الأحد، 23 سبتمبر 2018

الغطاس




"يوم الاربعاء 22/2/2013 غرق 9 مصريين فى بيارة صرف صحى بمركز طوخ .. هل يعقل ان يحدث ذلك فى القرن الواحد وعشرين ؟؟ "

كور الزهر فى يده ، قربه من فمه ، وشوشه متمتما ببعض الكلمات ، نفخ فيه والقاه ، تدحرج الزهر على الطاوله ، استقر على شيش دو ، هب فراج واقفا وهو يصيح "راحت عليك يابوالسباع ، هتحاسب على المشاريب يا فالح ، روح اتعلم لعب الطاوله وبعدين تعال لاعبنى" ، احمر وجه اسماعيل قائلا  "تصدق بالله .. انت حمار بس عندك حظ عوالم" ، انطلقوا فى ضحكه صافيه ، قام اسماعيل بعدها بدفع حساب المشاريب وافترقا على امل ان يلتقيا غدا لخوض مباراة جديده.
فراج شاب اسمر ضعيف البنيان ، وصل طوخ منذ عدة سنوات قادما من سوهاج ، التحق بوظيفه عامل بشركة مياه الشرب والصرف الصحى بالمدينة ، لم يستنكف العمل فى تسليك البلاعات والمجارى والصرف الصحى ، الاجر مناسب والعمل بسيط  لا يحتاج مهاره او خبرة ، اشتهر فراج بين زملائه بالطيبه وخفة الدم ، فيه شهامة ومروؤة اهل الصعيد ، ولباقة وخفة دم اهل بحرى ، احبه الجميع ، شخصيه فريده لذيذه متصالحه مع نفسها ، صباحا ياتى للعمل بملابس رثه تتناسب مع طبيعة عمله ، اما بعد المغرب وهو فى طريقه للمقهى ، يرتدى زيه الصعيدى النظيف ، القفطان الابيض الزاهى واللاسه الغالية وحذاء بنى  يحافظ على لمعانه ، من يراه لا يصدق انه عامل مجارى وصرف صحى ،  المقهى المجاور لمحطه القطار هى مكان اجتماعه مع شلة الاصدقاء ، يتسامرون ، يضحكون ، ويبدأ لعب الطاوله مع اسماعيل صديق روحه .
اسماعيل او ابوالسباع كما ينادية اصدقائه ، ابيض البشره ، سمين الجسم ، ابتسامه دائمه تملأ وجهه ، كبير اخواته ، وصل الى الاربعين من عمره ، لم يتزوج ولم يفكر فى الزواج ، حالته الماديه ميسوره ، ورث من ابوه مبلغ بسيط ، دفعه مقدم لشراء توك توك وما زال يسدد باقى اقساطه ، يعمل عليه طول النهار ، ويؤجره من المغرب الى صباح اليوم التالى لاحد اصدقائه ، يصل الى القهوه فى ابهى زينه ، ساعات القهوه هى افضل اوقات يومه ، مع صديقه فراج  ينسى همومه ، يفضفض بكل مشاكله لوجود من يستمع له بحب واهتمام.
نهض فراج من نومه وهو يحس بانقباض فى صدره ، توضأ ، صلى وتناول فطوره ، وهو فى الطريق الى عمله ، الح عليه خاطر الاتصل بامه فى سوهاج ، اندهشت من اتصاله الباكر فبادرته بسؤال "كيفك يافراج ، صحتك زين يا ولدى" ، طمانها بانه فى خير ونعمه والحمد لله ولكنه قلق على صحتها ووعدها فور استلام راتبه سيرسل لها حواله بمائة جنيه على مكتب البريد العمومى بسوهاج ، سالها الدعاء له ، قبل ان ينهى المكالمه سمعها وهى تقول "ربنا يجعلك فى كل خطوه سلامه ، قلبى وربى راضيين عنك يا ضنايا ، خللى بالك من نفسك، يباركلك فى صحتك ورزقك" ، انشرح صدره بهذه الدعوات الصادقه  ووصل الى مقر عمله.
 دار ابوالسباع حول التوك توك للاطمئنان عليه ، ادار مفتاح التشغيل ، انتظر قليلا لتسخين الموتور ، سرح للحظات ، تمتم ببعض الدعوات ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عندما شعر بضيق صدره ، لا يدرى لماذا خطر بباله صديقه فراج ، بجوار عربه فول ركن التوك توك ، تناول فطوره ، فى زحمة العمل نسى ما انتابه صباحا.
وصل رئيس عمال الصرف الصحى ، القى تحيه سريعه وابلغهم  ان بياره عرب الرواشده تحتاج تنظيف ، بصوته الطيب قال لهم "يللا يا رجاله اجهزوا عشان نروح بدرى نخلص شغلنا ومش عاوز المهندس يوصل يلاقينا لسه ما اتحركناش" ، فور وصولهم انهمكوا فى عملهم  بهمة وإخلاص ، دقائق قليله مرت سمعوا بعدها صرخه مدويه ، انزلقت قدم عم ابراهيم ، سقط فى البياره التى عمقها عشرون مترا ، بهتوا جميعا ، صراخه واستغاثته قطعت قلوبهم ، رموا له حبل ولكنه كان اقصر من ان يصل الى يده ، كلما مر الوقت  يخفت صوت الصراخ والاستغاثه ، شهامة فراج دفعته للقفز داخل البياره لانقاذ زميله ، نسى انه لا يجيد السباحه فى الماء ، فكيف يسبح فى فضلات ومخلفات بشريه ، قاوم الغرق بكل ما يملك من عزيمه ، يغرق ويحاول إنقاذ عم ابراهيم ، علا الصراخ والاستغاثه من داخل البياره ، عمق البياره يجعل صوت الاستغاثات اكثر رهبه ورعبا ، هرول مجموعه من الفلاحين العاملين بالحقل المجاور للبياره ، دون تفكير قفز واحد منهم داخل البياره ، العمال والفلاحين يدورون حول البياره كالمجانين ، يبحثون عن اى وسيله للانقاذ ، كلما مر الوقت وزاد الصراخ  يلقى واحد من الموجودين  بنفسه فى محاوله لانقاذ زملائه العالقين اسفل البياره ، وصل عدد غرقى البياره الى تسعة رجال ، لم يفكر واحد فيهم فى نفسه ، بل فكر فى انقاذ اخيه الانسان  ، فى نهاية المطاف حضرت سيارة النجده ، بمعدات مناسبه ، اخرجوا جثثهم فى مشهد مهيب.
شاع خبر ما حدث فى البياره ، بسرعه توجه اسماعيل بالتوك توك للاطمئنان على صديقه فراج ، ظل يدعو الله ان يكون صديقه سليما معافى ،  بذهن شارد وعيون مملوءه بالدموع وزكريات صداقه وإخلاص ربطت بينه وبين صديقه فراج ، وصل الى الطريق الترابى المؤدى الى البياره ، بسرعه وبدون وعى اتجة يمينا ، لم يلحظ السيارة النصف نقل المسرعه خلفه ، صدمته ، انقلب التوك توك عدة مرات ، اخرجوا اسماعيل من التوك توك جثة هامده .
بعد المغرب لن يتقابل فراج واسماعيل على المقهى ، لم يمهل القدر اسماعيل للثار من فراج فى مباراة طاولة ، ولن تذهب ام فراج لاستلام الحواله التى لن تصل ، اما الصوان الذى اقيم مساء هذا اليوم فكان على حساب صاحب قهوة المحطه .