الاثنين، 17 سبتمبر 2018

انت مين ياللى انا مش عارفك


لمحته وهو ينظر لى بعمق .. سمعته يسالنى : مش انت برضه حسين ، هززت راسى بالايجاب وبدات البحث فى تلافيف مخى عمن يكون هذا السائل ربما زميل من ايام الجامعه او ممن خدموا معى بالجيش اثناء تجنيدى ايام حرب اكتوبر ، مددت يدى لتقابل يده الممدوده بالسلام ، ابتسمت فى خجل وانا اقول : اهلا وسهلا .. هوه حضرتك تعرفتى ، اعذرنى الزهايمر بينسينى الاسماء والوشوش ، ويشرفنى ان تذكرنى بنفسك.
بهدوء وابتسامه رقيقه ارتسمت على ملامح وجهه قائلا : انا زى ما انت شايف كده عديت السبعين من عمرى ، ولكن روحى ما زال بها شوية شباب ، وعموما انا راجل نهارى ، احب البكور والبساطه فى كل شيئ  ، واحيانا احب الصعلكه ، افطر على عربية فول ، واقعد على قهوه بلدى فقايرى ، واحب الكوره وتشجينى اغانى محمد رشدى وعبدالمطلب وحليم وام كلثوم ، ومدمن افلام اسماعيل ياسين والقصرى وزينات صدقى وفريد شوقى وزكى رستم واحمد حلمى ، واعشق الرحلات والبحر والسباحه ومرسى مطروح ، واعز قوى الاكلات البحريه .
نظرت له باندهاش قائلا : هيه ايه الحكايه !!! لو سمحت فكرنى بنفسك لان الكلام اللى انت قلته ده بينطبق على ناس كتير ، وانا واحد منهم ، وبعدين انا باحاول افتكر بس الذاكره مش سعفانى ، ها .. مش هتقوللى مين حضرتك وتريحنى .
هز راسه واسترسل قائلا : انت مستعجل ولا ايه ؟ انا باحاول انشط ذاكرتك واكيد هتفتكرنى لما تعرف ان وانا صغير كنت مشاغب واحب العاب التحدى وإظهار التفوق ، اما فى الدراسه وبسبب عشقى للعب الكره كنت متوسط او اقل قليلا ، انما اجمل ايام حياتى كانت ايام الجامعه ، حريه ورحلات وكوره وشهر تركيز قبل الامتحان والنتيجه مقبول بالعافيه ، ولما اتخرجت حصلت النكسه وتم تجنيد كل الجامعيين ، وسبع سنين خدمتها بالجيش زرت فيها اماكن كتير من مصر.
قلت وانا استعجله : يا اخى انت كانك بتتكلم عنى شخصيا ، هوه انت مين بالظبط ، ما هو انا لازم اعرف ،  ناقص تقوللى انك اتجوزت اخت صاحبك وربنا رزقك بثلاث اولاد وسافرت دوله عربيه والولاد اتخرجوا من الجامعه واتجوزوا وطلعت معاش وعديت السبعين واسنانك وقعت و طقم الاسنان مضايقك وشكلك بالصلعه مسببلك ازعاج.
رد بسرعه : تمام والله العظيم تمام ، هوه ده نفس اللى حصل معايا ، ولكن فى الحقيقه الاختلاف بيننا انى حاسس انى شباب عنك ومعنديش التكشيره اللى انت راسمها على وشك ، كمان انا نفسى اعمل حاجات مش متاكد انك تتمنى تعملها ، تخيل نفسى وانا فى السن دى اتعلم سواقة موتوسيكل ونفسى ابطل تدخين وباخطط انى اروح ازور الاقصر واسوان وهناك اركب منطاد يطلع بيا فوق فوق.
قلت : انت يا عمنا كانك دخلت جوه مخى وعرفت انا نفسى فى ايه ، شوف ومن الآخر كده ، اذا مقلتليش انت مين هسيبك واقوم من هنا ، انت توهتنى وتعبت مخى ، تبقى نكته لو طلعت كاميرا خفيه.
قال وهو يضحك : كاميرا خفيه ، ده انت ظريف زى ما انا عارفك ، بس اللى انا مستغرب منه ، ان حكايتى وعمرى كله اللى حكيتهولك ما اخدوش عشر دقايق كلام  ، تخيل اكتر من سبعين سنه ما اخدوش شرح الا الدقايق البسيطه دى.
قلت وقد نفذ صبرى : اسمع يا عم انت ، إذا مقلتليش انت مين ومن غير فوازير ووجع دماغ ، سيبنى فى حالى انا مش فايق لك ، رد بسرعه : هيه عادتك ولا هتشتريها ، طول عمرك مستعجل ومتسرع ، بس آخر حاجه هقولهالك ان اليومين اللى فاضلين من عمرى هقضيهم فى العباده والتقوى وفعل الخير ، والا انت ايه رايك ؟
قلت له : يا عم ريحنى وقوللى انت مين واعرفك من امتى وفين وازاى ، وقبل ان يجيبنى انتبهت على زوجتى تفتح باب حجرتى وهى فى حالة من الفزع والخوف والشفقه ، استردت انفاسها واقتربت تملس بيدها على راسى وهى تقول بصوتها العذب  "قوم يا حسين من قدام المرايه وبطل تكلم نفسك " .