الاثنين، 3 سبتمبر 2018

قهوة الصعايده بالكويت


منذ ان وطات قدماه ارض الكويت وهو يبحث عن الاماكن التى لها شخصيه مميزه ، البسيطه ، البكر ، سريعا وجد مبتغاه فى منطقة المباركيه ، تشمم فيها عبق التاريخ والاصاله والايام الخوالى وقت ان كان الناس لا تنخدع بمظاهر الفخامه والابراج والمولات والوجبات السريعه والمطاعم الفاخره ، هذا سوق السمك يجاوره سوق اللحوم ، وسوق الحريم والبائعات جالسات اعلى طاولات خشبيه يعرضون اقمشه ذات الوان زاهيه ، وهذه مقهى شعبى بجوارها محلات لبيع التمور اللذيذه والفستق والبهارات ، وهذا يعرض عطور مقلده لاشهر الماركات ، وهناك محل لبيع المفروشات والبطاطين وعلى الناصيه محل صغير يعرض الاحذيه والشباشب من خلال سرداب تحت الارض ، روائح البخور الزكيه تشع من هذا المحل القديم قدم التاريخ ، وهذه الطاولات والكراسى البلاستيكيه منصوبه امام محل سورى للفول والطعميه والبدنجان المقلى والبطاطس المحمره وسيخ شاورمه فوق سطح الرخام الكالح عند باب المحل ، وفى طرف السوق محلات تبيع شنط السفر واخرى للدشاديش والقفاطين ، وهذه المجموعه من البنغاليين انشأوا لانفسهم سوق على الرصيف يعرضون فيه بضاعتهم المتنوعه المستعمله ، إطلقنا عليه "سوق الحراميه" لاختفاء البائعين ببضاعتهم فى ثوان فور رؤية الشرطه ، اما هذه المحلات الصغيره المتجاوره فقد تخصصت فى اعمال الصرافه وتغيير العمله ، هذا الجو الذى يشع طيبه واصاله وايام قديمه بسيطه ولت ، ترك اثره على الباعه فصبغهم بصبغته الطيبه ، هدوءهم سماحتهم مهاودتهم فى الاسعار.
غوى المكان فاغواه فادمن زيارته صباح كل يوم جمعه ، تبدا جولته يعس فى ارجاء هذا الحلم الذى ياخذ روحه لعوالم وازمان تمنى ان يعيشها ويعايشها ، يستمتع بكل ما يشاهده حتى تتشبع روحه بهذا العبق فيستقر ليحتسى كوب شاى على قهوة تسمى "قهوة الصعايده" والتى اكتشفها بعد ثلاث زيارات لمعشوقته المباركيه.
هى قهوه كثير من كراسيها وطاولاتها متهالك إلا ما ندر ، تتميز بان اغلب روادها بلديات ، بها شاشة  تلفزيون متخصصه فى عرض حفلات الرقص الشرقى ، وشاشة اخرى مغايره للاولى تماما فقد خصصت لعرض تسجيلات المصارعه الحره ، لكل منهما مريدين ومتابعين ، اما هو، دائما يختار ركن قصى يمكنه من متابعة وتحليل الشخصيات والمجاميع من رواد المقهى وكانه يشاهد فيلم سينمائى ينبض بالحياة امامه.
هذا الجالس وحيدا ينفث دخان الشيشه بعنف ، كما لو ان هذا الدخان محمل بكل هموم صدره فاراد التخلص منه فى زفرة واحده ، خريطة وجهه مرسوم عليها  حزن وقلة حيله ، هل لان كفيله لم يصرف له راتب منذ شهرين او اكثر ، ام جاء ينتظر صديقا يقرضه سلفه لحين ميسره ، وهذا الضعيف الذى يسند راسه على كف يده اليمنى وفى اليسرى سيجاره ، ملابسه تدل على انه مستور ، لماذا تخيله عاشق مغلوب على امره ، الدبلة الفضيه التى تطوق اصبع يده اليمنى توحى انه مرتبط بخطوبه ، ربما ، هل هدده اهل خطيبته إما ان يسرع بارسال المهر اوالغاء الارتباط ، ربما ، وهذا الاخ الذى يرتدى قفطان ابيض نظيف بهندامه الحسن ويضع ساقا على ساق فى عظمه وشموخ وامامه علبة سجائر من النوع الفاخر تجاورها ولاعه غالية الثمن ، رغم انه يجلس فى الظل إلا انه يرتدى نظاره شمسيه حديثه الموديل ، هذه النوعيه من بلدياتى غالبا ما يكونون مكتب صرافه متنقل ، من اراد تحويل مبلغ مالى الى اهله ، يسلم هذا المسخ العمله الكويتية والعنوان ، فى خلال ساعات يحولها لاهله بعملتهم المحليه ، ويحصل فى مقابل ذلك على عموله وربح وفير.
اثار انتباهه مجموعه تحتل باستمرار مدخل المقهى ، وجدهم يهبون واقفين متوجهين لاى سياره فخمه تقف فى الساحه المقابله للمقهى ، هذه مجموعة الصنايعيه السباكه والنجاره والمحاره والدهان وتركيب البلاط ولصق السيراميك ، اتخذوا من القهوه مكتب لادارة اعمالهم ، هم دائما فى الخدمه وتحت الطلب ، كثيرا ما حدثت مشادات بينهم لتداخل الاختصاصات ، إذا كان القادم يطلب نجار تجد كل منهم نسى تخصصه الاصلى واصبح نجارا ، لهذا السبب فشلت كثير من تعاقداتهم فيبداوا فى سباب بعضهم بعضا ثم سب طالب الخدمه الذى خذلهم وينتهى بسبابهم كل شيئ واى شيئ ، لو فكروا قليلا وتخصص كل منهم فى حرفه واحده لراجت سوقهم جميعا ، ولكن هذا حال اولاد بلدى بالغربه.
ما اجمل هذه المجموعه التى ترتدى الملابس الافرنجيه وتحتل المساحه المحيطه بشاشة عرض المصارعه الحره ، من المؤكد انها مجموعة المراسلين بالحكومه او المناديب بالشركات الخاصه ، يحضروا سويا ويبداوا فى فرش مجموعه من الجرائد على الطاوله امامهم ، يصبوا فوقها محتويات قرطاس كبير من الفلافل ورصة خبز إيرانى مع كمية كبيره من البصل المقطع مربعات ، يهل عليهم العامل بصينية عليها كثير من اكواب الماء طمعا فى البقشيش ، فور انتهائهم ودون ان يطلبوا ، ياتى باكواب الشاى الزرده الكبيره ، ويبداوا فى متابعة افلام المصارعه الحره ، يعرفون اسماء المصارعين كما يعرفوا اسماء بعضهم ، كل منهم له مصارع محدد يشجعه ويتعصب له كانه قريب او صديق ، فجأه تجد احدهم هب واقفا صارخا باعلى صوته "اوعى تسيبه .. اقتله ابن الفرطوسه " ، يقولها بلهجته المميزه وهو يصرخ وكأن المصارع سيستمع لتحذيراته ، يشده الجالس جواره الذى يشجع الخصم قائلا "ما تقعد يا واكل ناسك ، هوه اندرجروند ده مصارع ، ده شبه البت زليخه اللى حدانا فى البلد " فيضج الجميع فى ضحكه عاليه ، ولكنها لا تعلو على صوت صديقهم الذى ينتصر مصارعه وهو يقول "والله العظيم انت راجل سبع وشرفتنى".
من حماسهم يتخيل انهم مقهورون ، يهربون من واقعهم المهزوم ، يتمنوا يوما ان يصبحوا من فريق المنتصرين ، منهم من قهرته الماده والعوز والحاجه ، وآخر مقهور فى حبه لفتاه يريدها ولا يقدر على طلبات اهلها ، فيهم من يقهره رئيسه بالعمل او حتى موظف صغير يشعر بحقاره وضآلة مستواهم الوظيفى ، يكاد يكون لكل منهم خصم واكثر يتمنون هزيمته ولا يستطيعون ، يستمر نقارهم وشجارهم وتشجيعهم وحماسهم فى كل مباراة وكل يوم جمعه ، لا يملوا ولا يكلوا طالما ان مصارعهم احيانا ينتصر كحالهم تماما.
اما مجموعة الشباب العايق الرايق المجتمعين امام شاشة تلفزيون تعرض رقص شرقى ، جميعهم فى حالة نشوه وهز وتمايل مع انغام الموسيقى الصاخبه ، منهم من يهز راسة ومنهم من يتمايل بجسده يكاد يقع من فوق كرسيه ، يتخيل كل منهم ان الراقصه ترقص له وحده اوفى حجرته الخاصه ، احيانا يهمس احدهم فى اذن زميله ، فتسمع ضحكه صاخبه يتخللها عبارات مثل "لهطة الجشطه او متجولش ملبن .. يا بوووى على الملبن" ، يزداد جحوظ عيونهم إذا كان بحلبة الرقص اكثر من راقصه ، تتنافس كل منهن فى إثارة المشاهدين سواء بإظهار اكبر قدر من جسدها العارى او التفنن فى الحركات والليونه التى تثير هذا الشباب البائس.
يشفق عليهم وعلى احوالهم ، فمن المؤكد ان منهم من له زوجه واولاد ولا يقدر على إحضارها كمرافق بسبب راتبة الصغير طبقا للقانون ، او لقناعته ان وجودها معه سيعطله عن الادخار وتحقيق حلم الثروه متناسيا ان ترابط الاسره والاولاد اهم من ملايين الثروات ، سواء اكان متزوج او اعزب فقد اطلق عليهم مجموعة العزاب او مجموعة العذاب ، لانهم حقا فى عذاب.
بعد ان يفرغ من شرب فنجان القهوه ، ياخذ نظره اخيره على هذا المشهد ، آملا ان يكرر زيارته الجمعه القادمه ممنيا النفس ان يرى وجوه اخرى غير تلك الوجوه ، ولكن فى كل مره يخيب ظنه فالوجوه هى الوجوه والاشخاص هم هم لا يتغيرون ، هل اصبحوا مدمنى قهوة الصعايده؟ ولكن من المؤكد انه هو الذى اصبح مدمن المباركيه وقهوة الصعايده.