الجمعة، 7 سبتمبر 2018

اتسرقت يا حاج سيد


قصير القامة ، تعدى الخمسين من العمر بقليل ، صعيدى الملامح ، اسمر البشرة مع شفاة غليظه وانف ضخم يملا نصف وجهه الممصوص , شعره اكرت يطغى ابيضه على اسوده ، عيون ضيقه تتحرك باستمرار فى مقاليها توحى بالنشاط والمكر معا .
بدأ حياته بالشركة فى وظيفة مساعد كاتب بإدارة الحسابات ، كان الوحيد بالادارة الغير حاصل على مؤهل جامعى ، اوكلت البه الاعمال البسيطه التى لا تحتاج الى خبرة او تفكير ، رغبته فى التعلم ونشاطه الملحوظ وابتسامته فى وجه كل من يتعامل معهم ، حبب فيه جميع الزملاء.
فور خلو وظيفة امين الخزينه ، لم تجد الادارة افضل من عم سيد لشغلها ، نسى القميص والبلوفر واصبحت البدله الكامله زيا رسميا له طوال العام ، غير نظارته الدائرية الشكل باخرى فريمليس ، دبوس برسم علم مصر مشبوك فى عروة بدلته ، حتى سجائره الكليوباترا غيرها الى مارلبورو،  شعر انه اصبح مسؤول كبير بالشركة ، التعالى على الاخرين وزهوه بنفسه تتجلى فى نهاية كل شهر وقت صرف الرواتب ، ربما اقنع نفسه بانه يصرف رواتب العاملين من حسابه الخاص.
عندما اهداه ابنه الذى يعمل بالسعودية ساعة يد فخمة ، خلع الجاكت وشمر اكمام قميصه لتظهر الساعه فى معصمه بوضوح ، دار على جميع مكاتب الشركه متباهيا .. دى هديه بسيطه من ابنى المدير فى السعوديه ، ساعة اورينت مطليه بالذهب ، اطلق الزملاء على هذا اليوم ، يوم الساعة السعودى ، تندر الزملاء من تصرفه هذا ، منهم من قال عجائب الدنيا زادوا واحد ، رد عليه آخر .. تصدقوا بالله ان الساعه دى حريمى .. دى فيها رقاصه مش رقاص .. احدى الزميلات افتت بان عم السيد وصى ابنه يجيبله ساعه زى ساعة جيمس بوند اللى ظهر بيها فى فيلم الصعيدى لايموت عشان يغيظ بيها رئيس مجلس الادارة.
صباح اليوم التالى توقع الجميع ان ياتى عم السيد بهديه جديده من ابنه ، خاب ظنهم عندما وجدوه مكتئب حزين ولما سالوه ، حكى لهم وهو يكاد يبكى من التاثر "الساعة الاورينت المطليه بالذهب اللى جابهالى ابنى المدير بالسعودية .. اتسرقت منى امبارح وانا مروح" ، صمت قليلا مع تنهيده عميقه .. انتم عارفين انى باركب قطار ابوقير وانا مروح ، حظى المهبب قعدنى جنب الشباك ، سندت ايدى الشمال اللى فيها الساعه الاورينت على حافة شباك القطر ، القطر مذدحم وكل محطه يزداد الاذدحام ، يادوب وصل محطه باكوس نزل ناس وطلع ناس ، دقايق وتحرك القطار ، شفت واحد بيجرى على رصيف القطار ، ظننت انه يريد اللحاق للركوب ، فجاة قفز بنصف جسمه من الشباك اللى انا قاعد جنبه ، ايده اليمين وضعها فوق ايدى اللى فيها الساعه الاورينت ، ويده الاخرى ضربت بكل قوه وجه الجالس جوارى ، هب جارى صارخا من الالم ، بسرعه وخفه وعنف انتزع المجرم الساعة الاورينت من يدى ، صرخت وحاولت امساكه ، نفذ اللص خطته وترك الشباك والقطار واختفى ، انظر من شباك القطار واصرخ اللص سرق الساعه ، يزاحمنى جارى على الشباك وهو يصرخ ويسب من ضربه ، تعجب الركاب من صراخى ، فلست انا من ضرب على وجهه ، عندما عرفوا ما حدث لى بعضهم علت وجهه ابتسامه وكثيرين لم يتمالكوا انفسهم من الضحك ، وآخرين قالوا ربنا يعوضك عنها خير ان شاء الله واحمد ربنا ان الساعه طلعت من ايدك بدل ما كان يقطعها وبرضه مكنش هيسيبك إلا إذا اخدها منك .
ما ضايق الحاج سيد هو الذكاء الخارق لهذا اللص الوضيع ، كيف جائته هذه الفكره الجهنميه وكيف تمكن ان يشغل الجميع بضرب واحد وسرقه التانى ، كل الموجودين بالقطار ظنوا انها خناقه بين الصايع الحرامى وبين الافندى اللى جنبى ، الحقيقه ان هدف الواطى ده هو سرقه الساعة الاورينت الذهب اللى ابنى المدير بالسعودية جبهالى ، ترقرقرت دمعه حزينه فى عيون عم سيد وهو يقول ، انا مش هاممنى الساعه ولا زعلان عليها ، انا اللى قاهرنى انها هديه من ابنى المدير فى السعودية.
كان يحكى وهو مهزوم محبط مكتئب ، طيبنا خاطره وتوقعنا ان هذه الحادثه ستغير من تعاليه وغطرسته الى الابد ، ما ان آن الاوان ووصلنا ليوم صرف الراتب حتى عاد عم السيد الى زهوه وغروره ، وما زالنا يشعرنا انه يصرف رواتبنا من جيبه الخاص.