الجمعة، 7 سبتمبر 2018

صباح الانفوشى


الشامى .. هو محمد الشامى .. يناديه اصدقائة بـ ابوالشام .. يتميز عن باقى الشلة بطيبة قلبه ، وضحكة صافية يهتز منها كل جسدة الضخم الممتلئ بدون تناسق ، يضحك على مواقف لاتحتاج اكثر من الابتسام ، غزير الشعر ، نظاره سميكة دائرية ، تعددت موديلات النظارات آلاف المرات وظل على موديل واحد لا يتغير ، حتى ملابسه لا يهتم بتناسقها بل براحته فيها ، شخصية هادئة ، قليل الكلام متوافق مع جميع آراء الاصدقاء ، محبوب من الجميع ، لايشارك زملائة فى العابهم الرياضيه ، بل يكتفى بالفرجه او التحكيم ، لم تتسع حلقة صداقته اكثر من مجموعة اصدقاء الجامعه ، حتى بعد ان تخرج وقضى فترة تجنيده كضابط احتياط ، ظل الاصدقاء هم الاصدقاء ، يسكن فى الانفوشى وهى منطقه شعبية بالاسكندرية تطل على البحر ، تشتهر بان اهلها يحترفون ويتفننون فى تذوق وتجهيز وجبات الاسماك بانواعها المختلفه ، لهذا لم يتخلف احد من الشله عن عزومة السمك التى عرضها عليهم ابوالشام .
استمر الغداء لساعه واكثر التهمنا فيها كل ما لذ وطاب مما قدم لنا ، اما الشاى فقد قدمته لنا الحاجه ام الشامى ونحن بحجرة الصالون ، تسابق كل منا فى شكرها على العزومه الطيبه والاكل الشهى الذى لم نتذوق مثله من قبل .. ظهرت علامات السرور على وجهها الطيب وخرجت وهى تقول لنا "بالف هنا وشفا.. مطرح ما يسرى يمرى" ، فجاه سمعنا اصوات عالية وجلبه صادرة من الشارع .. خناقه شديده .. سباب باقذع الالفاظ والعبارات يتخلله صراخ حريمى ، وشخر رجالى ، اضطرب الشامى عندما سمع من ينادى عليه ، فور ان طل من البلكونه سمعنا من يقول "احضرنا يا استاذ محمد وشوف المسخره والتعريص اللى بيحصل" ، نعرف ان ابوالشام يحظى بالاحترام والتقدير من جميع الجيران ، ليس فقط لانه ضابط بالجيش ولا لانه الوحيد من انهى تعليمه العالى من بين ابناء الحى ، لكن لحسن خلقه وطيب اسرته وسمعتها العطره ، تركنا ونزل وتابعنا المشهد من البلكونه ، امراه فى اربعينيات العمر ، عارية الراس ، فى قدمها شبشب رخيص ، ترتدى قميص نوم احمر نارى ، ملتصق بجسدها ، تناست ان تغلق فتحة صدره ، فظهر بياض نهديها المترهلان وكانها عاشت عمرها ترضع جميع اطفال الحى ، كان ما يميزها قوة جسدها ونشاط حركتها وصوتها المزعج الخشن وكانها مدمنه مخدرات او صاحبة كيف ، بعض نسوه وشباب الحى يحجزونها بعيدا عن رجل يرتدى جلباب صوف ، يوحى منظره وهيبته انه ذو كلمه وممن يعمل لهم حساب فى هذا الحى ، ربما لاجرامه او سطوته او تجارته فى الممنوعات ، هو ايضا يحيط به مجموعه من الرجال يحاولون منعه من التهجم على هذه المراه سليطة اللسان ،  شد انتباهنا مجموعة المتفرجين من بلكونات وشبابيك البيوت المطله على هذه الخناقه ، اغلبهم من الحريم السمان ، يرتكزن بصدورهم العريضه على ترابزين البلكون ، الشباب الموجود بالشارع تخصص فى حجز المراه ، منهم من يحتضنها ليمنعها من التقدم فى اتجاه المعلم ، اما كبار السن اكتفوا بحجز المعلم ومنعه من التهور والهجوم ، لم نفهم ما حدث وما اسبابه وما نتيجته.
توقف السباب فور نزول ابوالشام ، توجه الى المعلم ودار بينهم حوار لم نسمعه ، اجلسه على الكرسى الموجود امام محل الخردواتى المجاور لمنزل ابوالشام ، ثم توجه الى المراه وهمس لها بعض العبارات ، طلب من الجميع الانصراف فانصرفوا ، صحب معه الرجل وصعد ، دقائق ودخل علينا وخلفه الرجل ، قدمه لنا ، المعلم عطيه كبير الحته ، الراجل الطيب اللى خيره مغرق الناس كلها ، دقائق خرج ابوالشام وعاد وفى يده صينية الشاى ، سال المعلم عطيه هيه ايه الحكاية يا معلم ؟ رد عليه بعصبيه .. دى مبقتش الانفوشى بتاعة زمان .. دى بقت كرخانه .. الولية صباح كل يوم والتانى جايبه راجل عندها فى بيتها ،  مره تقولك ده ابن خالها ومره ابن عمها او ده قريبها من العيله ، الراجل من دول يطلع يقعد ساعه ساعتين معاها وينزل منشفهوش تانى ، هيه ليها خمسميت عم والف خال ولا ايه الحكايه ، يرضيك ياسى محمد على آخر الزمن يطلع لنا قرون ونقعد نتفرج على المسخره اللى بتحصل دى .. رجاله احنا ولا معرصين .. شوف ياسى محمد .. هيه تعمل اللى عاوزاه بعيد عن حتتنا ، انما عينى عينك كده رجاله تخش وتطلع .. دى بتوسخ سمعة الحته واهلها ، يعنى اللى عنده بت على جواز .. لما يسالوا عنها تقولهم انا ساكنه فى شارع صباح .. المسخره دى مترضيش حد .. رد عليه ابوالشام هدى نفسك يا معلم عطيه ، انا بعت اجيبها هنا ونفهم منها الحكايه ، بس عشان خاطرى ، عاوزك تروق دمك شويه واللى انت عاوزه هيتعمل باذن الله ، رد عليه المعلم بس اسمع انا فى بيتك ، وإذا الوليه دى قلت ادبها انا معنديش إلا دى ، واخرج مطواه من جيبه ، عندما دق جرس الباب ، خرج ابوالشام ، عاد ومعه صباح بعد ان غطت قميص النوم الاحمر بروب قديم ، ما زال الشبشب البلاستيك فى قدميها المتربتان ، يخيل لمن ينظر اليهما انها نسيت غسلهما منذ اسبوع مضى ، جلست على الكرسى الخيرزان المركون بجوار الباب ، منكسرة تنظر الى الارض فى خجل لا يتناسب مع ما رايناه منها منذ دقائق ، انجعص المعلم عطية فى الفوتى ليظهر قوته وسطوته ، اسمعى ياست صباح احنا عارفين كل حاجه ودى حياتك وانتى حره فيها ، بس الحته هنا ليها اصول وميصحش حد يتعداها ، اعملى اللى انتى عاوزاه بعيد عن الحته ، مفيش داعى حد يجيلك هنا ، ردت بصوت منكسر وبتوسل وهى تبكى ، والله ياسى محمد انا محبش المسخرة ، بس اعمل ايه ، حفيت عشان الاقى شغله شريفه تكفينى وتكفى الواد الحيله ، ابوه الندل سابنا وهرب ، معرفش راح فى انهو مصيبه الله يجحمه مطرح ما راح ، انا مش طالبه غير شغله شريفه توفر لنا لقمه حاف نتقوت بيها  ، رد المعلم عطيه ما انتى بتشتغلى فى مشتشفى ، يبقى لازمتها ابه المسخره ، ردت: انت عارف يا معلم ، اللى بآخده يدوب يكفى الايجار والمواصلات ، يوم عشره فى الشهر ميفضلش معايا مليم ، كل ما استلف من حد من الجيران قرشين واقول اسددهم آخر الشهر ، ملقيش معايا اللضى ، الجيران اكلوا وشى ، انما فى نص ساعة زمن ممكن اكسب عشرين جنية واكتر ، اقدر اسدد اللى على ، وكمان اجيب لى وللولا سمير لقمه حلوه تقوتنا ، والله العظيم انا مش عاوزه السكة دى خالص ولا تلزمنى ، بس اعمل ايه واعيش ازاى ، هنا تدخل المعلم عطيه وقال لها هببى اللى انتى عاوزاه بعيد عن الحته هنا ، احنا مش عاوزين وساخه ومسخرة ، ده حتى عيب علينا احنا رجالة الحته والا احنا مش عاجبينك وعاوزه تقرطسينا ، خشى ابوالشام من تطور الموقف ، قال لها بنبرة واثقه واضحه ، شوفى ياست صباح انا والمعلم عطية هنتولى هذا الموضوع ، لو فى نيتك تبطلى الكلام الفاضى ده زى ما سمعنا منك ، ردت عليه ابوس ايدك يا سى محمد وآدى راس المعلم عطيه ، وهجمت على راس المعلم عطيه تقبلها ، قبلت يده ، سجدت على الارض محاولة ان تقبل رجله ، منعها المعلم عطيه ، ساعدها على النهوض وقال لها انا من ناحيتى هتصرف مع الاستاذ محمد ، بس على النعمه من نعمة ربى ، لو ده حصل منك تانى لاكون مبهدلك ورميلك عفشك فى الشارع ومتخشيش الحته دى تانى ، نهض ابوالشام وفتح باب الحجرة وسحب صباح خلفه وعاد.
قال ابوالشام .. شوف يا معلم احنا عندنا فى العماره ثمانى شقق وفى عمارتك اتناشر شقه , انا من ناحيتى كل اول شهر اجيبلك من كل شقه عشره جنيه ، نظير ان صباح تسيق السلالم مره فى الاسبوع ، وانت من عمارتك تعمل نفس الحكاية .. يعنى هيطلع لها ميتين جنيه ، على مرتبها من المستشفى يبقى ملهاش حجه ، كمان هبلغها إذا احتاجت اى حاجه تجيلك انت كبير الحته ، وانا معاك بالنص فى اى حاجه تطلبها زياده ، آهو منها صدقه وكمان ربنا هيكرمك ويكرمنا عشان هنمنع معصية ، بالشكل ده يا معلم ربنا هيكرمنا كلنا باذن الله .. فكر المعلم قليلا ووافقه على كل شيئ ، بارك له رجاحه عقله وقال له صحيح ياسى محمد العلم نور ، ربنا يبارك فيك وفى عقلك ، خرج ابوالشام وعاد مرة اخرى ومعه صباح التى كانت تجلس مع امه بالصاله ، عرض عليها ما تم الاتفاق عليه ، دعت له وللمعلم عطيه وهى تبكى بحرقه ، كررت محاولة تقبيل يد وراس المعلم عطيه ، نظرت بخشوع وحب الى ابوالشام ، شكرته بصدق ، قال لها المعلم عطيه روحى انتى دلوقتى ، واول كل شهر تعاليلى ، واى وقت تحتاجى ايتها شيئ تعاليلى طول مانتى شريفه وطاهره ، اوعى ترجعى للسكه البطاله دى تانى ، انا هعرف إذا لعبتى بديلك كده ولا كده .. فاهمه يا صباح ، ردت ربنا يخليك لينا يا معلم ويخللى لنا سى محمد ويبارك فيه وخرجت ، صمت الجميع لدقائق ، استأذن بعدها المعلم عطيه وخرج.
 تمر الايام والشهور وخلال إحدى جلسات الشله ، قال ابوالشام ، فاكرين المعلم عطيه جارنا ، رد واحد منا ، وفاكر صباح اللى تحولت من وحش كاسر فى الشارع الى قط اليف فى حضورك يابوالشام ، اكمل الشامى ، اهو الراجل ده عازمكم على فرحه ، سكت قليلا ثم اطلق ضحكته المميزه وهو يقول ، يعنى ما سالتوش هيتجوز مين ؟ انفجرنا ضاحكين ، مش معقول .. ابتسم قائلا ، مش معقول ليه ؟
ما زلنا نضحك حتى اليوم كلما اجتمعنا وتذكرنا احداث يوم العزومة والمعركه وفرح عطيه وصباح.