السبت، 29 سبتمبر 2018

الثار


استيقظ عم صابر ليلحق صلاة المغرب فى موعدها ، فقد تعود ان يغفو قليلا بعد صلاة العصر ، صلى وارتدى ملابسه وخرج ليلحق عمله بالفتره المسائية محاسب فى الفندق الكبير، جلس حزينا على مكتبه يجتر زكريات اليمه تطارده ليل نهار ، السكون والوحدة بالمكتب اخذت عم صابر بعيدا فى هواجسه ، تتقافز الافكار فى راسه لتعود من جديد لنقطة الانطلاق ، دائرة تضيق وتتسع وتدور فى فلك واحد .. زكريات فقد ابنه خليل .. كل احلامه تبخرت .. ضاعت ، هواجس ورؤى تبعث فى عينية دمعه متحجره ، كبريائه يمنع نزولها ، كثيرا تظل عالقه فى مقلتيه وقليلا ما تنساب من تحت نظارته السميكه ، لم يكن خليل ابنه فقط .. هو الصديق والاخ والسند ، زكريات يراها كانها واقع الان ، يبتسم عندما يتذكر حلوها ، وعبسة كئيبة تملأ وجهه عندما يتذكر جراحها ، خليل .. آه يا خليل .. الشهاب الذى اضاء حياته لفترة قصيرة واختفى ، مسح عينية واشعل سيجاره ليفيق من الدوار الذى يمرح فى تلافيف عقله وفكره.
من اول عام دراسى لخليل بالكليه ، بزغ نجمه وتفوقه الدراسى والرياضى ، ابتسامته الصافية ، وسامته ، بساطته ، قلبه الطيب ، عفة لسانه ، طهارة روحة .. كل هذا حبب وجمع حوله الاصدقاء ، هشام واحد منهم ، هشام السعيد ، ابن رجل الاعمال القاهرى المليونير السعيد ، تذكر عم صابر يوم  ان حضر صديقه هشام فى عربته ومعه إسلام ، يعرضون على خليل قضاء ثلاثة ايام فى عزبة هشام السعيد بالدلنجات ، احتفالا بنجاحهم الذى كان لخليل دور فيه ، يومها ركب ابنه السياره بجوار هشام وجلس اسلام بالمقعد الخلفى.
بدون اهتمام رتب عم صابر بعض الفواتير التى تحتاج لمراجعه قبل التسجيل ، اعاد راسه للخلف ناظرا الى سقف الحجره ، سرح بعقله فى زكريات يوم ان رن تليفون مكتبه "ابنك خليل يا حاج صابر بالمستشفى المركزى بالدلنجات" ، لا يدرى كيف وصل هناك وما هو شعوره عندما ابلغوه بوفاة خليل .. ماذا كتب بمحضر البوليس .. من كان معه عندما استلم الجثه .. من حضر من الاقارب والجيران عند الدفن والعزاء .. هل بكى ام تحجرت الدموع فى مقلتيه .. هل كان متماسك ام منهار  .. لا يتذكر اى شيئ إلا ان ابنه قتل بطلق نارى من مجهول ، وان ام خليل شلتها الصدمة ، ومن يومها لم تقم لها قائمة ، اقعدها مرض عضال حار فيه الاطباء حتى اليوم.
من يومها وهو كمن يركب ارجوحه زكريات ، ترتفع به فى غيبوبه لساعات ، ثم تهبط دقائق فى واقع مرير،  شهور مرت وهو غير مقتنع بمحضر البوليس ورصاصه المجهول ، تردد قبل ان يطلب مقابلة إسلام صديق ابنه ، حاول ان يفهم منه ما حدث ،  عله يرتاح من اسئلة كثيرة راودته ، عرف منه ان هشام السعيد لديه مسدس غير مرخص ، طلب إعادة التحقيق ولكن رجل الاعمال السعيد استغل نفوذه وسطوته فى إيقاف التنفيذ الجدى لاى تحقيق جديد ، ققرر عم صابر ذو الاصول الصعيديه التى تؤمن بالثار ، ضرورة اخذ ثار ابنه المغدور.
افاق عم صابر من افكاره على الحارس سلامه واقفا امام مكتبه وفى يده كوبان من الشاى ، ايوه ياعم صابر ، كوباية شاى بالنعناع اللى قلبك يحبه .. انت مش عاجبنى .. دايما مشغول وحزين .. فكها ياعمنا خللى الايام المهببة دى تفوت .. بقولك ايه .. ولعلى سيجاره اخش بيها الحمام النضيف اللى هنا ، اشعل له سيجاره واخرى لنفسه ، خلع سلامه حزامه وبه المسدس وتركهم على المكتب المجاور لعم صابر لحين انتهائه من قضاء حاجته ، بدأ صابر يراجع بيانات الفواتير التى امامه ويسجلها فى سجل العملاء ، جحظت عيناه امام الاسم المدون بالفاتوره ، فك المسدس من حزام سلامه ، خرج ، صعد بالاسانسير الى الدور السابع ، فتح باب الجناح 711 ، وجد هشام  وابوه السعيد وامه يجلسون فى الفراندة يتناولون عشائهم.
دوت صافرات سيارة الاسعاف ودورية الشرطه امام الفندق ، حملت الاسعاف ثلاث جثث ، ومن الباب الرئيسى خرج ضابط البوليس وبجواره عم صابر مكبل اليدين وهو مبتسم.