"يوم الاربعاء 22/2/2013 غرق
9 مصريين فى بيارة صرف صحى بمركز طوخ .. هل يعقل ان يحدث ذلك فى القرن الواحد
وعشرين ؟؟ "
كور الزهر فى يده ، قربه من فمه ، وشوشه متمتما ببعض
الكلمات ، نفخ فيه والقاه ، تدحرج الزهر على الطاوله ، استقر على شيش دو ، هب فراج
واقفا وهو يصيح "راحت عليك يابوالسباع ، هتحاسب على المشاريب يا فالح ،
روح اتعلم لعب الطاوله وبعدين تعال لاعبنى" ، احمر وجه اسماعيل قائلا "تصدق بالله .. انت حمار بس عندك حظ عوالم"
، انطلقوا فى ضحكه صافيه ، قام اسماعيل بعدها بدفع حساب المشاريب وافترقا على امل
ان يلتقيا غدا لخوض مباراة جديده.
فراج شاب اسمر ضعيف البنيان ، وصل طوخ منذ عدة سنوات
قادما من سوهاج ، التحق بوظيفه عامل بشركة مياه الشرب والصرف الصحى بالمدينة ، لم
يستنكف العمل فى تسليك البلاعات والمجارى والصرف الصحى ، الاجر مناسب والعمل بسيط لا يحتاج مهاره او خبرة ، اشتهر فراج بين زملائه
بالطيبه وخفة الدم ، فيه شهامة ومروؤة اهل الصعيد ، ولباقة وخفة دم اهل بحرى ،
احبه الجميع ، شخصيه فريده لذيذه متصالحه مع نفسها ، صباحا ياتى للعمل بملابس رثه
تتناسب مع طبيعة عمله ، اما بعد المغرب وهو فى طريقه للمقهى ، يرتدى زيه الصعيدى
النظيف ، القفطان الابيض الزاهى واللاسه الغالية وحذاء بنى يحافظ على لمعانه ، من يراه لا يصدق انه عامل
مجارى وصرف صحى ، المقهى المجاور لمحطه القطار
هى مكان اجتماعه مع شلة الاصدقاء ، يتسامرون ، يضحكون ، ويبدأ لعب الطاوله مع
اسماعيل صديق روحه .
اسماعيل او ابوالسباع كما ينادية اصدقائه ، ابيض البشره
، سمين الجسم ، ابتسامه دائمه تملأ وجهه ، كبير اخواته ، وصل الى الاربعين من عمره
، لم يتزوج ولم يفكر فى الزواج ، حالته الماديه ميسوره ، ورث من ابوه مبلغ بسيط ،
دفعه مقدم لشراء توك توك وما زال يسدد باقى اقساطه ، يعمل عليه طول النهار ،
ويؤجره من المغرب الى صباح اليوم التالى لاحد اصدقائه ، يصل الى القهوه فى ابهى
زينه ، ساعات القهوه هى افضل اوقات يومه ، مع صديقه فراج ينسى همومه ، يفضفض بكل مشاكله لوجود من يستمع
له بحب واهتمام.
نهض فراج من نومه وهو يحس بانقباض فى صدره ، توضأ ، صلى
وتناول فطوره ، وهو فى الطريق الى عمله ، الح عليه خاطر الاتصل بامه فى سوهاج ، اندهشت
من اتصاله الباكر فبادرته بسؤال "كيفك يافراج ، صحتك زين يا ولدى" ، طمانها
بانه فى خير ونعمه والحمد لله ولكنه قلق على صحتها ووعدها فور استلام راتبه سيرسل
لها حواله بمائة جنيه على مكتب البريد العمومى بسوهاج ، سالها الدعاء له ، قبل ان
ينهى المكالمه سمعها وهى تقول "ربنا يجعلك فى كل خطوه سلامه ، قلبى وربى راضيين
عنك يا ضنايا ، خللى بالك من نفسك، يباركلك فى صحتك ورزقك" ، انشرح صدره بهذه
الدعوات الصادقه ووصل الى مقر عمله.
دار ابوالسباع حول
التوك توك للاطمئنان عليه ، ادار مفتاح التشغيل ، انتظر قليلا لتسخين الموتور ،
سرح للحظات ، تمتم ببعض الدعوات ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عندما شعر بضيق
صدره ، لا يدرى لماذا خطر بباله صديقه فراج ، بجوار عربه فول ركن التوك توك ،
تناول فطوره ، فى زحمة العمل نسى ما انتابه صباحا.
وصل رئيس عمال الصرف الصحى ، القى تحيه سريعه وابلغهم ان بياره عرب الرواشده تحتاج تنظيف ، بصوته
الطيب قال لهم "يللا يا رجاله اجهزوا عشان نروح بدرى نخلص شغلنا ومش عاوز المهندس
يوصل يلاقينا لسه ما اتحركناش" ، فور وصولهم انهمكوا فى عملهم بهمة وإخلاص ، دقائق قليله مرت سمعوا بعدها صرخه
مدويه ، انزلقت قدم عم ابراهيم ، سقط فى البياره التى عمقها عشرون مترا ، بهتوا
جميعا ، صراخه واستغاثته قطعت قلوبهم ، رموا له حبل ولكنه كان اقصر من ان يصل الى
يده ، كلما مر الوقت يخفت صوت الصراخ
والاستغاثه ، شهامة فراج دفعته للقفز داخل البياره لانقاذ زميله ، نسى انه لا يجيد
السباحه فى الماء ، فكيف يسبح فى فضلات ومخلفات بشريه ، قاوم الغرق بكل ما يملك من
عزيمه ، يغرق ويحاول إنقاذ عم ابراهيم ، علا الصراخ والاستغاثه من داخل البياره ،
عمق البياره يجعل صوت الاستغاثات اكثر رهبه ورعبا ، هرول مجموعه من الفلاحين
العاملين بالحقل المجاور للبياره ، دون تفكير قفز واحد منهم داخل البياره ، العمال
والفلاحين يدورون حول البياره كالمجانين ، يبحثون عن اى وسيله للانقاذ ، كلما مر
الوقت وزاد الصراخ يلقى واحد من
الموجودين بنفسه فى محاوله لانقاذ زملائه
العالقين اسفل البياره ، وصل عدد غرقى البياره الى تسعة رجال ، لم يفكر واحد فيهم
فى نفسه ، بل فكر فى انقاذ اخيه الانسان ،
فى نهاية المطاف حضرت سيارة النجده ، بمعدات مناسبه ، اخرجوا جثثهم فى مشهد مهيب.
شاع خبر ما حدث فى البياره ، بسرعه توجه اسماعيل بالتوك
توك للاطمئنان على صديقه فراج ، ظل يدعو الله ان يكون صديقه سليما معافى ، بذهن شارد وعيون مملوءه بالدموع وزكريات صداقه
وإخلاص ربطت بينه وبين صديقه فراج ، وصل الى الطريق الترابى المؤدى الى البياره ، بسرعه
وبدون وعى اتجة يمينا ، لم يلحظ السيارة النصف نقل المسرعه خلفه ، صدمته ، انقلب
التوك توك عدة مرات ، اخرجوا اسماعيل من التوك توك جثة هامده .
بعد المغرب لن يتقابل فراج واسماعيل على المقهى ، لم
يمهل القدر اسماعيل للثار من فراج فى مباراة طاولة ، ولن تذهب ام فراج لاستلام
الحواله التى لن تصل ، اما الصوان الذى اقيم مساء هذا اليوم فكان على حساب صاحب
قهوة المحطه .
