الاثنين، 24 سبتمبر 2018

العمدة


بعد صلاة العشاء جلس العمدة كعادتة فى ايام الصيف الحارة على المصطبة امام الدوار ، على كرسى امامه يجلس الاستاذ فهيم ، بينهما طاوله قديمة عليها صينية وبراد شاى يتصاعد الدخان من بزبوزه ، صب الاستاذ فهيم الشاى فى احد الاكواب المتراصة بالصينية ، انحنى وهو يقدمها للعمدة ، صب لنفسه واحدة اخرى وبدأ يرشف باستمتاع وتلذذ " تصدق بالله ياعمدة الشاى ملوش طعم إلا معاك" ، همهم العمده موافقا وابتسم ، لحظات وحضر نجدى شيخ الخفر ، القى السلام وانحنى مقبلا يد العمدة وجلس على كرسى مجاور للاستاذ فهيم بعد ان سمح له العمده .
العمدة قصير ممتلئ بدون تناسق ، يغطى راسه دائما بطاقية صوف ليدارى صلعته ، عيونه ضيقه ماكرة ، سليط اللسان ، ضيق الافق ، يسيطر على مقدرات القرية بكل ما فيها ومن فيها ، علاقته مميزه مع الاستاذ فهيم ونجدى شيخ الخفر ، الاستاذ فهيم مدرس كشكول بمدرسة القرية الابتدائية ، ضعيف الجسم ، نظارته ليست لضعف النظر بل للايحاء بعلمه وثقافته ، يفتى فى كل شيئ واى شيئ ، معلوماته السطحية يستعرضها امام العمده الجاهل فيظن انه عالم كبير ، اكول شره لا تفوته عزومة فى بيت العمدة حتى لو لم يكن من المدعوين ، اما شيخ الخفر فهو ضخم الجثة ، شاربة الكثيف يضفى على سحنته الكالحة قسوة ورهبة ، فى عينية غموض وتركيز ، يخشاه كل سكان القرية لغشوميته وظلام عقله ، هو ذراع العمدة فى البطش بمعارضية ، يساعدة مجموعة خفراء اشداء ، يؤول ولاءهم المطلق له وللعمدة .
سحب العمده نفس عميق من نرجيله اعدها له الخفير المسؤول عن خدمته ، رفع راسه لاعلى وهو ينفث الدخان موجها كلامه الى نجدى "الاخبار ايه النهارده يا شيخ الخفر؟"  متلجلجا رد عليه وهو يرخى راسه الى اسفل ناظرا الى الارض "كله تمام يا حضرة العمده" ، صمت قليلا ثم اكمل " بس يظهر ان الشيخ الشحات مش ناوى يجيبها البر" ، طق الشرر فى عينى العمده عندما سمع اسم الشيخ الشحات ، بصوت حاد "حصل ايه يا زفت ؟ .. انطق " ، "بعد صلاة العشا يا عمده ، لقيته بيفهم الناس انهم ما يخافوش من حد غير ربنا ، وكلام تانى كتير ما فهمتش منه حاجه" ، اعتدل العمده فى جلسته وهو يتوعد " تقصد انه جاب سيرتى؟ ، ده لو عملها لاقطع خبره وخبرك " ، تدخل الاستاذ فهيم "هوه يستجرى يا عمده ، يتقطع لسان اللى يجيب سيرتك" ، صرخ العمده فى شيخ الخفر آمرا " ابعت حالا واحد من الخفر البقر يجرجروه من جبته ويجينى هنا حالا" ، رد استاذ فهيم "روق دمك يا عمده ما يستاهلش تضايق نفسك عشان واحد تافه زى ده" ، نهض شيخ الخفر بسرعه وهو يتمتم "انا رايح اجيبه بنفسى" ، صب الاستاذ فهيم كوب شاى اخرى للعمده وقدمه له بانحنائته المعتاده.
حضر نجدى ومعه الشيخ الشحات ، رجل متوسط الطول تعدى الخمسين من عمره ، اكثر ما يميزة تلك اللحية المصبوغه بالحناء ، حليق الشارب ، نظيف الثياب ، القى عليهم جميعا تحية الاسلام ، جلس شيخ الخفر على نفس الكرسى الذى كان يجلس عليه ، ظل الشيخ الشحات واقفا ، الى ان قال الاستاذ فهيم " بعد اذنك يا عمدة ، اقعد يا شيخ شحات" ، نظر ناحية العمدة ليرى تاثير دعوته ، تابع"ايه ياشيخ شحات ، انت عارف ان العمدة كبير القرية ، وخيره على الجميع ، وعليك وعلى اسرتك واولادك ، لولا العمده كان زمان المطاريد نهبوا القرية وخربوا بيتك وبيوتنا" ، هز الشيخ الشحات راسه موافقا ولم ينبث بحرف ، اكمل الاستاذ فهيم "بلاش يا شحات دروس العشاء ، انا شايف انها ملهاش لازمه وكمان تعب عليك والعمده يحب راحتك وسلامتك ، والا انت ايه رايك؟" ، رد الشحات بسرعه وهو ينظر الى الارض "دا انا اللى اسمعه يتكلم كلمه واحده فى حق العمده اخرسه ، العمده خيره مغرق اهل القريه كلهم" ، نظر العمدة فى عينى الشحات وبلهجه آمره "انا مش عاوز مشاكل ووجع دماغ ، اهل القريه لازم يعرفوا ان ليهم كبير يحترموه ويخافوا منه "، رد الشيخ الشحات بخنوع "احنا ملناش غيرك يا عمده ، والناس كلها عارفه افضالك عليهم ، حتى ولاد الشيخ اسماعيل اللى اتقتل من شهرين بيدعولك بطولة العمر والصحة ويبوسوا ايدك على اللى بتبعته لهم كل شهر ، وولاد الشيخ فراج لا ينكروا فضلك عليهم من يوم ما ابوهم دخل السجن فى القضية اياها ، انت رجل الخير والبر والتقوى يا عمدة" ، ابتسم العمده فى خبث ، فقد استقبل الشيخ الشحات الرساله التى اراد ان يوصلها له ، انهى الشيخ الشحات شرب الشاى وقام ليضع الكوب فى الصينية ، سارع العمدة قائلا بلهجه آمرة ، شرفتنا يا شحات ، القى عليهم تحية الوداع وانصرف فى هدوء ، من يومها تغيرت مواضيع خطبة الجمعه ودروس عصر الثلاثاء اما درس العشاء فقد توقف ، هو يعلم حجم الغباء والعند والكبرياء الاجوف الذى يملأ عقل العمده ، ويعلم قوة البطش وغشامة شيخ الخفر ، ويعلم قوه تاثير الاستاذ فهيم فى تحويل الحق الى باطل والباطل الى حق ، واصبح الشيخ الشحات مؤمون الجانب.
يمر الزمن ليزداد العمدة قوه وجبروت ، ويزداد فقراء القرية فقرا ، شباب القرية عاطل ، الثروه والجاه فى يد العمده وقلة من اتباعه ، فى الخفاء يدأ ينشط الشيخ الشحات ، اصبح له اتباع ومريدين من الشباب ، يبث فيهم روح العداء للعمده ، ازدادت بالقريه حركات التمرد فاذداد عدد من لفقت لهم تهم وقبض عليهم ،  خصص العمده سرداب الدوار مقرا لحجز المقبوض عليهم ، فى لحظة فارقه ، قرر الشباب الثوره على الظلم فهجموا على قصر العمده مطالبين بتحرير زملائهم ، فارت الدماء فى عروقهم ، هجموا على الخفراء ، لم يصدقوا انفسهم وهم يرون شيخ الخفر يفر الى بيت العمدة ، الخفر يلقون باسلحتهم عائدين الى بيوتهم يغلقون عليهم الابواب ، توجهوا كتلة واحدة الى دوار العمدة ، ما زادهم جسارة وعزما عندما راوا الرعب فى عيون العمدة وشيخ الخفر ، من بعيد اتى الشيخ الشحات مهرولا مكبرا ، وجد الشباب قد انتهوا من تكبيل العمده وشيخ الخفر ، امرهم ان يخرجوا زملائهم من السرداب ويحبسوا العمده واتباعه مكانهم.
انتشر الخبر بالقريه ، فاجتمعوا امام الدوار ، فوضى ، ضوضاء تعم المكان ، صعد واحد من الشباب الثائر فوق المصطبه التى كان يجلس عليها العمده صارخا باعلى صوته ، "انا اول من هجم على العمدة ، يبقى انا احق واحد يبقى عمدتكم " ، ظهر شاب آخر" انا احق منك ، انا من جمعتكم وناديت بضرورة حصولنا على حقوقنا" ، شاب بالصفوف الاماميه " لو سمحتم هدوء .. اسمعونى .. انا يا اخوانى اول من تعذب على يد العمدة الطاغية ، وكنت اول شاب مقبوض عليه ، انا مفجر هذا الحدث ، انا الاولى بالعموديه" ، هجم علية شاب من الصفوف الخلفية "انت لص وابن لص ، انت العمده قبض عليك لانك سرقت جاموسة ابوسالم " ، هنا ظهر الاستاذ فهيم ، ارجوكم اسمعونى "انا اكثر من جلس مع العمدة واعرف كيف اعيد لكم حقوقكم " ، يعلو صوت شاب فى وسط الصفوف "اسكت يا منافق ، انت من الفلول" ، يقذفه احدهم بطوبة فى راسه فيسيل دمه ويختفى الاستاذ فهيم من المشهد ، سمع الجميع من يكبر "الله اكبر .. الله اكبر" .. نظروا جميعا فى اتجاه الصوت ليروا الشيخ الشحات يشق الصفوف ، وقف فوق كرسى العمده ماسحا لحيته المحناه بيده يزيدها ترتيبا ، انتظر الى ان سكتوا جميعا ، " لماذا نتكالب على هذا الكرسى المشؤوم ، فلنكن عاقلين ، لا تنسوا ان شباب القرية هو من يستحق كل الشكر ، وانا لا ارغب فى هذا الكرسى ، انا هسجل اسماء الشباب اللى عاوزين العموديه ، واهل القريه ينتخبوا اللى همه عاوزينه ، واللى يكسب يبقى العمده" ، استحسن الجميع هذه الفكره فاخرج من جبته ورقه وقلم ، وبدأ فى تسجيل المرشحين الى ان وصل عددهم ثمانيه ، فاستكمل حديثه " دعونا نعود لبيوتنا الآن لنستريح ونجتمع غدا بعد صلاة العشاء لنختار واحد من هذه الاسماء ، وسوف اعلق الاسماء على باب المسجد وغدا تختاروا واحدا منهم .
تفرقوا كل الى بيته ، يفكرون فيمن سيختاروه عمدة للقرية ، فى منتصف الليل ، تسلل الشيخ الشحات الى دوار العمده ، حمل من المخزن ما قدر على حمله من سكر وشاى وارز وزيت ، كرر ذلك مرارا ، حتى الفجر كان قد نقل مخزون العمدة الى بيته ، ولم ينسى ان جهز حماران ، حملا العمدة وشيخ الخفر خارج القرية ، شكراه ووعدوه انهم لن يعودوا للقرية ابدا ولن ينسوا هذا الجميل الذى طوق به رقبتهما ، فى الصباح ، حمل بعضا من السكر والشاى والارز والزيت يوزعه على بيوت اهل القريه ، لم ياتى المغرب إلا ووصلت هديته الى الجميع ، انهى صلاة العشاء ، وخرج من المسجد متجها الى دوار العمدة ، حمله بعض الشباب على اعناقهم وهتف بعلو صوته .. عمدتنا مين ؟  يرد الجميع .. الشحات ، وكبيركم مين ؟ .. الشحات .. وحبيبكم مين ؟ .. الشحات ، اما نساء القرية فقد اكتفوا بالزغاريد والدعاء للشيخ الشحات.
سنوات قليله مرت وازداد الشحات واتباعه قوة وجبروت ، وازداد فقراء القرية فقرا .

"عفوا .. لم اذكر اسم القريه .. وتركت لك اطلاق الاسم الذى تراه مناسبا لهذه القريه او هذه الدوله"