى بقى تبقى فاجره وقادره ، ويا خراب بيتها وبيت ابوها إذا تحركت او وقفت او عدلت او غيرت جلستها ، على طول يقولوا مش مستحمله تقعد ساكته ، دى باين عليها خفيفه وهبله ، وقد تسمع من تقول .. يظهر ان الكرسى مولع تحتها .. إذا رمشت يقولوا عمشه ، إذا عطست يقولوا عليله ، إذا كحت يقولوا عندها سل او بتشرب مخدرات وسجاير ، ما زالت الراقصه تتلوى وترجرج كتل شحمها ، عندما يشعر قائد الفرقه ان التعب بدأ يصيبها ، يعلو من رتم موسيقاه فتدور حول نفسها عدة مرات ، تقف مباعده بين رجليها ، رافعة زراعيها لاعلى ، اما وسطها فهو فى حالة رعشة عنيفه على نغمات رعشة الرق ، تنثنى فجاه الى الامام حتى تقترب راسها من ركبتها وشعرها منسدل ليصل الى الارض ، ومع دقه قوية على الطبله تقذف راسها وتستقيم واقفه ، تتوقف الموسيقى تماما وتنسحب لتستريح على الكرسى المجاور للطبال .
لحظات هدوء يكسره المهيصاتى باحلى سلام لاهل العريس ، وسلام ما تزوقينى ياماما لاهل العروسه ، يعلن المهيصاتى اننا سنستمع لمطربة الاسكندرية الاولى ومصر والعالم العربى ، المطربة فتحيه ، تنهض باسترخاء من كرسيها ، تخلع عبائتها التى تغطى فستان مفضوح ، اقرب الى قميص نوم منه الى فستان ، هى ايضا سمينه .. سمينه جدا  ، عزفت الموسيقى لحن اغنية على مين على مين على مين .. على مين ياسيد العارفين .. مترحش تبيع المية .. فى حارة السقايين ، ببطء تتقدم لتواجه الميكرفون ، عندما تتوقف الموسيقى لتبدأ الغناء ، تفرد زراعيها امامها وكانها تهم بالغناء ، تهز يداها وصدرها الضخم ، تضحك بغنج وتلوك لبانه فى فمها بطريقه كلها رقاعه ، تتراجع دون غناء ، يعيد الموسيقين اللحن ويهيج الشباب الموجودين .. لماذا .. لا ادرى .. رغم انى كنت من الفريق الهائج .. ربما من رجرجة صدرها ، من صوت طرقعة اللبانه التى تتشدق بها ، من هز راسها ودوران نظراتها وكانها لبؤه تهم بالقفز على ضحيتها ، تعود وتتقدم وتتراجع ونصفق ونصفر وتهز وتترجرج ، ولتهدئة الهياج تتقدم وتبدأ فى الغناء ، استسغنا صوتها الاجش ، معيار استساغتنا مختلف ، حركاتها وعريها يشفع لها كل شيئ ، يكفى انها اشعرتنا بالبهجه ، كل هذا والعروسه المسكينه جالسة لا تتحرك ، وعريسها يجلس جوارها يبتسم .
إذا دارت عينيك على المعازيم ستلاحظ اشياء عجيبه ، مجموعة النميمه ، ثلاثة معازيم من الحريم تقترب رؤوسهم يهمسون بعض الكلمات ، تتباعد الرؤوس بابتسامه او ضحكة مكتومة ، اما البنات فى سن الزواج اصدقاء العروسة او اقارب العريس ، جالسات فى وقار يحاولن الظهور بمظهر البريئات الساذجات المهذبات المؤدبات ، علهن يلفتن نظر احد الشباب الذى علية العين ، اما الشباب الباحثين عن عروس ، تجدهم مهتمين بمظهرهم ، من حضر بعد ان غسل شعره بصابونه نابلسى ام ريحه وتركه الى ان يجف ليظل شعره ثابت على وضعه (لم يكن الجيل قد تم اختراعه) ، اما إذا كان شاب روش ، تجده قد حلق ذقنه ورشه خفيفه ريحه خمس خمسات ، طبعا البنطلون ضيق جدا من عند القدم وقصير نوعا ليظهر الشراب ابو استك ، كما راينا سعيد صالح فى احد مسرحياته وشراب استك منه فيه وبيلسوع ، وما زالت العروسة لم تتحرك فى جلستها .
قبل ان تبدأ مراسم توزيع علب الاكل على المعازيم ، يقوم المهيصاتى بتسليم العريس كاس شربات لونه احمر ، يشفط العريس شفطه ويعطى العروسة شفطه ، ولو كانوا اهل كرم يقدموا له طبق به قطعتى جاتوه ، قطعه صغيرة بالشوكه يهديها للعروس ، لحظات ويبدأ الهرج والمرج والدوشة والزعيق إعلانا لتوزيع العلب على الضيوف ، انا يام حسن ما اخدتش ، والنبى يا اختى علبة للواد فاروق ، حاضر يا اختى ، البت بديعه راحت فين ؟؟ نادى عليها بت الكلب تيجى تآخد علبتها ، سيبلها علبه يا اختى يظهر انها راحت الحمام ، اما البنات اللى على وش جواز ، تمد يدها بخجل لتاخذ علبتها ، فور ان تبعد عنها الانظار تقوم بالواجب على اكمل وجه ، لا تترك فى علبتها شيئ ، واحده تقوم توشوش امى وتقولها انا عاوزه علبة لابو السيد ، اصله بعيد عنك جاله مغص ومقدرش ييجى معانا ، واللى تاخد علبة ترهنها عند امها ، وتغير مكانها بغرض الحصول على علبة اخرى ، وتظهر اخرى تدعى انها عند فتح علبتها وجدت السندوتشات فاضيه ، بخباثه ساذجه يحاول اهل العريس معرفة محتويات علبة اهل العروسة ، واهل العروسة يحاولون معرفة محتويات علبة اهل العريس ، يبقى يوم مش فايت لو علبة احسن من التانية ، لذا كانوا يتفقوا الاهل على مشتملات العلب حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه ، اما الفرقه الموسيقية فقد وصلتها علب من الفريقين ، وتفرغوا هم ايضا للاكل ، نصف ساعة تقريبا ، انهمك الجميع فى طحن محتويات العلب ، وقبل ان ينام المعازيم ، تدق الموسيقى ، والمذيع يعلن مطربة اسكندرية ومصر والعالم العربى ، ومن كانت ترقص فى اول البروجرام تغنى الآن اغنية الافراح .. ما تزوقينى يا ماما ، تتبعها باغنية سكندرية مشهوره ايامها " طلعت فوق السطوح انده على طيرى" ، تصهلل وتعيد وتزيد تنتظر حضور راقصه تؤدى رقصتها فى افراح اخرى.
خرجت من الصالة ادخن سيجاره بعيدا عن عيون ابى وامى ، لاحظت توقف تاكسى امام الصالة ، نزلت منه فتاه صغيرة فى العشرين من عمرها بملابس الرقص التى تشبه المايوه البكينى ، دخلت تجرى وصعدت المسرح لتندمج فورا مع دقات طبال الفرقه الموسيقيه ، لم انتظر لانتهى من تدخين سيجارتى ، رميتها ودخلت خلفها ، بهرتنى بتناسق جسمها وصغر سنها ، ما زالت العروسه جالسه ساكنه ، جميع الشباب بالحفل تركوا كراسيهم وتسمروا كالاصنام امام المسرح ، طبعا انا معهم ، نصف ساعه سحرت الجميع ، انتهت نمرتها ونزلت تجرى ، كنت انتظرها على السلم الذى يربط المسرح بالصالة ، لم اتمالك نفسى فمسكت الجذء البارز من صدرها ، سبتنى بابويا وجرت خارجه مع الفتوه حارسها الشخصى الذى لم يتوانى عن دفعى فى وجهى ، لم ينتهى الامر عند هذا الحد ، فقد فوجئت بمن يرزعنى كف شديد على قفاى ، استدرت لارد عليه بقبضة يدى ، شلت يدى .. جحظت عيناى .. تمنيت لو ان الارض ابتلعتنى ، كان ابى هو الفاعل وانا المفعول به ، انسحبت وانا انظر الى الارض ، خرجت الى الشارع حتى يبرد قفاى من قوة الصفعه ، ايقنت انه يوم اسود ومش فايت ، فإذا كانت هذه العقوبه ونحن فى الفرح فكيف ستكون عقوبتى عندما اعود للبيت ، تسللت وقلت لامى فين العشرة قروش اللى وعدتينى بيهم ، قالت وهى مندهشه والفرحه بانقضاء الحفل على اكمل وجه من وجهة نظرها : استنى لما نروح ، بحزم قلت لها : لا .. اصل انا مش مروح ، انا ابويا لسه شامطنى قفا عشان باسلم على الرقاصه ، تخيلى مش عاوزنى اسلم على رقاصه فى فرح اخويا ، يرضيكى كده ؟ عموما انا هروح ابات مع ولاد عمى وبكره الصبح هآجى.
لم اجرأ على العوده للمنزل ، فقضيت الليله فى بيت عمى ، واذكر انى طول الليل وانا احلم بمن تسببت فى  سخونة قفاى ، ومن يومها وانا اخشى صالون الحلاقه ، لانى اسلم قفاى للحلاق واخشى ان يتجرأ احدهم ويفعل ما فعله ابى يوم فرح اخى.
ما زلت الى الآن اتذكر هذا اليوم الذى كانت بدايته جميله جدا ونهايته لسعه اجمل على قفايا.





السبت، 29 سبتمبر 2018

الثار


استيقظ عم صابر ليلحق صلاة المغرب فى موعدها ، فقد تعود ان يغفو قليلا بعد صلاة العصر ، صلى وارتدى ملابسه وخرج ليلحق عمله بالفتره المسائية محاسب فى الفندق الكبير، جلس حزينا على مكتبه يجتر زكريات اليمه تطارده ليل نهار ، السكون والوحدة بالمكتب اخذت عم صابر بعيدا فى هواجسه ، تتقافز الافكار فى راسه لتعود من جديد لنقطة الانطلاق ، دائرة تضيق وتتسع وتدور فى فلك واحد .. زكريات فقد ابنه خليل .. كل احلامه تبخرت .. ضاعت ، هواجس ورؤى تبعث فى عينية دمعه متحجره ، كبريائه يمنع نزولها ، كثيرا تظل عالقه فى مقلتيه وقليلا ما تنساب من تحت نظارته السميكه ، لم يكن خليل ابنه فقط .. هو الصديق والاخ والسند ، زكريات يراها كانها واقع الان ، يبتسم عندما يتذكر حلوها ، وعبسة كئيبة تملأ وجهه عندما يتذكر جراحها ، خليل .. آه يا خليل .. الشهاب الذى اضاء حياته لفترة قصيرة واختفى ، مسح عينية واشعل سيجاره ليفيق من الدوار الذى يمرح فى تلافيف عقله وفكره.
من اول عام دراسى لخليل بالكليه ، بزغ نجمه وتفوقه الدراسى والرياضى ، ابتسامته الصافية ، وسامته ، بساطته ، قلبه الطيب ، عفة لسانه ، طهارة روحة .. كل هذا حبب وجمع حوله الاصدقاء ، هشام واحد منهم ، هشام السعيد ، ابن رجل الاعمال القاهرى المليونير السعيد ، تذكر عم صابر يوم  ان حضر صديقه هشام فى عربته ومعه إسلام ، يعرضون على خليل قضاء ثلاثة ايام فى عزبة هشام السعيد بالدلنجات ، احتفالا بنجاحهم الذى كان لخليل دور فيه ، يومها ركب ابنه السياره بجوار هشام وجلس اسلام بالمقعد الخلفى.
بدون اهتمام رتب عم صابر بعض الفواتير التى تحتاج لمراجعه قبل التسجيل ، اعاد راسه للخلف ناظرا الى سقف الحجره ، سرح بعقله فى زكريات يوم ان رن تليفون مكتبه "ابنك خليل يا حاج صابر بالمستشفى المركزى بالدلنجات" ، لا يدرى كيف وصل هناك وما هو شعوره عندما ابلغوه بوفاة خليل .. ماذا كتب بمحضر البوليس .. من كان معه عندما استلم الجثه .. من حضر من الاقارب والجيران عند الدفن والعزاء .. هل بكى ام تحجرت الدموع فى مقلتيه .. هل كان متماسك ام منهار  .. لا يتذكر اى شيئ إلا ان ابنه قتل بطلق نارى من مجهول ، وان ام خليل شلتها الصدمة ، ومن يومها لم تقم لها قائمة ، اقعدها مرض عضال حار فيه الاطباء حتى اليوم.
من يومها وهو كمن يركب ارجوحه زكريات ، ترتفع به فى غيبوبه لساعات ، ثم تهبط دقائق فى واقع مرير،  شهور مرت وهو غير مقتنع بمحضر البوليس ورصاصه المجهول ، تردد قبل ان يطلب مقابلة إسلام صديق ابنه ، حاول ان يفهم منه ما حدث ،  عله يرتاح من اسئلة كثيرة راودته ، عرف منه ان هشام السعيد لديه مسدس غير مرخص ، طلب إعادة التحقيق ولكن رجل الاعمال السعيد استغل نفوذه وسطوته فى إيقاف التنفيذ الجدى لاى تحقيق جديد ، ققرر عم صابر ذو الاصول الصعيديه التى تؤمن بالثار ، ضرورة اخذ ثار ابنه المغدور.
افاق عم صابر من افكاره على الحارس سلامه واقفا امام مكتبه وفى يده كوبان من الشاى ، ايوه ياعم صابر ، كوباية شاى بالنعناع اللى قلبك يحبه .. انت مش عاجبنى .. دايما مشغول وحزين .. فكها ياعمنا خللى الايام المهببة دى تفوت .. بقولك ايه .. ولعلى سيجاره اخش بيها الحمام النضيف اللى هنا ، اشعل له سيجاره واخرى لنفسه ، خلع سلامه حزامه وبه المسدس وتركهم على المكتب المجاور لعم صابر لحين انتهائه من قضاء حاجته ، بدأ صابر يراجع بيانات الفواتير التى امامه ويسجلها فى سجل العملاء ، جحظت عيناه امام الاسم المدون بالفاتوره ، فك المسدس من حزام سلامه ، خرج ، صعد بالاسانسير الى الدور السابع ، فتح باب الجناح 711 ، وجد هشام  وابوه السعيد وامه يجلسون فى الفراندة يتناولون عشائهم.
دوت صافرات سيارة الاسعاف ودورية الشرطه امام الفندق ، حملت الاسعاف ثلاث جثث ، ومن الباب الرئيسى خرج ضابط البوليس وبجواره عم صابر مكبل اليدين وهو مبتسم.


الجمعة، 28 سبتمبر 2018

الخبير الاستراتيجى


النهارده هنناقش الاحداث الجاريه على الساحه المصريه والعربيه والعالمية وتاثيرها على الوضع الراهن فى مصر ، معانا النهارده ، الخبير الاستراتيجى السيد الظايط ، وبدأ المذيع فى سرد محاسن الضيف ودرجاته العلميه والمناصب التى شغلها ، خلال ذلك كان الظايط ينظر للكاميرا وابتسامه  ثقه مرسومه على وجهه ، اسند مرفقيه على الطاوله امامه وكانه يستعد ليقفز فوقها ليملأ الشاشه بمفرده ، سرح بفكره للحظات تمنى خلالها ان تكون  زوجته واولاده واصدقائه وجيرانه متابعين لهذه الحلقه ،  وكان آخر ما وصل لمسامعه : وانت ايه راى سيادتك؟
الحقيقه ان التحديات كبيره ، بس مصر قدها ، ولكل حدث فى الكون له جوانب ايجابيه وجوانب سلبيه ، بس لازم يكون عندنا احنا المصريين ثقه فى انفسنا ، احنا شعب عظيم ، شبابنا واولادنا عندهم ادراك ووعى بمتطلبات المرحله ، اى نعم محتاجين قياده مؤهله  تساندهم وعلينا جميعا دعمهم ، وبمناسبة الدعم ، هيه الحكومه رفعت الدعم عن بعض السلع ليه ؟  مش عشان توفر دعم للشباب ، كلنا عارفين ان وضع مصر الاستراتيجى مرتبط بالعرب وافريقيا واوروبا وآسيا وامريكا ، وانا من سنين فاتت بانادى ببناء الثقه ، اصل احنا فى زمن البناء ، شفت عمارات قد ايه طلعت فى الايام الاخيره ، كتير منها مخالف وبدون تصاريح ، لكن ده هيساهم فى النهضه ، خلينا نبص على  النص المليان من الكوبايه ، اولادنا لازم ينتشروا وينفتحوا على العالم الخارجى ،وانا من منبرك ده بادعو الشباب التوجه للقاره الافريقيه ، عارف ليه ؟ لانى عمرى ما سمعت ان مركب غرق وهو بيعمل هجره غير شرعيه لافريقيا ، لازم نوعى شبابنا ونهديهم بوصله تجاربنا الكبيره ، احنا شعب عظيم ، عندنا حضارة سبع تلاف سنه ، احنا اصل الحضاره ، وبالمناسبه .. الطفل المصرى ازكى طفل فى العالم . والشباب الاسمر ابو شعر مجعد ده معبود بنات وحريم اوروبا.
بحركه مستتره من المذيع حاول لفت نظر الظايط بالدخول فى موضوع الحلقه ، ولكنه انطلق مكملا : اول امبارح  كنت فى مؤتمر عمار يا مصر ، قدمت ورقة عمل ، اقترحت فيها ان احنا منسكتش ، لازم نعيش التنميه المستدامه ، ويركزوا على الاهداف اللوجيستيه  ، اللوجيستى ده مهم جدا ، لان الثقافات متعدده ، بمعنى ان الكهربا لو بتتقطع ، او السكه الحديد حوادثها كتير ، او وزراء ووكلاء وزراء ومحافظين مرتشين ، او الجنيه قيمته وقعت ، او السلع الاساسية اسعارها ولعت ان كانت موجوده ، او وزارة الصحة ادحدر حالها ، والتعليم بقى فى ادنى مستوياته ، مفروض منعملش زى الجهله فى الشعوب الاخرى ، خلينا نحتفظ باخلاقنا اللى اتربينا عليها ، وهنربى عليها الاجيال الجايه.
خشى مقدم الحلقه التدخل حتى لا يوصم بالغباء ، فجلس يهز راسه بالموافقه ، حاول اثبات وجوده بسؤال الضيف ، وقبل ان يكمل سؤاله ، طلب الظايط  بحزم وبلهجه آمره الا يقاطعه قبل ان يوصل افكاره للمشاهد ، واكمل محاضرته ، لازم الناس تستفيد من تجارب المفكرين امثالى ، ويحاولوا يفكروا بطريقه ديمقراطيه هيلاقوا حل لكل مشاكلهم وكمان مشاكل العالم ، انا عاوز شبابنا يكون عنده الشجاعه وما يخافش من الشوربه ، تدخل المذيع مستنكرا : شوربة ايه يا استاذ ظايط ، بهدوء رد عليه وهو ينظر له باستنكار : مش المثل بيقول "اللى يخاف من الشوربه ينفخ فى الزبادى" ، اهو انا باطالب الشباب يخش بصدره جامد وميخافش من الشوربه ،
هنا فاض الكيل بالمذيع ، اظن يا استاذ ظايط كفايه كده وخلينا نستقبل اتصالات ، وكان اول المتصلين ، ايوه ايوه .. اتفضل يا استاذ محمد ، وجاء صوت المتصل ، هوه مين اللى انت مستضيفه ده ، رد المذيع بادب "ده الاستاذ محمد الظايط المحلل الاستراتيجى" ، رد عليه المتصل بحده ، انا بقالى ساعه باتصل بيك وجميع الخطوط مشغوله ، كنت عاوز ابلغك اعتذارى عن البرنامج ، باستغراب قال المذيع مين معايا يا افندم ، كانت الصدمه عندما قال له : معاك محمد الظايط الخبير الاستراتيجى.
(اترك لحضرتك تخيل ماذا حدث بعد ذلك)

الخميس، 27 سبتمبر 2018

الطرطور


ثلاث سنوات قضاها فى الغربه ، افكار ومشاعر وزكريات تزاحمت فى عقله وهو ينهى إجراءات الوصول ، لاحظ مصطفى ان ضابط الجوازات يرتدى طرطور ، زادت دهشته عندما وجد جميع العاملين بالمطار يرتدون اشكال مختلفه من الطراطير ، ابتسم فى سخريه ولم يشغل باله كثيرا فكل همه هو الانتهاء سريعا من اجراءات الوصول.
على باب الخروج لمح صديقه شادى ، باحضان ملؤها الشوق واللهفه تعانقا ، فى طريقهم للسياره ساله ، هيه ايه حكاية الطراطير ؟ قبل سفرى كان الكاب هو غطاء راس الضباط ، تكنش دى طريقه جديده ترفيهيه لاستقبال السياح بالمطارات ؟ لم يستغرب شادى السؤال ، ابتسم ولم يرد عليه.
عند اشارة مرور ، صرخ مصطفى ، بص بص يا شادى ، عسكرى المرور هوه كمان لابس طرطور ، هيه ايه الحكاية بالظبط ، تنهد شادى بحسره وهو يقول له ، متوجعش دماغك دى تعليمات مجلس الشعب ، عضو بالمجلس قدم استجواب لتوحيد الزى الرسمى للعاملين بحكومة مصر ، تداولوا المناقشات ، واحد اقترح البدله والطربوش ، وآخر اقترح القفطان والطاقيه ، وثالث اقترح الجلباب الفضفاض والعمامه ، واختار الشباب الكاجوال والكاب ، اعترض الليبراليون وقالوا ما تسيبوا كل واحد ينام على الجنب اللى يريحه ويلبس اللى هوه عاوزه ، وسط الهرج والمرج ، صرخ رئيس المجلس قائلا ، ياحضرات البلد تمر بمرحله حساسه ، وحرصا على مصلحة مصر ، بلاش الاختلاف وخلونا نوصل لحل وسط ، انا اقترح ان ناجل توحيد الزى الرسمى ونكتفى مرحليا بتوحيد غطاء الراس ، وانا شايف الطرطور هو انسب الحلول ، الموافق يرفع يده ، ظل يشاور باصبعه وكانه يقوم بالعد ، بصوته الاجش قال : موافقون ، وانهى الجلسه ، من ساعتها واصبح الطرطور هو غطاء الراس المعتمد للعاملين بالحكومه المصرية ، وظهرت عناوين صحف اليوم التالى " مجلس الشعب يعتمد الطرطور غطاء لراس المصريين "
توقفوا امام بيت مصطفى ، قبل ان يفتح باب السياره ، سال صديقه شادى : انا مستغرب ، ازاى الشعب والجيش والشرطه والقضاه وافقوا على الطرطور ؟  تنهد شادى بعمق ، يظهر انك مش متابع للاحداث ، احنا بقينا دوله ديمقراطيه وكل حاجه بقت بالقانون ، والقانون بيقول طرطور .. يبقى طرطور ، ده شعبان عبدالرحيم نزل اغنيه جديده بيقول فيها " انا لابس طرطور ، انا ثورى ومش فرفور .. ايييييه " .
لم تتحمل اعصاب مصطفى تعليقات الصحف العالميه على هذا الخبر ، اغلبها اشاد بصعود مصر على اول سلالم الديمقراطيه ، وآخرين باركوا الاجراءات الشديده فى تطبيق القانون ، وتهناة من المركز العالمى لحقوق الانسان ، وفى ركن صغير بالصفحه الاخيرة بجريده معارضه وردت تهناه من العاملين باكبر مصنع للطراطير فى العالم والذى يملكه رئيس مجلس الشعب" .


الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

العجوز الثائر


بتكاسل نهض من فراشه ، ازاح ستائر النافذه ناظرا للسماء وكانه خبير فى الارصاد الجويه ، ابتسم وهو يحمد الله على الطقس الدافئ لاحد ايام شهر فبراير ، وهو فى طريقه للحمام دندن باغنيه "لو كل حب .. فى كل قلب .. اتجمعوا .. انا حبى اكتر" ، كانت الحاجة رحمها الله تطرب لسماعها منه وتتعرف على مزاجه اليومى من الاغنيه التى يدندن بها ، شعر بوحشة الفراق والوحده ، اذداد هذا الشعور قوة وقسوه بزواج الاولاد وسفرهم للخارج ليبقى وحيدا كئيبا .
تناول فطوره وهو يستمع للاخبار من المذياع ، تعجب من شباب هذا الجيل الذى لم تهدأ ثورته رغم مرور ايام على بدايتها ، كان يظن ان فورتهم ربما تطول لنصف يوم او يوم على الاكثر ، لم يعش هذه الحاله من قبل ولم ينضم فى شبابه لاى حزب او اتجاه او هدف سياسى ، قال لنفسه "لماذا لا اجرب واعيش هذه اللحظات مع هؤلاء الشباب ، سوف اشغل وقت فراغى الطويل الكئيب الممل وربما اجد معهم ما يعيد لى حماسه افتقدتها بمرور الزمن".
ارتدى جاكت فوق البلوفر الصوف حتى لا يصاب بنزلة برد تقعده مريضا لعدة ايام ، قرر ان يقطع المسافه من منزله لمسجد القائد ابراهيم المكان المفضل لتجمع الثوار سيرا على الاقدام ، لم يتوقع هذه الاعداد الهائلة من الشباب فى هذا الوقت من النهار ، وقف بعيدا يراقبهم ، حركت الهتافات الهادره والشعارات الرنانه مشاعره فاقترب اكثر من الجموع ، تلقائيا ردد معهم "عيش حرية عداله اجتماعيه" ، لم يستوعب فى البدايه هذه الشعارات والهتافات ، منذ ايام الزعيم جمال عبدالناصر والشعب ينادى بالحريه والعداله الاجتماعية ، الم يتحقق ما نادوا به خلال خمسين عاما ، ابتسم محدثا نفسه "والله احنا شعب عبيط ، إما اننا مش عارفين ما ننادى به او احنا شعب بق وكلام قهاوى فقط ، شعب صوت مش فعل " ، ما لم يفهمه هو شعار العيش ، عيش ايه اللى الشباب بينادى بيه ، همه جعانين ولا ايه الحكايه ، ما العيش رخيص ومالى الافران ، مش يمكن قصدهم عيش من معيشه وحياة ، لم يستغرق هذا الجدل من وقته الكثير ، اقنع نفسه انه ذهب ليتفرج لا ليحلل ويشارك ، ذهب لتضييع بعض الوقت الممل الذى لا ينقضى.  
رغم عدم اقتناعه بما يردده ، فلا هو يحتاج عيش ، عنده الكثير ، والحريه يعيشها ولا تمثل له اى هم ، اما العداله الاجتماعيه فلم تخطر له على بال لانه ميسور الحال ، رغم هذا وجد نفسه يقترب ينحشر وسطهم ، لم تعوقه شيخوخته من الاندماج معهم ليصبح واحد منهم ، ذادت حماسته فاذدادت متعته ، عندما وجد نفسه محمولا فوق الاكتاف صاح باعلى صوته بواحد من الشعارات والجموع تردد خلفه ، تخيل لحظتها انه هو من فجر هذه الثوره وهو القائد الاعظم لهذه الجموع ، تحكمت هتافاته فى الجموع كما يتحكم الطبال فى حركات الراقصه ، رددوا خلفه وكانه ملهمهم ، استعذب الحدث وكانه مسلوب الاراده ، اصبح درويش من دراويش هذه الجموع ، بح صوته من الهتاف ، تحركت الجموع من امام المسجد فى اتجاه مبنى محافظة الاسكندرية ، فى لحظه فارقه حاول ان ينسل من هذه الكتل الشبابيه مكتفيا بهذا القدر من المشاركه ، قبل ان يتمكن من ذلك ، كانت قوات الشرطه التى تحمى مبنى المحافظه قد بدات فى إطلاق خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين ، لم تتوقف الجحافل عن الهتاف والتقدم ، فبدات الشرطه فى اطلاق الغازات المسيله للدموع.
جرى الشباب مبتعدا ، تفرقوا بدون نظام فى اتجاهات مختلفه ، انتشروا فى الشوارع الجانبيه ، اما هو فقد تبللت ملابسه تماما وملأ الغاز رئتيه ، شعر باختناق والتهاب شديد فى عينيه ، نوبة سعال لم تتوقف وصعوبه فى التنفس و الرؤيه ، استند الى جدار عله يسترد وعيه ، ما زال دوى الشعارات يتردد فى اذنيه من بعيد "عيش حريه عداله اجتماعية" ، فزع عندما سمع صوت طلقات رصاص ، لا يدرى هل قادمه من اتجاه الشرطه ام من اتجاه الثوار ، انكمش على نفسه قدر ما يستطيع خشية ان تصيبه طلقه طائشه ، وهو فى نوبة سعال حاده ودموع غزيره حاول النهوض والابتعاد عن هذا المكان ، واذ برصاصه غادره تصيبه فى صدره ، كان يبتسم فى سخريه وهو يقع على الارض يلفظ انفاسه الاخيره ، احتار فى تبرير هذه السخريه ، هل كانت ابتسامة ساخره لانه ارتاح من الملل والوحدة وايامه المكرره بدون معنى او هدف ، ام كانت ابتسامه ساخره لانه مات فى سبيل شعارات لا تخصه ولا يؤمن بها ، ولكن اجمل ما فى هذا الحدث .. انه مات مبتسما.

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

الطماع والنصاب



اعشق البحر فى هدوءه وغضبه ، الطبيعه فى زرقتها و خضرتها ، الحرية فى عقلانيتها و جموحها ، النهار عند الشروق والغروب ، اما لحظات هدوئى وسكينتى فاستمتع بها وانا جالس الى مكتبى استرجع زكريات الماضى الجميل ، اليوم تلح على ذكرى صيف نجاحى بالسنه الاولى لى بالكليه ، كافئنى ابى بان طلب من نجار الحى ان يجهد تفكيره لتحويل تلك الطاوله المتهالكه المركونه فى الصاله الى مكتب ، حملها وعاد بعد ثلاثة ايام وهو يحمل مكتب له ادراج ، لونه بنى للايحاء بانه مكتب اصيل وليس مكتب مهجن ، لم يكن المكتب هو افضل ما جنيته هذا الصيف ،  فقد تزوج اخى الاكبر فى اواخر ايام هذا الصيف ، وقمت باحتلال سريره ، شعرت بقدرى واهميتى بعد ان اصبح لى حجرة ومكتب وسرير.
ايضا فى هذا الصيف وكل صيف ، يخصص الزعيم الخالد جمال عبدالناصر يوم 26 يوليو من كل عام للاحتفال بثورة يوليو بالاسكندرية ، فتقوم كل وزاره او هيئه او شركه بالتفنن فى تجهيز سياره مزينه بالزهور يصطفوا فى طابور طويل بالكورنيش ، ويتحركوا فى موكب رائع الى استاد الاسكندريه ، اما جامعه الاسكندرية ، فكانت تقيم معسكر لبعض الطلبه بالمدينه الجامعية قبل الموعد بشهر ، تدربهم للظهور بمظهر مشرف فى طابور العرض العسكرى ، لعشقى لحياة الجواله والمعسكرات والبعد عن قيود اسرتى كنت واحد من هؤلاء الطلبه ، اما متعتى الكبرى فلانى ساحظى  برؤية جمال عبدالناصر اثناء العرض ، وعندما يصدر لنا النداء (لليمين انظر) ، ساراه وهو يلوح لنا بيده مرحبا بنا .
انتهى العرض وتحدد الاسبوع الترفيهى للمعسكر بمرسى مطروح ، سافرت رغم علمى ان يوم زواج اخى سيكون خلال ايام المعسكر ، وكعادة الايام الجميله ، تفر وكانها لحظات ، نقضى يومنا فى السباحه ومباريات كرة القدم وحفلات سمر ومسابقات ونوادر ، عندما تذكرت ان غدا يوم فرح اخى ، ولم يتبقى من مصروفى البسيط سوى بعض عشرات القروش ، فلن اتمكن من الاستئذان فى ترك المعسكر والرجوع على نفقتى الخاصه ، استشرت صديقى المقرب لى بمشكلتى ، فلم نجد حلا ، هنا ، وهنا فقط وسوس لى الشيطان بفكره جهنميه ، لماذا لا استغل طمع اصدقائى وانفذ فكرتى الخبيثه.
عصر يوم الاربعاء خرجت من المعسكر بمفردى ، وصلت سوق ليبيا ، وهو واحد من اسواق مرسى مطروح ، يقولون انه متخصص فى بيع البضاعه المهربه من ليبيا ، اشتريت بكل ما املك ثلاثه شباشب وزجاجتان من عطر بريزيتا ونصف دسته صابون كامى ، عدت للمعسكر وعرضت على اصدقائى ما اشتريته ، قصصت عليهم قصه خياليه بانى تعرفت على احد المهربين يبيع لى البضاعه باقل من نصف ثمنها المعروض بالسوق ، وسوف اقابله صباح الغد  ليعرض على المزيد من بضاعته الزهيده سعرا وممتازه جودة ، قال احدهم "خلاص انا بكره آجى معاك عاوز اشترى شوية حاجات لاهلى قبل العوده للاسكندريه" ، تدخل اكثر من صديق طالبا الذهاب معى ، قلت وانا كلى ثقه "الراجل قالى بالحرف الواحد : انت يا افندى تيجى لوحدك ، مش عاوز الموضوع يكبر والبوليس يآخد خبر واتقفش واروح فى ستين داهيه" ، عرضت عليهم ان اتحمل هذه المهمه الصعبه بمفردى ، واللى عاوز منكم حاجه يكتبها فى ورقه ، ويدينى الفلوس وانا اقوم باللازم ، وحتى يدب الرعب فى قلوبهم ، طلبت منهم فى حاله القبض على انا والمهرب ، ان يقوموا بابلاغ قائد المعسكر ليحضر لقسم البوليس ليفك اسرى.
قبل ان تبدأ حفلة السمر المسائيه ، كان معى لسته باسماء الاصدقاء وطلبات كل منهم ، ومبلغ محترم ، عندما حسبت ما جمعته منهم وجدته يكفى ثمن تذكره سفرى بالقطار درجه اولى وشراء مجموعة هدايا لاخى العريس ولن انسى هدايا لامى واخواتى ، وعلبة سجاير كامله والمشاريب المتنوعه بالقطار ، ما خططت له اعتمد على طمع الاصدقاء ومدى قدرتى على اقناعهم .
فى الصباح بعد الافطار ، ادعيت انى مريض ولن اتمكن من الذهاب معهم الى الشاطئ ، وجميع زملائى يعرفوا انى ادعيت ذلك لاقابل المهرب ، فور مغادرتهم رتبت شنطتى وحملتها متجها للسوق ، اشتريت مجموعه من الهدايا وركبت القطار فى طريق عودتى الى الاسكندريه ، وفى المساء كنت واحد من نجوم الفرح ، فقد قدمت ما تبقى معى من نقود نقوط للراقصه التى اعجبت بكرمى السخى معها.
ما حدث يوم الجمعه مساءا كان خاتمة المغامره ، عاد الفوج من مطروح ، من اسفل مسكنى سمعت من ينادى على اسمى متبوعا بالنصاب ، طلب منهم ابى الصعود بهدوء ، عرف منهم ما حدث ، رد لهم اموالهم ، اما انا فلم افلح فى اقناع ابى انهم طماعين ، وانتهى الامر بعلقه شديده لم اذق مثلها من قبل ومن بعد.
"مرت الايام وصلنا جميعا لمستويات اجتماعية ومادية نحسد عليها ، وكلما اجتمعنا نسترجع  نوادر مر عليها اكثر من خمسون عاما وتكون هذه النادره هى احلاهم جميعا .. ايام جميله فى زمن جميل"

الاثنين، 24 سبتمبر 2018

العمدة


بعد صلاة العشاء جلس العمدة كعادتة فى ايام الصيف الحارة على المصطبة امام الدوار ، على كرسى امامه يجلس الاستاذ فهيم ، بينهما طاوله قديمة عليها صينية وبراد شاى يتصاعد الدخان من بزبوزه ، صب الاستاذ فهيم الشاى فى احد الاكواب المتراصة بالصينية ، انحنى وهو يقدمها للعمدة ، صب لنفسه واحدة اخرى وبدأ يرشف باستمتاع وتلذذ " تصدق بالله ياعمدة الشاى ملوش طعم إلا معاك" ، همهم العمده موافقا وابتسم ، لحظات وحضر نجدى شيخ الخفر ، القى السلام وانحنى مقبلا يد العمدة وجلس على كرسى مجاور للاستاذ فهيم بعد ان سمح له العمده .
العمدة قصير ممتلئ بدون تناسق ، يغطى راسه دائما بطاقية صوف ليدارى صلعته ، عيونه ضيقه ماكرة ، سليط اللسان ، ضيق الافق ، يسيطر على مقدرات القرية بكل ما فيها ومن فيها ، علاقته مميزه مع الاستاذ فهيم ونجدى شيخ الخفر ، الاستاذ فهيم مدرس كشكول بمدرسة القرية الابتدائية ، ضعيف الجسم ، نظارته ليست لضعف النظر بل للايحاء بعلمه وثقافته ، يفتى فى كل شيئ واى شيئ ، معلوماته السطحية يستعرضها امام العمده الجاهل فيظن انه عالم كبير ، اكول شره لا تفوته عزومة فى بيت العمدة حتى لو لم يكن من المدعوين ، اما شيخ الخفر فهو ضخم الجثة ، شاربة الكثيف يضفى على سحنته الكالحة قسوة ورهبة ، فى عينية غموض وتركيز ، يخشاه كل سكان القرية لغشوميته وظلام عقله ، هو ذراع العمدة فى البطش بمعارضية ، يساعدة مجموعة خفراء اشداء ، يؤول ولاءهم المطلق له وللعمدة .
سحب العمده نفس عميق من نرجيله اعدها له الخفير المسؤول عن خدمته ، رفع راسه لاعلى وهو ينفث الدخان موجها كلامه الى نجدى "الاخبار ايه النهارده يا شيخ الخفر؟"  متلجلجا رد عليه وهو يرخى راسه الى اسفل ناظرا الى الارض "كله تمام يا حضرة العمده" ، صمت قليلا ثم اكمل " بس يظهر ان الشيخ الشحات مش ناوى يجيبها البر" ، طق الشرر فى عينى العمده عندما سمع اسم الشيخ الشحات ، بصوت حاد "حصل ايه يا زفت ؟ .. انطق " ، "بعد صلاة العشا يا عمده ، لقيته بيفهم الناس انهم ما يخافوش من حد غير ربنا ، وكلام تانى كتير ما فهمتش منه حاجه" ، اعتدل العمده فى جلسته وهو يتوعد " تقصد انه جاب سيرتى؟ ، ده لو عملها لاقطع خبره وخبرك " ، تدخل الاستاذ فهيم "هوه يستجرى يا عمده ، يتقطع لسان اللى يجيب سيرتك" ، صرخ العمده فى شيخ الخفر آمرا " ابعت حالا واحد من الخفر البقر يجرجروه من جبته ويجينى هنا حالا" ، رد استاذ فهيم "روق دمك يا عمده ما يستاهلش تضايق نفسك عشان واحد تافه زى ده" ، نهض شيخ الخفر بسرعه وهو يتمتم "انا رايح اجيبه بنفسى" ، صب الاستاذ فهيم كوب شاى اخرى للعمده وقدمه له بانحنائته المعتاده.
حضر نجدى ومعه الشيخ الشحات ، رجل متوسط الطول تعدى الخمسين من عمره ، اكثر ما يميزة تلك اللحية المصبوغه بالحناء ، حليق الشارب ، نظيف الثياب ، القى عليهم جميعا تحية الاسلام ، جلس شيخ الخفر على نفس الكرسى الذى كان يجلس عليه ، ظل الشيخ الشحات واقفا ، الى ان قال الاستاذ فهيم " بعد اذنك يا عمدة ، اقعد يا شيخ شحات" ، نظر ناحية العمدة ليرى تاثير دعوته ، تابع"ايه ياشيخ شحات ، انت عارف ان العمدة كبير القرية ، وخيره على الجميع ، وعليك وعلى اسرتك واولادك ، لولا العمده كان زمان المطاريد نهبوا القرية وخربوا بيتك وبيوتنا" ، هز الشيخ الشحات راسه موافقا ولم ينبث بحرف ، اكمل الاستاذ فهيم "بلاش يا شحات دروس العشاء ، انا شايف انها ملهاش لازمه وكمان تعب عليك والعمده يحب راحتك وسلامتك ، والا انت ايه رايك؟" ، رد الشحات بسرعه وهو ينظر الى الارض "دا انا اللى اسمعه يتكلم كلمه واحده فى حق العمده اخرسه ، العمده خيره مغرق اهل القريه كلهم" ، نظر العمدة فى عينى الشحات وبلهجه آمره "انا مش عاوز مشاكل ووجع دماغ ، اهل القريه لازم يعرفوا ان ليهم كبير يحترموه ويخافوا منه "، رد الشيخ الشحات بخنوع "احنا ملناش غيرك يا عمده ، والناس كلها عارفه افضالك عليهم ، حتى ولاد الشيخ اسماعيل اللى اتقتل من شهرين بيدعولك بطولة العمر والصحة ويبوسوا ايدك على اللى بتبعته لهم كل شهر ، وولاد الشيخ فراج لا ينكروا فضلك عليهم من يوم ما ابوهم دخل السجن فى القضية اياها ، انت رجل الخير والبر والتقوى يا عمدة" ، ابتسم العمده فى خبث ، فقد استقبل الشيخ الشحات الرساله التى اراد ان يوصلها له ، انهى الشيخ الشحات شرب الشاى وقام ليضع الكوب فى الصينية ، سارع العمدة قائلا بلهجه آمرة ، شرفتنا يا شحات ، القى عليهم تحية الوداع وانصرف فى هدوء ، من يومها تغيرت مواضيع خطبة الجمعه ودروس عصر الثلاثاء اما درس العشاء فقد توقف ، هو يعلم حجم الغباء والعند والكبرياء الاجوف الذى يملأ عقل العمده ، ويعلم قوة البطش وغشامة شيخ الخفر ، ويعلم قوه تاثير الاستاذ فهيم فى تحويل الحق الى باطل والباطل الى حق ، واصبح الشيخ الشحات مؤمون الجانب.
يمر الزمن ليزداد العمدة قوه وجبروت ، ويزداد فقراء القرية فقرا ، شباب القرية عاطل ، الثروه والجاه فى يد العمده وقلة من اتباعه ، فى الخفاء يدأ ينشط الشيخ الشحات ، اصبح له اتباع ومريدين من الشباب ، يبث فيهم روح العداء للعمده ، ازدادت بالقريه حركات التمرد فاذداد عدد من لفقت لهم تهم وقبض عليهم ،  خصص العمده سرداب الدوار مقرا لحجز المقبوض عليهم ، فى لحظة فارقه ، قرر الشباب الثوره على الظلم فهجموا على قصر العمده مطالبين بتحرير زملائهم ، فارت الدماء فى عروقهم ، هجموا على الخفراء ، لم يصدقوا انفسهم وهم يرون شيخ الخفر يفر الى بيت العمدة ، الخفر يلقون باسلحتهم عائدين الى بيوتهم يغلقون عليهم الابواب ، توجهوا كتلة واحدة الى دوار العمدة ، ما زادهم جسارة وعزما عندما راوا الرعب فى عيون العمدة وشيخ الخفر ، من بعيد اتى الشيخ الشحات مهرولا مكبرا ، وجد الشباب قد انتهوا من تكبيل العمده وشيخ الخفر ، امرهم ان يخرجوا زملائهم من السرداب ويحبسوا العمده واتباعه مكانهم.
انتشر الخبر بالقريه ، فاجتمعوا امام الدوار ، فوضى ، ضوضاء تعم المكان ، صعد واحد من الشباب الثائر فوق المصطبه التى كان يجلس عليها العمده صارخا باعلى صوته ، "انا اول من هجم على العمدة ، يبقى انا احق واحد يبقى عمدتكم " ، ظهر شاب آخر" انا احق منك ، انا من جمعتكم وناديت بضرورة حصولنا على حقوقنا" ، شاب بالصفوف الاماميه " لو سمحتم هدوء .. اسمعونى .. انا يا اخوانى اول من تعذب على يد العمدة الطاغية ، وكنت اول شاب مقبوض عليه ، انا مفجر هذا الحدث ، انا الاولى بالعموديه" ، هجم علية شاب من الصفوف الخلفية "انت لص وابن لص ، انت العمده قبض عليك لانك سرقت جاموسة ابوسالم " ، هنا ظهر الاستاذ فهيم ، ارجوكم اسمعونى "انا اكثر من جلس مع العمدة واعرف كيف اعيد لكم حقوقكم " ، يعلو صوت شاب فى وسط الصفوف "اسكت يا منافق ، انت من الفلول" ، يقذفه احدهم بطوبة فى راسه فيسيل دمه ويختفى الاستاذ فهيم من المشهد ، سمع الجميع من يكبر "الله اكبر .. الله اكبر" .. نظروا جميعا فى اتجاه الصوت ليروا الشيخ الشحات يشق الصفوف ، وقف فوق كرسى العمده ماسحا لحيته المحناه بيده يزيدها ترتيبا ، انتظر الى ان سكتوا جميعا ، " لماذا نتكالب على هذا الكرسى المشؤوم ، فلنكن عاقلين ، لا تنسوا ان شباب القرية هو من يستحق كل الشكر ، وانا لا ارغب فى هذا الكرسى ، انا هسجل اسماء الشباب اللى عاوزين العموديه ، واهل القريه ينتخبوا اللى همه عاوزينه ، واللى يكسب يبقى العمده" ، استحسن الجميع هذه الفكره فاخرج من جبته ورقه وقلم ، وبدأ فى تسجيل المرشحين الى ان وصل عددهم ثمانيه ، فاستكمل حديثه " دعونا نعود لبيوتنا الآن لنستريح ونجتمع غدا بعد صلاة العشاء لنختار واحد من هذه الاسماء ، وسوف اعلق الاسماء على باب المسجد وغدا تختاروا واحدا منهم .
تفرقوا كل الى بيته ، يفكرون فيمن سيختاروه عمدة للقرية ، فى منتصف الليل ، تسلل الشيخ الشحات الى دوار العمده ، حمل من المخزن ما قدر على حمله من سكر وشاى وارز وزيت ، كرر ذلك مرارا ، حتى الفجر كان قد نقل مخزون العمدة الى بيته ، ولم ينسى ان جهز حماران ، حملا العمدة وشيخ الخفر خارج القرية ، شكراه ووعدوه انهم لن يعودوا للقرية ابدا ولن ينسوا هذا الجميل الذى طوق به رقبتهما ، فى الصباح ، حمل بعضا من السكر والشاى والارز والزيت يوزعه على بيوت اهل القريه ، لم ياتى المغرب إلا ووصلت هديته الى الجميع ، انهى صلاة العشاء ، وخرج من المسجد متجها الى دوار العمدة ، حمله بعض الشباب على اعناقهم وهتف بعلو صوته .. عمدتنا مين ؟  يرد الجميع .. الشحات ، وكبيركم مين ؟ .. الشحات .. وحبيبكم مين ؟ .. الشحات ، اما نساء القرية فقد اكتفوا بالزغاريد والدعاء للشيخ الشحات.
سنوات قليله مرت وازداد الشحات واتباعه قوة وجبروت ، وازداد فقراء القرية فقرا .

"عفوا .. لم اذكر اسم القريه .. وتركت لك اطلاق الاسم الذى تراه مناسبا لهذه القريه او هذه الدوله"

الأحد، 23 سبتمبر 2018

الغطاس




"يوم الاربعاء 22/2/2013 غرق 9 مصريين فى بيارة صرف صحى بمركز طوخ .. هل يعقل ان يحدث ذلك فى القرن الواحد وعشرين ؟؟ "

كور الزهر فى يده ، قربه من فمه ، وشوشه متمتما ببعض الكلمات ، نفخ فيه والقاه ، تدحرج الزهر على الطاوله ، استقر على شيش دو ، هب فراج واقفا وهو يصيح "راحت عليك يابوالسباع ، هتحاسب على المشاريب يا فالح ، روح اتعلم لعب الطاوله وبعدين تعال لاعبنى" ، احمر وجه اسماعيل قائلا  "تصدق بالله .. انت حمار بس عندك حظ عوالم" ، انطلقوا فى ضحكه صافيه ، قام اسماعيل بعدها بدفع حساب المشاريب وافترقا على امل ان يلتقيا غدا لخوض مباراة جديده.
فراج شاب اسمر ضعيف البنيان ، وصل طوخ منذ عدة سنوات قادما من سوهاج ، التحق بوظيفه عامل بشركة مياه الشرب والصرف الصحى بالمدينة ، لم يستنكف العمل فى تسليك البلاعات والمجارى والصرف الصحى ، الاجر مناسب والعمل بسيط  لا يحتاج مهاره او خبرة ، اشتهر فراج بين زملائه بالطيبه وخفة الدم ، فيه شهامة ومروؤة اهل الصعيد ، ولباقة وخفة دم اهل بحرى ، احبه الجميع ، شخصيه فريده لذيذه متصالحه مع نفسها ، صباحا ياتى للعمل بملابس رثه تتناسب مع طبيعة عمله ، اما بعد المغرب وهو فى طريقه للمقهى ، يرتدى زيه الصعيدى النظيف ، القفطان الابيض الزاهى واللاسه الغالية وحذاء بنى  يحافظ على لمعانه ، من يراه لا يصدق انه عامل مجارى وصرف صحى ،  المقهى المجاور لمحطه القطار هى مكان اجتماعه مع شلة الاصدقاء ، يتسامرون ، يضحكون ، ويبدأ لعب الطاوله مع اسماعيل صديق روحه .
اسماعيل او ابوالسباع كما ينادية اصدقائه ، ابيض البشره ، سمين الجسم ، ابتسامه دائمه تملأ وجهه ، كبير اخواته ، وصل الى الاربعين من عمره ، لم يتزوج ولم يفكر فى الزواج ، حالته الماديه ميسوره ، ورث من ابوه مبلغ بسيط ، دفعه مقدم لشراء توك توك وما زال يسدد باقى اقساطه ، يعمل عليه طول النهار ، ويؤجره من المغرب الى صباح اليوم التالى لاحد اصدقائه ، يصل الى القهوه فى ابهى زينه ، ساعات القهوه هى افضل اوقات يومه ، مع صديقه فراج  ينسى همومه ، يفضفض بكل مشاكله لوجود من يستمع له بحب واهتمام.
نهض فراج من نومه وهو يحس بانقباض فى صدره ، توضأ ، صلى وتناول فطوره ، وهو فى الطريق الى عمله ، الح عليه خاطر الاتصل بامه فى سوهاج ، اندهشت من اتصاله الباكر فبادرته بسؤال "كيفك يافراج ، صحتك زين يا ولدى" ، طمانها بانه فى خير ونعمه والحمد لله ولكنه قلق على صحتها ووعدها فور استلام راتبه سيرسل لها حواله بمائة جنيه على مكتب البريد العمومى بسوهاج ، سالها الدعاء له ، قبل ان ينهى المكالمه سمعها وهى تقول "ربنا يجعلك فى كل خطوه سلامه ، قلبى وربى راضيين عنك يا ضنايا ، خللى بالك من نفسك، يباركلك فى صحتك ورزقك" ، انشرح صدره بهذه الدعوات الصادقه  ووصل الى مقر عمله.
 دار ابوالسباع حول التوك توك للاطمئنان عليه ، ادار مفتاح التشغيل ، انتظر قليلا لتسخين الموتور ، سرح للحظات ، تمتم ببعض الدعوات ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عندما شعر بضيق صدره ، لا يدرى لماذا خطر بباله صديقه فراج ، بجوار عربه فول ركن التوك توك ، تناول فطوره ، فى زحمة العمل نسى ما انتابه صباحا.
وصل رئيس عمال الصرف الصحى ، القى تحيه سريعه وابلغهم  ان بياره عرب الرواشده تحتاج تنظيف ، بصوته الطيب قال لهم "يللا يا رجاله اجهزوا عشان نروح بدرى نخلص شغلنا ومش عاوز المهندس يوصل يلاقينا لسه ما اتحركناش" ، فور وصولهم انهمكوا فى عملهم  بهمة وإخلاص ، دقائق قليله مرت سمعوا بعدها صرخه مدويه ، انزلقت قدم عم ابراهيم ، سقط فى البياره التى عمقها عشرون مترا ، بهتوا جميعا ، صراخه واستغاثته قطعت قلوبهم ، رموا له حبل ولكنه كان اقصر من ان يصل الى يده ، كلما مر الوقت  يخفت صوت الصراخ والاستغاثه ، شهامة فراج دفعته للقفز داخل البياره لانقاذ زميله ، نسى انه لا يجيد السباحه فى الماء ، فكيف يسبح فى فضلات ومخلفات بشريه ، قاوم الغرق بكل ما يملك من عزيمه ، يغرق ويحاول إنقاذ عم ابراهيم ، علا الصراخ والاستغاثه من داخل البياره ، عمق البياره يجعل صوت الاستغاثات اكثر رهبه ورعبا ، هرول مجموعه من الفلاحين العاملين بالحقل المجاور للبياره ، دون تفكير قفز واحد منهم داخل البياره ، العمال والفلاحين يدورون حول البياره كالمجانين ، يبحثون عن اى وسيله للانقاذ ، كلما مر الوقت وزاد الصراخ  يلقى واحد من الموجودين  بنفسه فى محاوله لانقاذ زملائه العالقين اسفل البياره ، وصل عدد غرقى البياره الى تسعة رجال ، لم يفكر واحد فيهم فى نفسه ، بل فكر فى انقاذ اخيه الانسان  ، فى نهاية المطاف حضرت سيارة النجده ، بمعدات مناسبه ، اخرجوا جثثهم فى مشهد مهيب.
شاع خبر ما حدث فى البياره ، بسرعه توجه اسماعيل بالتوك توك للاطمئنان على صديقه فراج ، ظل يدعو الله ان يكون صديقه سليما معافى ،  بذهن شارد وعيون مملوءه بالدموع وزكريات صداقه وإخلاص ربطت بينه وبين صديقه فراج ، وصل الى الطريق الترابى المؤدى الى البياره ، بسرعه وبدون وعى اتجة يمينا ، لم يلحظ السيارة النصف نقل المسرعه خلفه ، صدمته ، انقلب التوك توك عدة مرات ، اخرجوا اسماعيل من التوك توك جثة هامده .
بعد المغرب لن يتقابل فراج واسماعيل على المقهى ، لم يمهل القدر اسماعيل للثار من فراج فى مباراة طاولة ، ولن تذهب ام فراج لاستلام الحواله التى لن تصل ، اما الصوان الذى اقيم مساء هذا اليوم فكان على حساب صاحب قهوة المحطه .


السبت، 22 سبتمبر 2018

شوية عكننه


انفلونزا
=====
ياااه لسه الساعه تسعه ، يعنى ما نمتش إلا ساعتين ؟ يظهر انها ليله طويله ملهاش آخر ، تمتم بالدعاء ان يتمكن من النوم مجددا وحتى صلاة الفجر ، تذكر نصيحة الطبيب بالاكثار من شرب السوائل الدافئه فهى التى تعجل الشفاء من دور الانفلونزا ، بضعف شديد ازاح مجموعة البطاطين من فوقه وقبل ان يتوجه للمطبخ لتجهيز كوب دافئ من الينسون شغل جهاز التلفزيون ، اراد ان يشعر بالحياة ، يسمع صوت ، اى صوت بخلاف صوت سعاله الشديد ، تناول حبتين لتسكين آلام السعال التى يشعر بها كسكين يشرخ صدره ، ندب حظه متمتما " هيه الانفلونزا اللعينه مش قادره تنتظر لما واحد من الاولاد يحضر لزيارتى" ، تراجع عن فكرة الاتصال باحدهم ، لا يريد ان يزعجهم او يشعرهم انه اصبح رجل عجوز يحتاج رعايتهم.
كان التلفزيون يعرض حوار مع وزيرة الصحه ، شد انتباهه رد الوزيرة على سؤال المذيع " عدد وفيات الانفلونزا هو سته افراد على مستوى الجمهوريه" ، بسرعه بحث عن قناة تلفزيونيه اخرى تعرض احد الافلام الكوميديه علها تنتشله مما يعانيه ، اندس تحت كومه بطاطين وهو يتابع واحد من افلام اسماعيل ياسين.
عندما حضر ابنه صباح اليوم التالى وجد التلفزيون ما زال يعرض برامجه المعتاده ، وشريط الاخبار يعلن ان عدد وفيات الانفلونزا سته افراد ، بحزن بالغ تاكد الابن انهم بعد قليل سيتم تعديل الرقم الى سبعة افراد.


قطار الليل
======
وهى تتابع عرض فيلم قطار الليل على شاشة التلفزيون ، استرعى انتباهها الحوار التالى
استفان روستى: حمامة التيرو تفرح بخلاصها من سجنها ، ولا تدرى بالصياد اللى فى ضهرها ، يعنى آمالها معلقه على ان الصياد يجلى
  عماد حمدى: قصدك ايه ؟
  استفان روستى : انا بقى اللى هخليلك الصياد يجلى".
  كادت تبكى وهى تحلم بمن ينجيها من الصياد المتمثل فى النائم جوارها ، كان استاذها بالجامعه ، فى البدايه طمعت فى مركزه العلمى والاجتماعى ، وفى النهاية صدمت فى رجولته وبخله وانانيته ، لامت نفسها لعدم اختيارها جارها رفيق طفولتها وصباها الذى احبها وما زال ، لمعت فى راسها فكرة طلب الطلاق وإن رفض ستستعين بحبيبها فى خلاصها من سجنها، هو الوحيد القادر ان يجعل الصياد يجلى او يخرجه من دنياها ودنياه.
تجمع الاهل والجيران على صوت استغاثات صادره من شقة الاستاذ الجامعى ، فى المساء اقيم سرادق العزاء امام العماره ، وما زالت الشرطه تستجوب الاستاذ الجامعى فى اسباب الوفاة المفاجئة لزوجته فوزيه.

عم عزيز
=====
عم عزيز اللذيذ ، رجل طيب قليل الكلام قصير القامه والنظر ، راسه فى حجم كرة القدم القانونية ، صلعته لامعه محدده ، اما جسده فيشبه الى حد كبير جوال دقيق منفوخ عند البطن ، يحمل هذا الجوال قدمان نحيفتان ، رغم انه صانع احذيه ، إلا انى لم اره يرتدى واحده ، صيفا او شتاءا ينتعل شبشب باصبع ، لحكمة لا اعلمها ، كثيرا ما اقابله على سلم العماره التى يصعدها ببطئ شديد لعلة فى قلبه.
حظى عم عزيز بحب جميع سكان العماره لطيبته ولسانه العفيف وابتسامته التى لا تفارق وجهه ، وكنت اكثرهم حبا له وعطفا عليه ، خاصة بعد ان فقد شريكة حياته العام الفائت ولم يكن لهما اولاد.
اسبوعان فقط غبتهما عن العماره فى مامورية عمل ، فور رجوعى ووصولى للباب الرئيسى وجدت كومه من الاثاث المتهالك وبرواز زجاجه مهشم بداخله صوره شاب وسيم نحيف غزير شعر الراس ببدله كامله وحذاء يقف فى ثقه وشموخ ، دققت نظرى فوجدتها لعم عزيز فى شبابه ، ابلغتنى زوجتى بوفاة عم عزيز ، حزنت على وفاته وحزنت اكثر لانه لم يكن له من يهتم بالاحتفاظ بصورته الملقاه على كومة الزباله.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

زكريات حرب الاستنزاف


من خلال الخندق المتعرج وصل الضابط صفوت الى ملجأ صديقيه الضابط محسن والضابط الشامى ، اختار صندوق ذخيرة خشبى بركن الملجأ ليجلس عليه ، اسند ظهرة الى الجدار الرملى وامال راسه للخلف لعله يملأ رئتية باكبر قدر من الهواء ، وضع ساقا على الاخرى واخرج علبة سجائرة واشعل واحده ، سعل كعادته عند اول نفس يدخل رئتيه ، وجه كلامه الى محسن ، وهو ينفث دخان سيجارته "عارف يا سونه انا متغاظ ومستغرب من ابتسامتك المتفائله  .. انت ازاى مش حاسس بالماساه اللى احنا فيها ، بالذمه احنا اهالينا صرفوا علينا دم قلبهم ، وشقينا مذاكره وامتحانات ، وآخرتها نترمى هنا فى الصحرا ونعيش فى ملاجئ تحت الارض" ، زادت ابتسامة محسن وهو يرد عليه "مالها الملاجئ ، مش نحمد ربنا ان احنا ضباط ولينا ملجأ مستقل ، يا ابنى احنا مجندين عشان نحرر بلدنا ونزيل آثار العدوان ونآخد بتارنا من اسرائيل ،  ده قدرنا ولازم نستحمل".
محسن شاب وسيم من اوائل دفعته فى كلية الحقوق عمل لسنه وكيل نيابة ، ابيض البشره مع عيون خضراء وابتسامه صافية مرسومه دائما على وجهه ، مثقف كثير الاطلاع فى جميع المواضيع ، هادئ الطباع والاسلوب ، اما صفوت فهو خريج آداب قسم التاريخ عمل مدرس قبل تجنيده ، من اسرة ميسوره ، لم يتعود على قسوة الحياة ، تناسق ملامحه اضفت على وجهه البشوش وسامه محببه ، عصبى المزاج ، سريع البديهة خاصة فيما يتعلق بالنقد ، إذا لم يجد ما ينتقده ، انتقد نفسه ، اما الشامى او ابوالشام كما يحب ان ينادية زملائة ، عمل سنة محاسب باحدى الوزارات ، ضخم الجسم بطئ الحركه ، فشته عايمه باستمرار ، يضحك لكل نادره وعلى كل موقف ، إذا ضحك يرتج جسمه كله وكأن ايادى خفية تزغزه ، فيشيع الضحك فى جميع المحيطين به ، بسيط تلقائى ابن بلد.
ثلاثتهم من الاسكندرية تعرفوا على بعضهم فى احدى رحلات الجامعه ، وظلوا اصدقاء الى ان تم تجنيدهم  بعد نكسة 1967 ، انهزمت مصر فى معركه وقرر الزعيم جمال عبدالناصر ورئيس اركان حرب القوات المسلحه القائد المحترم عبدالمنعم رياض (استشهد فى 9/3/1969) ان تحرير الارض والعرض لن يتم إلا برفع كفاءة الجندى المصرى ، فتم تجنيد المؤهلات العليا من دفعة 1966 وما بعدها ، على امل النصر فى الجوله التاليه وهذا ما تحقق فى نصر اكتوبر 1973 ، ويشاء القدر ان يجتمع الاصدقاء ضمن كتيبة مقاتله بالزعفرانه بالبحر الاحمر ، وهى من المناطق القتالية الهادئة نوعا ما ، يفصلها عن العدو البحر الاحمر وسلسلة جبال الزعفرانه ، جبال وصحراء ممتده على مدى البصر ، نهارها شمس حارقه وليلها برد قارص.
اتفق ثلاثتهم على الاجتماع مساء كل خميس بعد صلاة العشاء فى ملجأ احدهم ، يتسامرون يتناقشون وغالبا يتنافسون فى العاب الكوتشينه او الدومينو ، يجترون ذكريات مدينتهم الاسكندرية ، بحرها ، طقسها ، مغامرات الجامعة والرحلات ، فى واحده من جلساتهم الاسبوعية اقترح عليهم محسن ان يحضر كل منهم ملابسه المدنية ، يرتدوها فى جلستهم الاسبوعيه ، واليوم خلع كل منهم الافرول الميرى وارتدوا ملابسهم المدنية ، وهو يشعل سيجارته الثانيه قال صفوت وكانه يحدث نفسه "يا سلام لو حتتين جاتوه من ديليس مع كوباية شاى ، مش كانت القعده احلوت " ، رد الشامى "احلى كوباية شاى هيه اللى تحبس بيها غدوة كباب وكفته او شوية سمك وجمبرى " ، تدخل محسن فى الحوار"اكل ايه وشرب ايه ، مفيش اجمل من قاعده فى كازينو على البحر  ومعاك قصه او كتاب محترم" ، فاجئة صفوت بصوته المسرسع "كتاب ايه وقرف ايه افتكرتك هتقوللى ومعاك بنت مايصه ضحكتها تجلجل" ، ران عليهم صمت مؤقت ، سرح كل منهم فى احلامه وقسوة الواقع ، لم تكن رداءة الطقس فى الزعفرانه ولا شح المياه وندرتها ولا رداءة نوعية الاكل هى مشكلتهم الوحيده ، كان اكبر مصدر لتعاستهم هو تعليمات القياده بالا يظهر شيئ من الموقع على سطح الارض ، ملاجئ النوم والحفر البرميلية وملجأ السيارات المدرعة والخنادق الممتدة بين مواقع الكتيبة ، جميعها تحت مستوى سطح الارض ، احفر .. احفر .. احفر ، تهب العواصف الترابية فتردم جذء من الخندق .. احفر .. احفر .. للترميم ، كسر صفوت الصمت قائلا بتهكم "يا جماعه ، انا بصراحه بقيت خبير فى الحفر ، عشان كده بعد ما هخلص جيشى هقدم على وظيفة حفار بالآثار" ، رد علية الشامى "طيب ما تشتغل تربى .. آهو كله حفر" ، تدخل محسن بسخرية "انا متخيل لو عملوا مسابقه حفر بين بنى آدم وعشرة فئران .. صفوت هوه اللى هيكسب " وضحكوا جميعا حتى انهم سمعوا ضحكة المراسله الواقف عند مدخل الملجأ.
تم تجهيز اكواب النسكافية ، اقترح صفوت ان يحكى كل منهم عن اسوأ يوم مر عليه ، واقترح الشامى ان يتنافسوا بدور شطرنج والغالب مستمر ، واستقروا اخيرا على اقتراح محسن بان يتخيل كل منهم وضعه بعد عشر سنوات ، لمح الشامى باكو بسكويت فوق المخله التى بركن الملجأ ، فتحه وبدأ ياكل منه دون ان يستاذن او يعزم عليهم ، .. خلاص انا اقولكم انا اتمنى ايه خلال العشر سنوات اللى جايه ، بس لو سمحتم محدش يتريق ، "انا بقى بالصلاة على النبى اتمنى امريكا يجيلها حول فى عينيها وبدل ما تسلح اسرائيل ، تسلحنا احنا ، اسرائيل تخاف وتنسحب من سيناء ، يسرحونا وينتهى تجنيدنا من غير حرب ودمار ، ارجع اسكندرية واستلم شغلى ، اسبوع ورئيس مجلس الادارة يموت ، يعينونى مكانه ، اصدر قرار برفع مرتبى الى الف جنية ، اتقدم للجواز من سناء ، اهلها الجزم اللى رفضونى بحجة انى تخين ومفلس ، هيبوسوا ايدى بعد ما بقيت رئيس شركة ، استاجر شالية فى المعمورة واشترى فيلا على البحر ، ربنا يكرمنى ونخلف عيل غتيت رزل ، وطبعا الولد هيطلع غبى معرفش ليه ، اتصل بيك يا صفوت تديله درس خصوصى فى التاريخ" ، يقاطعه صفوت "وحياة دينى انت عيل ، انا ممكن اشتغل عندك يا تعبان فى حاله واحده .. ادى ابنك درس فى التاريخ ومراتك درس فى الجغرافيا " .
اما صفوت بدا الحزن على وجهه وهو يقول " انا نفسى اخلص من اللى انا فيه ده ، يا جماعه انا زهقت من الزعفرانه ومن التجنيد ومنكم ومن نفسى ومن التراب ومن الحفر ومن اللون الكاكى .. انا متاكد ان تجنيدنا مش هينتهى إلا بعد النصر باذن الله ، عشان كده ليل نهار بادعى الحرب تبدأ وربنا ينصرنا " ،  ران صمت وهم يرددوا .. آمين  .. ساله محسن "طيب ومادلين ناوى تعمل معاها ايه ؟ " كانت مادلين هى محور حديث صفوت فى جلسات سابقه ، يحبها يعشقها ، زميلته بالكلية ودفعته ، قرر ان يخطبها ولكن ظروف تجنيده حالت دون ذلك ، فهاجرت لامريكا وما زالت على اتصال به ، رد قائلا "والله ما انا عارف انا كنت فاكر انى هتجند سنه واحده ، بقالنا سنتين ولسه مش عارفين هيسرحونا امتى ، وكل ثلاثة اشهر يتكرموا علينا بتسعة ايام اجازه ، تسعه ايام هقضيهم نوم ولا اكل ولا استحمام ولا اتصالات بامريكا ، انا ياجماعة فى ماساة مش هخرج منها الا بالنصر باذن الله ".
انتهوا من شرب النسكافية ، وطلب محسن البدء فى دور كوتشينه ، استدركه الشامى "لا يا حدق .. لازم تقولنا انت كمان شايف ايه فى مستقبك المظلم " ، قال لهم "لو مصممين اعطونى فرصة لانى مزنوق ، اروح افضى الجوزه وارجع اقولكم انا باحلم باية.. وخرج.
فى بداية الحاقهم على هذه الوحدة ، كانت التعليمات عند سماع ازيز طائرات العدو ، القفز فورا فى اقرب حفره برميلية ، فهى الحصن الآمن من قنابل العدو التى يسقطها عشوائيا على المواقع من ارتفاع شاهق فلا تصيب احد لعدم دقتها ، تكررت كثيرا غارات العدو الجوية والنتيجه دائما لا خسائر ، مع تكرار الغارات يتسلل الملل والفتور والبطء وعدم الاهتمام باحتمالات الخطر ، فالنتيجه معروفه .. لا خسائر .. ، سمعوا صديقهم محسن يصرخ عليهم من بعيد ، غارة غارة .. صفوت .. شامى .. غارة غارة .. صفوت جالس على الصندوق الخشبى يدخن ، والشامى واقف بباب الخيمه يتابع محسن وهو يقفز فى حفره برميليه ، انفجار رهيب ، اعقبه سكون رهيب ، توقف القصف ، انتهت الغارة ، من حفرته البرميليه اطل محسن براسه فى اتجاه الملجأ ، هاله ما راى ، خرج يجرى صارخا فى اتجاه الذى كان ملجأ له واصبح اشلاء مبعثره محترقة ، اغمى علية ، ولن يحكى لصديقيه عن حلمه ، ولن يتصل صفوت بمادلين ، ولن يترجرج جسد ابوالشام من الضحك بعد اليوم والى الابد.

الخميس، 20 سبتمبر 2018

شعب ملوش كتالوج


احنا بالصلاة على النبى كده .. صيادين سمك
صيادين من اللى قلبك يحبهم ، عندنا بحر ابيض ، بحر احمر ، النيل العظيم ، بحيرات ميتها مالحه ، وكمان بحيرات ميتها حلوه ، يعنى الاشيه معدن وزى الفل ، والصيادين فى كل الدنيا بيحسدونا على العز اللى احنا فيه والمياه محوطانا من كل حته.
بس بصراحه بينى وبينك ، احنا غاويين مشاكل ووجع قلب ، مره نطلع بمراكبنا نصطاد على حدود ليبيا وممكن نزودها شويه ونوصل لحدود تونس ، آه .. ما هو الرزق يحب الخفيه ، ومره نطلع بمراكبنا على حدود السودان ، نبعد شويه ، نقرب شويه ، ما تفرقش معانا ، تقوللى بس ده غلط وممكن تتمسكوا او يتقبض عليكم ، هقولك وماله ، احنا عارفين حكومتنا بتخاف من خيالها ، يوم ما يتقبض علينا ، نتصل باهلنا فى مصر يجيبوا الاذاعه والتلفزيون وكل بتوع الاعلام يصوروا اهالينا وهمه بيصرخوا ويلطموا ويعيطوا ، ويقولوا حكومه فاشله بايعه ناسها ، والخارجيه فاشله ومش عارفه ترجع ولاد بلدها المقبوض عليهم فى بلاد الغربه ، ونوصى ستاتنا يلموا نسوان الحى والعيال الصغيره ويبداوا موشح الفقر وحكاوى عن الولاد اللى مش راضيين يآكلوا ويشربوا من يوم ما عرفوا ان ابوهم اتقبض عليه والبت سعديه بتقوم فى عز الليالى تصرخ وتشد فى شعرها وتلطم وهى تتبول لا اراديا وتقول ابويا ضربوه بالرصاص وقتلوه.
لا تمر اربعه وعشرين ساعه على إذاعة هذه الملحمه الدراميه ، إلا وتعلن الحكومه انها ارسلت مندوبها يتدخل فى الضغط والافراج عننا ، وكمان المحافظ ووزيرة الشئون يصرفوا فورا لاهالينا مبالغ ماليه ، ومش بعيد لو حد محتاج حتة ارض يعمل عليها مشروع ، او واحده من اهالينا عاوزه تتعالج بالخارج على نفقة الدوله ، او طفل عاوز يقبل فى مدرسه وعمره لا يسمح .. كل هذا يتحقق وفورا.
عرفت ليه بقى احنا ما بنخافش ونصطاد من المكان اللى يعجبنا ، ده الواد حميدو آخر مره اتقبض عليه ، وصل لنا وهوه بيرقص ، ولما الناس سالوه انت فرحان ليه يا حميدو ، قالهم لما اتقبض على فى السودان ، عطونى خمستلاف جنيه ورجعونى راكب طياره ، تصدق بالله ، اول مره فى حياتى اركب طياره ، بادعى ربنا ان المعلم الكبير بتاعنا يقولنا الطلعه الجايه على ايطاليا ، نصطاد من هناك ، اصل بصراحه نفسى اركب طياره الخطوط الجويه الايطاليه بيقولوا المضيفات زى العسل والخدمه ميه ميه.

انا بالصلاة على النبى كده .. فلاح
فلاح مثقف ، اى نعم راسب ثانويه عامه ، بس مخى ده يوزن بلد بحالها ، القريه كلها عرفانى وخيرى عليهم جميعا ، فراج السلمونى جبتله تصريح يبنى بيت على جذء من ارضه الزراعيه ، كانت جايباله ميت الف دلوقتى طالب فيها نص مليون ، الفلاحين اللى كانوا واخدين قروض من بنك التسليف ، قلت لهم ما يسددوش ، فى الاول كانوا خايفين من الحكومه والسجن ، قلتلهم برقبتى لو حد فيكم جراله حاجه ، كل اللى عليكم تتجمعوا بكره بعد صلاة الضهر امام باب البنك ، اتفقت مع واحد من بتوع الاعلام اللى بيحب الفرقعه ، جانى فى الميعاد بالظبط ومعاه الكاميرات وهات يا تصوير واسئله ، الناس بتوعنا قاموا بالواجب اللى بيصرخ واللى يزعق وكلهم بيقولوا ممعناش نسدد والدوله لازم تساعدنا وتشطب مديونياتنا ، وولادهم ونسوانهم كملوا الصوره المطلوبه ، هيصه وزمبليطه والكل يعيط ويقول هجيب منين ، مدير البنك والمحافظ ومدير الامن وصلوا بسرعه والنتيجه زى ما رسمتها بالظبط ، المحافظ بثقه اخد القرار المطلوب ، المحافظه هتسدد عنكم ، متزعلوش وروحوا دلوقتى واحنا هنتصرف مع البنك ، كل واحد رجع بيته فى هدوء وانا كل اللى طلعلى من الفكره دى يا دوب عشره فى الميه من مديونية كل منهم ، بس بينى وبينك كان مبلغ محترم.
طبعا لانى فلاح مثقف ومتابع للتلفزيون والجرايد ، جبت مصوراتى يصور بيت ام الخير وسعديه وفرحانه ، صور كلها بؤس وشقاء ، مع شوية فوتوشوب وطلعت على جمعيه خيريه بالقاهره ، ما فاتش شهر إلا وكانت كل واحده منهم بتتصور مع الجاموسه العشر اللى استلمتها كمعونه للفقراء ، ما فاتش اسبوع إلا وسلموهالى بنفس راضيه نظير ميتين جنيه يستلموها منى اول كل شهر ، بفضل الله الجاموسه الواحده بتجيبلى صافى الف جنيه ، وآهى ماشيه.
اما بقى الاستاذ فتحى بتاع الجمعيه الزراعيه ، فانا مريحه وعطيله حقه وزياده ، كل ما عليه يسلمنى الكيماوى والتقاوى بسعر اعلى من التسعيره وانا ارجع ابيعه للفلاحين بسعر مضاعف فى مقابل تقسيط المبلغ ، بصراحه حقى مضمون بالكمبيالات ووصولات الامانه.
ده غير انى باساهم فى النهضه التعليميه لاهل قريتى ، اتفق مع مدرسين يدوا دروس خصوصيه فى المساجد ، وبطلعلى من السبوبه دى مبلغ محترم ، وفى الصيف استاجر خمس ميكروباصات يطلعوا رحله لاسكندريه يوم واحد ، كل اسبوع رحله ، منها ترفيه عن اهل القريه وازود ارباح اصحاب الميكروباصات اللى غالبا بيكونوا امناء شرطه ، بافيد واستفيد ، واللى باكسبه من السوق السودا بتاعه عجز انابيب البوتاجاز او السولار والبنزين ، ده باوزعه لوجه الله على الفقرا والمحتاجين من اهل قريتى ، وطبعا كل فروض صلاتى فى المسجد ، بس اللى مضايقنى ان اشباه المثقفين فى القريه فاكرنى مستغل ووصولى ، وبيحاربونى فى الترشح لمجلس الامه رغم انى باستمرار ضامن لى كرسى فى البرلمان  .. بالذمه دى آخرتها من المثقفين؟

انا بالصلاة على النبى كده .. موظف حكومى
اول ما استلمت وظيفتى، كنت موظف مندهش ، اندهشت عندما عرفت ان المسئول الخانع للاعلى منه ومتجبر على الاقل منه هو الموظف المثالى ، ومن يقدم خدمات خارج العمل هوه الموظف اللى ما يتحاسبش ودائما اسمه ضمن كشوف العلاوات والترقيات والمكافآت ، مش مهم شهاده وخبره وكفاءه إلا فيما ندر ، خلال فترة تطورى الوظيفى تحولت من موظف مندهش الى رئيس قسم مطبلاتى ثم لمدير اداره مغنواتى  ثم رئيس قطاع موافقاتى والآن رئيس مجلس اداره مهلباتى ، الشركه شركتى والموظفين بتوعى ، وكل اللجان الاقى نفسى رئيسها ، لجنة الرحلات تحجز لى بصفه مستمره ارقى شاليه من شاليهات الشركه طوال الصيف مجانا ،  جمعية الاسكان وصندوق الزماله مسخرين لخدمتى ،  قطاع الاداريه يخترع بدلات ومكافآت ومقابل حضور جلسات لم احضرها ، سفرياتى للعلاج بالخارج الاقيها اتسجلت مهام لاعمال الشركه بمكافآت وبدلات ضخمه ، سيارة الشركه بسواقها اربعه وعشرين ساعه تحت تصرفى وتصرف اسرتى ، حتى سيارة المدام تتفول بنزين يوماتى ، كل ده فى مقابل انى اوافق على صرف اتنين كيلو لحمه لكل موظف فى العيد الكبير او صرف منحة نصف شهر فى رمضان او العيد الصغير ومثله عند دخول المدارس ، او حتى علبة حلاوه المولد ، ده طبعا غير بعض الطلبات البسيطه ، والنبى يا باشا فلان الفلانى عاوزين نرقيه ، ده راجل كبير وطالع معاش كمان سنتين ، وبتوع الماليه عاوزين إضافى ووجبة غداء عشان بيسهروا لتقفيل الميزانيه ، وبلاش نودى عم السيد فى داهيه عشان اختلس شوية كهنه بمتين الف ، الراجل حلف لنا باغلظ الايمانات انه مش هيكررها تانى ، وانت كريم ومتحبش الاذيه ، ربنا يباركلك فى صحتك واولادك ، والموظفين عاوزين يجهزوا المخزن يعملوه حضانة اطفال لان ولادهم متمرمطين فى الحضانات الخاصه ، ومطلوب موافقتك على تجديد باب الشركه اللى اتكلف خمسين الف بس ، وزودنا مكيفات لمكاتب رؤساء القطاعات ، والموظفين طمعانين فى كرمك وعاوزين شهر منحه لغلو الاسعار ، ورئيس القطاع المالى عاوز موافقتك الشفهيه على عزومه يوميه فى افخم مطعم لبتوع الجهاز المركزى عشان يقللوا ملاحظاتهم فى التقريرالسنوى ، وبتوع الضرايب عاوزين شوية هدايا ومش عارفين نعمل معاهم ايه ، بنفكر نعزمهم همه كمان مع بتوع الجهاز او نجيب لهم هدايا متواضعه فى حدود خمستلاف لكل واحد فيهم ، ما تقلقش يا باشا احنا هنستفها بحيث ما تجبش ملاحظة فى التقرير السنوى لجهاز المحاسبات ، احنا يا باشا مش عاوزينك تقلق من الحاجات البسيطه دى ، احنا عاملين حسابنا ومظبطين المسائل مع الشركه القابضه.
بعد سنه من وظيفتى الجديده ، رجعت لحالة الاندهاش واصبحت رئيس مجلس اداره مندهش.   

انا بالصلاة على النبى كده ... رجل اعمال جديد
انا رجل اعمال جدع وشهم واعجبك ، بس مش زى رجال الاعمال اللى بيطلعوا فى التلفزيون ، انا اجدع منهم ميت مره ، ونشاطى متعدد وقهوة السلام بالمنشيه هو مكتبى الدائم ، اكيد بتشوف عربات كارو محمله بخضار وفاكهه واقفه او دايره بالشوارع ، دول يا باشا تابعين لى ، الصبح الواد قبارى يجيب البضاعه من وكاله الخضار ويوزعها عليهم بالتريسيكل بتاعى ، وآخر النهار يلم الغله ويقابلنى فى مكتبى ، فاكر السيول اللى حصلت من سنتين فى العامريه ، فورا بعت شوية من صبيانى يندسوا وسط المتضررين ، طلعوا من الحكايه دى بشوية بطاطين واكل وشرب ، ده غير التعويض المادى اللى اتوزع عليهم ، الواد هلال واد اصيل ، الشقه اللى اتوزعت عليه فى المساكن الشعبيه جابلى العقد وقالى تحت امرك يا باشا ، بس انا راجل حقانى ، قلتلهم النص بالنص ، عشان كده ربنا باستمرار كارمنى ، ليله خروجى من السجن الواد فراج صمم انى ابيت عنده فى الدويقه ، كان مزنزق فى قرشين يبدأ بيهم حياته ، قولتله وماله خير ربنا كتير ، عمللى عقد بيع وشرا لشقته وسلمته خمستلاف  ، ما فاتش سنه إلا وحصلت كارثه الصخرة ، فوريره وصلت مصر اشوف شقتى ، عشان انا ابن حلال ، طلعلى بدلا منها شقه محترمه فى 6 اكتوبر ، والهلال الاحمر فرشها وحط فيها الادوات المنزليه كمان ، ده غير قرشين حلوين من بنك ناصر ، الشقه دى بقى ناوى ابيعها لانى مش غاوى انزل مصر وكفايه شغلى باسكندريه ، اكيد هتجيبلى نص ارنب ، ربنا كريم ، ولان قلبى طيب وضعيف قدام الناس الغلابه ، تلاقينى باقابل عضو مجلس شعب او عضو مجلس محلى ، اطلب منه كشك سجاير او نصبة شاى وغالبا آخد اللى انا عاوزه ، ولانى مشغول اوقف فيها واحد من صبيانى ، مش باقولك انا باساهم فى تشغيل الشباب ،  وياويل المسئول اللى يزرجن ويرفض لى طلب ، جوابات وشكاوى للمحافظ وللتلفزيون ولرئيس الحكومه ، وآخرتها برضه آخد اللى اطلبه ، ده غير سبوبه كده على قد الحال ، اللى عاوز يخلص اوراق وتصاريح البناء المخالف للشروط ، كلهم عارفين سكتى ، يدفعوا المعلوم اجيب لهم الموافقات اللازمه ، والحكايه بسيطه نص لى ونص للى بيعتمد ، وآهى ماشيه ، حتى ممكن اساعد واجيب له كحول يشيل الليله كلها لو حصلت مشكله مع الحكومه ، وكله مضروب ، والضارب والمضروب صحاب وحبايب ، ما تستغربش على تعدد انشطتى ، يعنى ممكن تلاقينى راشق فى اى دعايه لاى ناخب نازل انتخابات مجلس شعب ، مجلس ادارة نادى ، مجلس محلى ، الم صبيانى ونقوم بالواجب نظير مبلغ متفق عليه ، وبالمناسبه انا عضو ناشط فى رابطه مشجعى نادى الــ..  ، واى لمه فى اى حاجه هتلاقينى فى الصفوف الاولى ، هتقوللى شكلك ما يجيبش كل ده ، هقولك ميغركش منظرى ، ده كل كبارات اسكندريه عارفنى وعارفين انا جامد قد ايه ، اومال يا باشا ، لو سالتنى ايه حكمتك فى الحياه ، هقولك بسيطه قوى ،  "اللى تكسب به العب به" وكمان "من امن العقاب ، اساء الادب" ، بس وحياة ابوك متنشرش اسمى لانى بخاف من الحسد.

انا بالصلاة على النبى كده .. إعلامى
انا إعلامى وصحفى ومذيع وممكن لو طلبونى فى فيلم ما اتاخرش ، اى وسيله تجيبلى فلوس انا معاها ، مع النظام السابق امورى زى الفل ، مع النظام الاسبق قضيت احلى مصلحه ، مع النظام الحالى صوتى واضح ومشهور ، من بدرى قوى عرفت سكتى ، كنت اهاجم وزير الاسكان ، يسكتنى بفيلا فى مارينا ، اهاجم وزير التعليم ، ابن اختى يقبلوه  فى مدرسه وسنه ما تسمحش ، اهاجم وزير السياحه ، يتحجز لى اسبوع فى افخم فندق فى شرم الشيخ انا واسرتى ، طبعا عندى اسطوانه حافظها صم ، فانا من اكبر المؤيدين للقضيه الفلسطينيه والوحده العربيه ، شوية مسح جوخ لحبايبنا بتوع الخليج ، تجينى دعوه لالقاء محاضره ارجع منها شايل ومحمل ، شويه اهاجم التوجه الاسلامى وشويه الناصرى وشويه الليبرالى وشويه الاشتراكى حسب الاحوال ، قالوا عنى اقوى محلل سياسى واشجع اعلامى وخبير فى تاريخ الاسلاميين وفلته زمانى فى العلاقات العربيه ، ده طبعا بيحتاج منى شوية بحث عن كلمات فخيمه مثل التنميه المستدامه او الحريه والديمقراطيه وحقوق الانسان والفتنه الطائفيه والقضايا المعاصره وثورة الجياع والحداثه والطفرات الاقتصاديه ، وصندوق النقد الدولى ، التكتل اللوجستى والقرارات الامميه ، والكيانات النشطه ،  كل اللى باعمله انى باحط  اى كلمه من دول فى جمله مفيده او غير مفيده ، شويه ثقه ونفخه كدابه وبدله جديده لايقه مع الكرافت وابتسامه ساخره مرسومه بحساب ، يبقى كل كلمه باقولها يفتكروها حكمه ، طبعا لو وسط الكلام اتلجلج كأن الكلمه بالانجليزى على لسانى ومش لاقيلها مقابل بالعربى ، واكتر حاجه مصيتانى ، اعمال الخير ، استضيف ناس غلابه واقعد اتاجر بيهم عند اصحاب القلوب الرحيمه ، مره والتانيه ، كل الغلابه اللى يستاهلوا واللى ما يستاهلوش يبقى يوم سعدهم لما اوافق على استضافتهم ، افتكروا ان انا باديهم من جيبى ومن حر مالى ، طبعا ما بانصصش معاهم انما بيدعولى من قلبهم وده مقبول ، ويوم ما احس ان توجه الدوله ضد واحد من الحيتان ، اعزمه عندى فى البرنامج ، لو فتح مخه وورد المعلوم قبل الحلقه ، اجيبله اخيب ضيف يشترك معاه فى الحوار وممكن اديله ورقه بالاسئله اللى هسالها له ، انما لو طلع غبى ومفهمش صح ، هيكون ضيفه اشرس واحد وتكون اسالتى من النوع اللى يودى فى داهيه ، يوم ما صدر القانون الجديد اللى بيمنع حبس الاعلاميين كان يوم سعدى وفرحتى وقوى قلبى على السب والتهور على ايتها مسئول بالدوله ، لو لقيت مشكله بسيطه فى وزارة ، اهاجم الوزير واتطاول عليه واقوله انت فاشل ولازم تسيب مكانك ، واناشد رئيس الدوله انه يعمل تغيير وزارى ، ما يفرقش معايا وزير صحه وزير تعليم وزير اسكان وزير بيئه ، انا بالقانون ده بقيت اقوى منهم ، مؤكد المحافظين ورؤساء الهيئات والاتحادات والمستثمرين ما يخدوش فى ايدى غلوه ، ولإظهار قوتى للمشاهد ممكن اهاجم دوله ورئيسها ، عارف سكتى كويس ، اعزم واحد من السبابين المعروفين فى قطر مصر واديله الحريه فى بدء وصلة الردح والسباب ، واتدخل بطريقه ملتويه ظاهرها انى استنكر وفى الحقيقه انا بانفخ فى الكير ، كل ده وانا مطمن ان القانون والنقابه ساندنى سواء كنت على حق او على باطل ، بالذمه حد يلاقى الكحل وما يتكحلش ، اهو انا واللى زيى بنحب بلدنا وفى نيتنا ان احنا نكحلها كمان ، "من الامثال المصريه : جه يكحلها .. عماها " مننا لله.  

انا بالصلاة على النبى كده واحد من الشله
الاول يا باشا هقولك يعنى ايه شله يمكن تكون مش واخد بالك ، شويه بنى آدمين متجمعين مع بعض ، عاملين نقابه حزب رابطه جمعيه منتدى التراس ، المهم ان احنا نكون سوا سوا وهدفنا واحد وهو ان احنا نآخد اللى من حقنا واللى مش من حقنا كمان ، نتخانق مع بعض على مين فينا الريس ، فى النهايه صاحب اعلى واجش صوت واكثرنا عناد وتربسه هوه اللى هيكسب ، ولو الاخ ده معاه قرشين يرميهم بذره هيحصدها فى المستقبل ، ده هيساعده كتير على اقتناص منصب الرياسه ، احنا بالصلاة على النبى لو النادى اللى بنشجعه عاوز ارض يبنى عليها مقر جديد نروح نقف قدام المحافظه ، لو النادى اللى بنشجعه فاشل وهينزل درجه تانيه ، نلم بعض ونقف قدام اتحاد الكوره ، طبعا هتافات وتكسير وضرب طوب ، يطلع لنا قرار فورا ، الارض آهيه جاهزه ، والدورى الممتاز السنه الجايه من خمسين فريق وفريقكم معاهم ، ولا يهمكم بس روحوا ومتزعلوش نفسكم ، لو محامى عمل مشكله مع قاضى او مامور قسم شرطه ، نقابتنا مش هتسال هوه المحامى صح ولا غلط ، هنعمل اضراب عن العمل ونجيب شلل للبلد كلها ، ونطلعه من المشكله زى ام السعد ما بتطلع الشعره من العجين ، لو عاوزين ميزانية الصحه تزيد هنلم الاطباء من كل مصر ونقف على سلالم نقابة الصحفيين ، يجيلنا مسئول ، روحوا انتم دلوقتى وبكره الميزانية هتتضاعف وبدلاتكم هنعيد النظر فيها ، ويوم قطاع الغزل ما طالب شهر مكافأة ورفضوا ، قالوا القطاع ده بيحقق خسائر وانتم بتآخدوا تمنتاشر شهر مكافآت فى السنه ، منين هنجيب لكم ، هيه وقفه احتجاجيه واحده ، عطلنا العمل بالمصانع ، وافقوا على الصرف فورا، بس احنا ما سكتناش طالبنا بعزل رئيس مجلس الاداره ، وبرضه دى وافقوا عليها ، نقابة المهندسين والطيارين والصحفيين والنقل والمواصلات و و و ، كلنا زى بعض ، لو حقنا احنا واخدينه انما لو عاوزين اكتر مما نستحق هنآخده لان احنا فى عصر الطبطبه ، والعبيط هو اللى يلاقى دلع وما يدلعش ، انما المستغرب ان شلة رجال الاعمال وبتوع الغرف التجاريه داخلين معانا فى موضوع البلطجه ، دول ناس مش ناقصين ، بس مبدئهم ان البحر يحب الزياده ، دايما بيضغطوا على البلد عشان يآخدوا اللى يقدروا يستولوا عليه سواء ارض قرض احتكار اسعار كانهم عطشانين وبيشربوا ميه مالحه ،  هيفضلوا طول عمرهم عطشانين ، وعلى الطرف الآخر لهذه الشله نلاقى شلة مربى الدواجن وتصديهم للحكومه فى استيراد الدواجن لتحافظ على سعر معقول ، وعدوا انهم لن يرفعوا اسعار الدواجن ، بس الدوله توقف استيرادها ، لم يمضى اسبوع الا وتضاعفت الاسعار وطبعا جنوا من وراء ذلك مليارات ، ولم تجرأ الحكومه على فرمله ارتفاع الاسعار ، ما همه دول شلة مربى الدواجن الجامدين قوى.
اجمل الشلل اللى تلاقيها فى مصر هى شلة الرياضه ، كلهم ايد واحده ، لا يختلفوا إلا عندما تتصادم المصالح ، الكل مستفيد ويهلب ويكسب ، مدرب يآخد مرتب شهرى قد مرتب رئيس الوزراء عشر مرات ، راتب لاعب نص لبه فى موسم واحد يعادل راتب مائة طبيب فى سنه ، اللى يعتزل يتعمله حفله مكافاه نهاية خدمه يطلعله منها بقرشين حلوين ، بعدها باسبوع تلاقيه محلل رياضى فى محطه فضائيه او مدرب مبتدئ وكله بالشيئ الفلانى ، طبعا كل الفلوس تصرفها الحكومه لهؤلاء المحظوظين ، ويا سلام لو واحد اخد بطوله ، يوووه يومها لو طلب لبن العصفور هيجيله فورا على طبق من ذهب ، تشعر انه ماسك لمصر على ذله ، اللى يضرب موظف حكومى او رجل امن ، يقولوا سماح ده بطل ، واللى يستولى على قطعة ارض مش من حقه ، ده ميقصدش السرقه يللا بسرعه قننوا موقفه ، واللى عاوز شقه راقيه ، اتفضل ، ملايين ومليارات تنفق على المحاسيب والمصلحجيه واللى عارفين من اين تاكل الكتف.
شفت بقى فايدة الشله ، انصحك اوعى تفوت فرصه وانضم فورا لاى شله اهو كله مكسب وللاسف مكسب من لحم مصر الحى ، بس انصحك لا تنضم للشله الوحيده اللى عملت إضراب ومجبش نتيجه ، بتسالنى إضراب ايه ؟؟ اقولك "إضراب الشحاتين" لانه فيلم سينمائى لاحسان عبدالقدوس.


** للاسف الشديد .. احنا شعب ملوش كتالوج .. اظن واضح احنا ليه بنتقدم للخلف "