الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

امنيات مقيم بالكويت


فى واحد من المطاعم الفخمه اقام له الاصدقاء حفل نهاية خدماته ، فوجئ بواحد من الاصدقاء يساله "احب ان تحدثنا عن زكرياتك خلال ربع قرن قضيتها معنا " ، اغمض عينيه وارجع راسه الى االخلف ، سرح بفكره ثم قال :
لانى من الاسكندريه واعشق البحر لذا احببت الكويت واستهوتنى بكل ما فيها ، فهى بلد بحريه بامتياز ، ولكنى بالصدق كنت اتمنى ان اعيش فيها فى زمن غير هذا الزمن ، واعمل فى مجالات اخرى غير الكمبيوتر.
تمنيت ان اعيش اربعينيات القرن الماضى ، ابدأ دراستى على يد الملا ، اذهب للكتاب بجلباب نصف نظيف وشبشب نصف بالى من كثره ركل الحصى بالطريق ، اعلق على كتفى شنطه من قماش التيل ، بها لوح اردواز ومجموعه طباشير وكسرة خبز يابسه وقطعة جبن ، ولا يمر نهار إلا وقد نلت عدة ضربات موجعه من عصا المله ، لانى نادرا ما اهدأ او استقر ، اما باقى اليوم اقضيه فى لعب الكره والشجار مع اصدقاء الربع ، وفى المساء نجتمع امام احد المنازل نحكى قصص الجن والعفاريت ، و فى ايام القرقيعان اتنافس وافوز على اقرانى فى جمع المكسرات والحلوى ، اهدى الكثير منه الى جارتنا عايشه ، تلك السمراء الجميله التى تفضل بدر السجيرتى عنى .     
تمنيت ان اكون بحارا فى واحده من رحلات التجاره على سنبوك العسعوسى ، سبعة اشهر متصله اعيشها على مركب محدود المساحه ، وسط اصدقاء مترابطين متعاونين ، قلوبهم صافيه ، ارواحهم متآلفه ، يواجهون اقسى المخاطر بعزيمه وقوه وصبر ، ليحققوا الغرض من رحلتهم ويعودوا للديره بشوق ولهفه وخير وفير ، اعيش فرحة الاهل بعودتنا سالمين غانمين ، على امل رحلة بحريه اخرى.
 تمنيت ان اكون لاعب كرة قدم فى فريق الاحلام الذى وصل لكاس العالم ، زميلا ومشاركا مجموعة اللاعبين المميزين الذين ساهموا فى رفع اسم الكويت عاليا ، اكون سببا فى فرحه قلوب اهلى وديرتى ، اشعر بالعزة والفخر عندما يستقبلونا بالمطار ، وارى ابى وامى واصدقائى واهلى والفرحه تكسو وجوههم فور رؤيتى اهبط سلم الطائره .
تمنيت ان اتعرف على المطرب عوض دوخى ، اعيش حاله الشجن الذى ينشره فى نفوس مستمعيه ، او اكون حاضرا  واحده من حفلات المطرب عبدالكريم عبدالقادر ، او درويش من دراويش عشق الغناء الكويتى القديم لعائشه المرطه وهى تنادى بشجن عزيزها الغائب بالبحر ، تمنيت ان اشارك حسين عبدالرضا او حياة الفهد اوسعاد عبدالله او سعد الفرج او على المفيدى او عبدالله النمش فى مسرحياتهم المميزه.
تمنيت ان اكون واحد من كبار التجار ، ارصدتى بالبنك تتعدى السبع اصفار ، فروع شركاتى تغطى انحاء الكويت ، الفيلا بصباح السالم ومكتبى بالشويخ والشاليه بالخيران ، سياراتى الاربعه ابدلها سنويا بالموديل الاحدث ، اليخت محجوز له مكان بسوق شرق ، شهور الصيف اقضيها بسويسرا او اسبانيا ربما فرنسا او المغرب ، ولن انساق وراء اصدقائى عندما يطلبوا منى خوض انتخابات مجلس الامه ، فانا لا احب السياسه والاعيبها ودهاليزها.
 هنا انتبه ونظر الى صديقه قائلا: تصدق بالله ، مش عارف ليه حسيت انى مش سعيد بالامنية الاخيره ، شعرت انها متنفعش معايا ، اقولك ، شيلها من الامانى لانى عارف نفسى راجل فقرى مش وش نعمه ، يكفينى دكان بالمباركيه ، اصلى الفجر فى المسجد الكبير ، واستريح شويه فى المقاهى الشعبيه بسوق شرق ، و افتح الدكان ، ارش الماء جلبا للرزق ، فى يدى اليسرى منشه الذباب والسبحه فى يدى اليمنى ، واستكانات الشاى لا تنقطع من امامى ولا امل منها ابدا.
انما آخر امنيه وبجد ، نفسى اموت وادفن فى مقابر الصليبخات ، عاجبنى جدا طريقه الدفن عندكم ، لا رخامه عليها اسم المرحوم توضع على قبره ، ولا توجد مقابر لعائله فلان وعلان ، اللى يموت هيدفن فى التربه اللى عليها الدور ، وجميعها متشابه لا تعلو عن سطح الارض ، ومفيش غير عملك هوه اللى هيفضل معاك ، اقولك ربنا يحسن ختامنا.
ايه يا جماعه .. مجوعتوش ولا ايه ؟؟ انا بصراحه ما اتغديتش عشان اعرف آكل كويس معاكم ، حد ينادى لنا على المتر ، عصافير بطنى صوصوت ، ولا هنقضيها كلام من غير اكل ، وانطلقوا يضحكون فى صفاء وود فالحب كان دائما يملأ قلوبهم جميعا.