لمحته وهو ينظر لى بعمق .. سمعته يسالنى : مش انت برضه حسين ، هززت راسى
بالايجاب وبدات البحث فى تلافيف مخى عمن يكون هذا السائل ربما زميل من ايام الجامعه
او ممن خدموا معى بالجيش اثناء تجنيدى ايام حرب اكتوبر ، مددت يدى لتقابل يده
الممدوده بالسلام ، ابتسمت فى خجل وانا اقول : اهلا وسهلا .. هوه حضرتك تعرفتى ،
اعذرنى الزهايمر بينسينى الاسماء والوشوش ، ويشرفنى ان تذكرنى بنفسك.
بهدوء وابتسامه رقيقه ارتسمت على ملامح وجهه قائلا : انا زى ما انت شايف
كده عديت السبعين من عمرى ، ولكن روحى ما زال بها شوية شباب ، وعموما انا راجل
نهارى ، احب البكور والبساطه فى كل شيئ ، واحيانا
احب الصعلكه ، افطر على عربية فول ، واقعد على قهوه بلدى فقايرى ، واحب الكوره
وتشجينى اغانى محمد رشدى وعبدالمطلب وحليم وام كلثوم ، ومدمن افلام اسماعيل ياسين
والقصرى وزينات صدقى وفريد شوقى وزكى رستم واحمد حلمى ، واعشق الرحلات والبحر
والسباحه ومرسى مطروح ، واعز قوى الاكلات البحريه .
نظرت له باندهاش قائلا : هيه ايه الحكايه !!! لو سمحت فكرنى بنفسك لان
الكلام اللى انت قلته ده بينطبق على ناس كتير ، وانا واحد منهم ، وبعدين انا
باحاول افتكر بس الذاكره مش سعفانى ، ها .. مش هتقوللى مين حضرتك وتريحنى .
هز راسه واسترسل قائلا : انت مستعجل ولا ايه ؟ انا باحاول انشط ذاكرتك
واكيد هتفتكرنى لما تعرف ان وانا صغير كنت مشاغب واحب العاب التحدى وإظهار التفوق
، اما فى الدراسه وبسبب عشقى للعب الكره كنت متوسط او اقل قليلا ، انما اجمل ايام
حياتى كانت ايام الجامعه ، حريه ورحلات وكوره وشهر تركيز قبل الامتحان والنتيجه
مقبول بالعافيه ، ولما اتخرجت حصلت النكسه وتم تجنيد كل الجامعيين ، وسبع سنين خدمتها
بالجيش زرت فيها اماكن كتير من مصر.
قلت وانا استعجله : يا اخى انت كانك بتتكلم عنى شخصيا ، هوه انت مين بالظبط
، ما هو انا لازم اعرف ، ناقص تقوللى انك
اتجوزت اخت صاحبك وربنا رزقك بثلاث اولاد وسافرت دوله عربيه والولاد اتخرجوا من
الجامعه واتجوزوا وطلعت معاش وعديت السبعين واسنانك وقعت و طقم الاسنان مضايقك
وشكلك بالصلعه مسببلك ازعاج.
رد بسرعه : تمام والله العظيم تمام ، هوه ده نفس اللى حصل معايا ، ولكن فى
الحقيقه الاختلاف بيننا انى حاسس انى شباب عنك ومعنديش التكشيره اللى انت راسمها
على وشك ، كمان انا نفسى اعمل حاجات مش متاكد انك تتمنى تعملها ، تخيل نفسى وانا
فى السن دى اتعلم سواقة موتوسيكل ونفسى ابطل تدخين وباخطط انى اروح ازور الاقصر
واسوان وهناك اركب منطاد يطلع بيا فوق فوق.
قلت : انت يا عمنا كانك دخلت جوه مخى وعرفت انا نفسى فى ايه ، شوف ومن
الآخر كده ، اذا مقلتليش انت مين هسيبك واقوم من هنا ، انت توهتنى وتعبت مخى ،
تبقى نكته لو طلعت كاميرا خفيه.
قال وهو يضحك : كاميرا خفيه ، ده انت ظريف زى ما انا عارفك ، بس اللى انا مستغرب
منه ، ان حكايتى وعمرى كله اللى حكيتهولك ما اخدوش عشر دقايق كلام ، تخيل اكتر من سبعين سنه ما اخدوش شرح الا
الدقايق البسيطه دى.
قلت وقد نفذ صبرى : اسمع يا عم انت ، إذا مقلتليش انت مين ومن غير فوازير
ووجع دماغ ، سيبنى فى حالى انا مش فايق لك ، رد بسرعه : هيه عادتك ولا هتشتريها ،
طول عمرك مستعجل ومتسرع ، بس آخر حاجه هقولهالك ان اليومين اللى فاضلين من عمرى هقضيهم
فى العباده والتقوى وفعل الخير ، والا انت ايه رايك ؟
قلت له : يا عم ريحنى وقوللى انت مين واعرفك من امتى وفين وازاى ، وقبل ان
يجيبنى انتبهت على زوجتى تفتح باب حجرتى وهى فى حالة من الفزع والخوف والشفقه ،
استردت انفاسها واقتربت تملس بيدها على راسى وهى تقول بصوتها العذب "قوم يا حسين من قدام المرايه وبطل تكلم
نفسك " .
