زمان .. مش زمان
قوى .. يعنى فى بداية ستينيات القرن الماضى ، الآن نطلق عليها ايام الزمن الجميل ، فى الايام دى كانت حفلات الزواج غير اللى
بنشوفها الآن ، آخر فرح عشته من هذا الزمن كان فرح اخويا الاكبر منى ، كان عندى
وقتها سته عشر عاما ،
قبل الفرح بيوم انشغلنا جميعا فى تجهيز هدايا المعازيم ، وهى عبارة عن علبه
كارتون ملونه ، تكفى لوضع سندويتش صغير جبنة رومى وآخر بسطرمه وقطعتين جاتوه وعلبة
عصير ، بالتاكيد امى هى مديرة العمليات والمسئوله عن توزع المهام ، ولانى كنت فى
سنه اولى كلية التجاره ، فانا من وجهة نظر اسرتى خبير حسابات وإحصاء ، قام مدير
العمليات بتحديد عدد المدعويين من طرفنا ، وعليه قمت بتحديد الكميات المطلوبه لكل
صنف من الاصناف ، وتم توزيع المهام على جميع افراد الاسره ، واحد بفتح العيش
الفينو بطريقه تقلل كمية الحشو ، اخى الاصغر مسئول عن حشو الجبنة الرومى ، وبجانبة
اختى المسئوله عن حشو البسطرمه ، تستلم امى هذا المنتج ، تضعه فى العلبه وتضيف علبه
عصير بشفاطه وقطعتين جاتوه ، اما العريس كلف بالتغليف.
يوم الفرح عصرا استاجرت انا وامى تاكسى الى صالة الفرح ،
قمت بتخزين العلب فى ركن بآخر الصاله ، كانت امى ترتدى كعادتها فستان اسود فوقه
بالطو اسود وشراب اسود وحذاء اسود ، اما راسها فقد غطتها بطرحة سوداء فيظهر وجهها
وكانه قمر فى ليلة حالكه ، اتذكر ان هذا الزى هو زى كل من تعدت الثلاثين من عمرها
، عندما سمعت آذان المغرب وكنا الوحيدان بالصاله ، انتهزت فرصة قيامها بتؤدية
الصلاة ، فتحت واحدة من العلب ، بسرعة اخرجت حشو البسطرمة وضعته فى سندويتش الجبنه
، قطمة واحده كنت ابتلعت هذا الخليط اللذيذ ، اتبعته بقطعة جاتوه ، عدة شفطات
سريعه من علبة العصير انهت المهمه فى ثوان ، رميت المخلفات تحت احد الكراسى ، وكان
شيئا لم يحدث.
فور ان انتهت من صلاتها ، اخرجت من شنطتها السوداء ورقه وقلم ، مالى
اذكر السواد ونحن فى صالة الفرح .. لا ادرى ، ربما لانى كنت اعرف ان نهاية هذه
الليلة ستكون بالنسبة لى ليله غامقه .. الله اعلم ، المهم .. سلمتنى الورقه والقلم
وطلبت منى الا افارقها ، ومهمتى ان اسجل اسماء ومبالغ النقوط ، قلت لها بضحك ،
موافق بس اللى نجمعه نقسمه تلت وتلتين ، قالتلى يعنى ايه ، قلت لها يعنى انا آخد
التلتين وانتى تآخدى التلت ، ضحكت ، وكانت ضحكتها صافية رائقه كقلبها ، كنت اميز
ضحكتها من مليون ضحكه ، والله ما زلت اسمعها حتى الآن كلما تذكرتها .. رحمة الله
عليها ، انت ولد نصاب ، دى فلوس كنت منقطه بيها الجيران ، واليوم هيردوها ، عموما
مش خسارة فيك عشرة قروش (عشرة قروش ايامها تمكنى من دخول سينما وعشاء وبيبسى واربع
سجائر) ، عند الثامنه مساءا بدأ توافد المعازيم.
اهلا يا اختى نورتى وعقبال ولادك ، سجل عندك .. ام امين
جنيه ونص .. شرفتى يا حبيبتى عقبال ما تفرحى بالسيده ، اكتب ام السيده اتنين جنيه ..
عقبال ما نبارك لك فى خلفتك يابت الناس
الامرا ، الست كوثر جنيه ونص .. اسجل واسجل ، الصفحة اتملت وش وضهر .. حبايبك كتير
يا امى .. يا بنى الناس لبعضيها ، عارف يابنى لو معايا وفر كنت وزعته كله لوجه
الله ، قلت لها: طيب وحياة ابوكى يا امى ، لما ربنا يغنيكى تخلينى انا اللى
اوزعهملك بمعرفتى ، ضحكت قائله : هوه انا مش عارفاك .. هتروح تشترى بيهم سجاير
وتضيعهم على صحابك والمسخرة والسيما.
خلال وقوفى على الباب لاستقبال المعازيم مع امى ، دخلت
الفرقة الموسيقية ، اربعة رجال حاملين
آلاتهم الموسيقيه وامراتان سمينتان بعباءات سوداء ، ما احزننى انى لم ارى
راقصه فى صحبتهم ، فقلت لامى هو فرحكم ده مفيهوش رقاصه ، قالتلى بطل مسخره وخليك
محترم ، بدات الفرقه الموسيقية تختبر آلاتها ، نهضت احدى الامراتان و خلعت عبائتها التى تخفى تحتها بدلة الرقص ، فجأة
حدث هرج وحركة غير عادية ، العريس والعروسة وصلوا ، سريعا وصلت راقصه وطبال الى
باب الصالة لبدء الزفه ، ايامها كانت الاغانى المتداوله "مبروك عليك يا
معجبانى ، واقروا الفاتحه لابو العباس يا اسكندرية يا اجدع ناس ، وايضا .. ادحرج
واجرى .. يا رمان .. وتعال على حجرى.. يا
رمان" ، صعدا اخى وعروسه الى الكوشة ، الموسيقى صاخبة والراقصه السمينه تتثنى
وتتلوى وتترجرج على انغام الاوكرديون والطبله ، تهتز يمينا ويسارا وللامام والخلف ، موجات من شحوم صدرها وخلفيتها تتارجح فى جميع
الاتجاهات ، رغم عدم تناسق جسدها ، إلا ان الموسيقى الصاخبة وحركاتها وارتعاشتها
ورجرجرتها وعريها تثير فى ابن السادسة عشر كل مشاعر الشهوة والرغبة التى تجعل الدم
يفور فى النفوخ ، لم انتبة لنداء امى المتكرر إلا عندما وجدتها تجرنى من قميصى ..
انت رحت فين ، يظهر انك استغنيت عن العشرة قروش ، قلت لها : شوفى يا حاجه معازيمك
كلهم وصلوا ، ولميتى النقطه خلاص ، روحى اقعدى واللى عاوز يرد النقطه اللى عليه
هيجيلك لغاية عندك ، قالت فى عتاب : عيب يا ابنى ومين يستقبل الضيوف ،ده حتى ام
سميره لسه موصلتش ولا تحيه ام ربيع ، نظرت
لها بحب : ضيوف مين يا حاجه .. كلهم جم خلاص وآديكى شايفه الترابيزات مليانه ، نظرت
فى عينى قائله : طيب اعمل حسابك هتكون معايا وانا باوزع العلب ، وافقتها وانا مشغول
بمتابعة كتله الشحم الرجراجه.
العروسه فى هذه الايام إذا جلست على الفوتيه ، تضع ساق
على ساق ، ولا تجرأ ان تتحرك من جلستها ، ولا تبتسم ولا تضحك ولا تجرأ لرفع يدها
ترد تحية صديقاتها ، اما إذا وسوس لها عقلها وفعلت واحده من هذه الموبقات ، يبقى
ليلتها سوده ، قد تكون حفل طلاق قبل ان تصل لعش الزوجيه ، إذا ابتسمت يقولون شوف
المايصه فرحانه ان الليله دخلتها ، اما إذا ضحكت لا سمح الله ، دى بقى تبقى فاجره
وقادره ، ويا خراب بيتها وبيت ابوها إذا تحركت او وقفت او عدلت او غيرت جلستها ،
على طول يقولوا مش مستحمله تقعد ساكته ، دى باين عليها خفيفه وهبله ، وقد تسمع من
تقول .. يظهر ان الكرسى مولع تحتها .. إذا رمشت يقولوا عمشه ، إذا عطست يقولوا
عليله ، إذا كحت يقولوا عندها سل او بتشرب مخدرات وسجاير ، ما زالت الراقصه تتلوى وترجرج
كتل شحمها ، عندما يشعر قائد الفرقه ان التعب بدأ يصيبها ، يعلو من رتم موسيقاه فتدور
حول نفسها عدة مرات ، تقف مباعده بين رجليها ، رافعة زراعيها لاعلى ، اما وسطها
فهو فى حالة رعشة عنيفه على نغمات رعشة الرق ، تنثنى فجاه الى الامام حتى تقترب
راسها من ركبتها وشعرها منسدل ليصل الى الارض ، ومع دقه قوية على الطبله تقذف
راسها وتستقيم واقفه ، تتوقف الموسيقى تماما وتنسحب لتستريح على الكرسى المجاور للطبال
.
لحظات هدوء يكسره المهيصاتى باحلى سلام لاهل العريس ،
وسلام ما تزوقينى ياماما لاهل العروسه ، يعلن المهيصاتى اننا سنستمع لمطربة
الاسكندرية الاولى ومصر والعالم العربى ، المطربة فتحيه ، تنهض باسترخاء من كرسيها
، تخلع عبائتها التى تغطى فستان مفضوح ، اقرب الى قميص نوم منه الى فستان ، هى
ايضا سمينه .. سمينه جدا ، عزفت الموسيقى
لحن اغنية على مين على مين على مين .. على مين ياسيد العارفين .. مترحش تبيع المية
.. فى حارة السقايين ، ببطء تتقدم لتواجه الميكرفون ، عندما تتوقف الموسيقى لتبدأ
الغناء ، تفرد زراعيها امامها وكانها تهم بالغناء ، تهز يداها وصدرها الضخم ، تضحك
بغنج وتلوك لبانه فى فمها بطريقه كلها رقاعه ، تتراجع دون غناء ، يعيد الموسيقين
اللحن ويهيج الشباب الموجودين .. لماذا .. لا ادرى .. رغم انى كنت من الفريق
الهائج .. ربما من رجرجة صدرها ، من صوت طرقعة اللبانه التى تتشدق بها ، من هز
راسها ودوران نظراتها وكانها لبؤه تهم بالقفز على ضحيتها ، تعود وتتقدم وتتراجع
ونصفق ونصفر وتهز وتترجرج ، ولتهدئة الهياج تتقدم وتبدأ فى الغناء ، استسغنا صوتها
الاجش ، معيار استساغتنا مختلف ، حركاتها وعريها يشفع لها كل شيئ ، يكفى انها
اشعرتنا بالبهجه ، كل هذا والعروسه المسكينه جالسة لا تتحرك ، وعريسها يجلس جوارها
يبتسم .
إذا دارت عينيك على المعازيم ستلاحظ اشياء عجيبه ، مجموعة
النميمه ، ثلاثة معازيم من الحريم تقترب رؤوسهم يهمسون بعض الكلمات ، تتباعد
الرؤوس بابتسامه او ضحكة مكتومة ، اما البنات فى سن الزواج اصدقاء العروسة او
اقارب العريس ، جالسات فى وقار يحاولن الظهور بمظهر البريئات الساذجات المهذبات
المؤدبات ، علهن يلفتن نظر احد الشباب الذى علية العين ، اما الشباب الباحثين عن عروس
، تجدهم مهتمين بمظهرهم ، من حضر بعد ان غسل شعره بصابونه نابلسى ام ريحه وتركه الى
ان يجف ليظل شعره ثابت على وضعه (لم يكن الجيل قد تم اختراعه) ، اما إذا كان شاب
روش ، تجده قد حلق ذقنه ورشه خفيفه ريحه خمس خمسات ، طبعا البنطلون ضيق جدا من عند
القدم وقصير نوعا ليظهر الشراب ابو استك ، كما راينا سعيد صالح فى احد مسرحياته وشراب
استك منه فيه وبيلسوع ، وما زالت العروسة لم تتحرك فى جلستها .
قبل ان تبدأ مراسم توزيع علب الاكل على المعازيم ، يقوم
المهيصاتى بتسليم العريس كاس شربات لونه احمر ، يشفط العريس شفطه ويعطى العروسة
شفطه ، ولو كانوا اهل كرم يقدموا له طبق به قطعتى جاتوه ، قطعه صغيرة بالشوكه
يهديها للعروس ، لحظات ويبدأ الهرج والمرج والدوشة والزعيق إعلانا لتوزيع العلب
على الضيوف ، انا يام حسن ما اخدتش ، والنبى يا اختى علبة للواد فاروق ، حاضر يا
اختى ، البت بديعه راحت فين ؟؟ نادى عليها بت الكلب تيجى تآخد علبتها ، سيبلها
علبه يا اختى يظهر انها راحت الحمام ، اما البنات اللى على وش جواز ، تمد يدها
بخجل لتاخذ علبتها ، فور ان تبعد عنها الانظار تقوم بالواجب على اكمل وجه ، لا
تترك فى علبتها شيئ ، واحده تقوم توشوش امى وتقولها انا عاوزه علبة لابو السيد ،
اصله بعيد عنك جاله مغص ومقدرش ييجى معانا ، واللى تاخد علبة ترهنها عند امها ،
وتغير مكانها بغرض الحصول على علبة اخرى ، وتظهر اخرى تدعى انها عند فتح علبتها
وجدت السندوتشات فاضيه ، بخباثه ساذجه يحاول اهل العريس معرفة محتويات علبة اهل
العروسة ، واهل العروسة يحاولون معرفة محتويات علبة اهل العريس ، يبقى يوم مش فايت
لو علبة احسن من التانية ، لذا كانوا يتفقوا الاهل على مشتملات العلب حتى لا يحدث
ما لا تحمد عقباه ، اما الفرقه الموسيقية فقد وصلتها علب من الفريقين ، وتفرغوا هم
ايضا للاكل ، نصف ساعة تقريبا ، انهمك الجميع فى طحن محتويات العلب ، وقبل ان ينام
المعازيم ، تدق الموسيقى ، والمذيع يعلن مطربة اسكندرية ومصر والعالم العربى ، ومن
كانت ترقص فى اول البروجرام تغنى الآن اغنية الافراح .. ما تزوقينى يا ماما ،
تتبعها باغنية سكندرية مشهوره ايامها " طلعت فوق السطوح انده على طيرى"
، تصهلل وتعيد وتزيد تنتظر حضور راقصه تؤدى رقصتها فى افراح اخرى.
خرجت من الصالة ادخن سيجاره بعيدا عن عيون ابى وامى ،
لاحظت توقف تاكسى امام الصالة ، نزلت منه فتاه صغيرة فى العشرين من عمرها بملابس
الرقص التى تشبه المايوه البكينى ، دخلت تجرى وصعدت المسرح لتندمج فورا مع دقات
طبال الفرقه الموسيقيه ، لم انتظر لانتهى من تدخين سيجارتى ، رميتها ودخلت خلفها ،
بهرتنى بتناسق جسمها وصغر سنها ، ما زالت العروسه جالسه ساكنه ، جميع الشباب بالحفل
تركوا كراسيهم وتسمروا كالاصنام امام المسرح ، طبعا انا معهم ، نصف ساعه سحرت
الجميع ، انتهت نمرتها ونزلت تجرى ، كنت انتظرها على السلم الذى يربط المسرح
بالصالة ، لم اتمالك نفسى فمسكت الجذء البارز من صدرها ، سبتنى بابويا وجرت خارجه
مع الفتوه حارسها الشخصى الذى لم يتوانى عن دفعى فى وجهى ، لم ينتهى الامر عند هذا
الحد ، فقد فوجئت بمن يرزعنى كف شديد على قفاى ، استدرت لارد عليه بقبضة يدى ، شلت
يدى .. جحظت عيناى .. تمنيت لو ان الارض ابتلعتنى ، كان ابى هو الفاعل وانا
المفعول به ، انسحبت وانا انظر الى الارض ، خرجت الى الشارع حتى يبرد قفاى من قوة
الصفعه ، ايقنت انه يوم اسود ومش فايت ، فإذا كانت هذه العقوبه ونحن فى الفرح فكيف
ستكون عقوبتى عندما اعود للبيت ، تسللت وقلت لامى فين العشرة قروش اللى وعدتينى
بيهم ، قالت وهى مندهشه والفرحه بانقضاء الحفل على اكمل وجه من وجهة نظرها : استنى
لما نروح ، بحزم قلت لها : لا .. اصل انا مش مروح ، انا ابويا لسه شامطنى قفا عشان
باسلم على الرقاصه ، تخيلى مش عاوزنى اسلم على رقاصه فى فرح اخويا ، يرضيكى كده ؟ عموما
انا هروح ابات مع ولاد عمى وبكره الصبح هآجى.
لم اجرأ على العوده للمنزل ، فقضيت الليله فى بيت عمى ،
واذكر انى طول الليل وانا احلم بمن تسببت فى
سخونة قفاى ، ومن يومها وانا اخشى صالون الحلاقه ، لانى اسلم قفاى للحلاق
واخشى ان يتجرأ احدهم ويفعل ما فعله ابى يوم فرح اخى.
ما زلت الى الآن اتذكر هذا اليوم الذى كانت بدايته جميله
جدا ونهايته لسعه اجمل على قفايا.











