من خلال الخندق المتعرج وصل الضابط صفوت الى ملجأ صديقيه
الضابط محسن والضابط الشامى ، اختار صندوق ذخيرة خشبى بركن الملجأ ليجلس عليه ، اسند
ظهرة الى الجدار الرملى وامال راسه للخلف لعله يملأ رئتية باكبر قدر من الهواء ،
وضع ساقا على الاخرى واخرج علبة سجائرة واشعل واحده ، سعل كعادته عند اول نفس يدخل
رئتيه ، وجه كلامه الى محسن ، وهو ينفث دخان سيجارته "عارف يا سونه انا متغاظ
ومستغرب من ابتسامتك المتفائله .. انت
ازاى مش حاسس بالماساه اللى احنا فيها ، بالذمه احنا اهالينا صرفوا علينا دم قلبهم
، وشقينا مذاكره وامتحانات ، وآخرتها نترمى هنا فى الصحرا ونعيش فى ملاجئ تحت
الارض" ، زادت ابتسامة محسن وهو يرد عليه "مالها الملاجئ ، مش نحمد ربنا
ان احنا ضباط ولينا ملجأ مستقل ، يا ابنى احنا مجندين عشان نحرر بلدنا ونزيل آثار
العدوان ونآخد بتارنا من اسرائيل ، ده
قدرنا ولازم نستحمل".
محسن شاب وسيم من اوائل دفعته فى كلية الحقوق عمل لسنه
وكيل نيابة ، ابيض البشره مع عيون خضراء وابتسامه صافية مرسومه دائما على وجهه ، مثقف
كثير الاطلاع فى جميع المواضيع ، هادئ الطباع والاسلوب ، اما صفوت فهو خريج آداب
قسم التاريخ عمل مدرس قبل تجنيده ، من اسرة ميسوره ، لم يتعود على قسوة الحياة ،
تناسق ملامحه اضفت على وجهه البشوش وسامه محببه ، عصبى المزاج ، سريع البديهة خاصة
فيما يتعلق بالنقد ، إذا لم يجد ما ينتقده ، انتقد نفسه ، اما الشامى او ابوالشام
كما يحب ان ينادية زملائة ، عمل سنة محاسب باحدى الوزارات ، ضخم الجسم بطئ الحركه
، فشته عايمه باستمرار ، يضحك لكل نادره وعلى كل موقف ، إذا ضحك يرتج جسمه كله
وكأن ايادى خفية تزغزه ، فيشيع الضحك فى جميع المحيطين به ، بسيط تلقائى ابن بلد.
ثلاثتهم من الاسكندرية تعرفوا على بعضهم فى احدى رحلات
الجامعه ، وظلوا اصدقاء الى ان تم تجنيدهم بعد نكسة 1967 ، انهزمت مصر فى معركه وقرر
الزعيم جمال عبدالناصر ورئيس اركان حرب القوات المسلحه القائد المحترم عبدالمنعم
رياض (استشهد فى 9/3/1969) ان تحرير الارض والعرض لن يتم إلا برفع كفاءة الجندى
المصرى ، فتم تجنيد المؤهلات العليا من دفعة 1966 وما بعدها ، على امل النصر فى
الجوله التاليه وهذا ما تحقق فى نصر اكتوبر 1973 ، ويشاء القدر ان يجتمع الاصدقاء ضمن
كتيبة مقاتله بالزعفرانه بالبحر الاحمر ، وهى من المناطق القتالية الهادئة نوعا ما
، يفصلها عن العدو البحر الاحمر وسلسلة جبال الزعفرانه ، جبال وصحراء ممتده على
مدى البصر ، نهارها شمس حارقه وليلها برد قارص.
اتفق ثلاثتهم على الاجتماع مساء كل خميس بعد صلاة العشاء
فى ملجأ احدهم ، يتسامرون يتناقشون وغالبا يتنافسون فى العاب الكوتشينه او
الدومينو ، يجترون ذكريات مدينتهم الاسكندرية ، بحرها ، طقسها ، مغامرات الجامعة
والرحلات ، فى واحده من جلساتهم الاسبوعية اقترح عليهم محسن ان يحضر كل منهم
ملابسه المدنية ، يرتدوها فى جلستهم الاسبوعيه ، واليوم خلع كل منهم الافرول
الميرى وارتدوا ملابسهم المدنية ، وهو يشعل سيجارته الثانيه قال صفوت وكانه يحدث
نفسه "يا سلام لو حتتين جاتوه من ديليس مع كوباية شاى ، مش كانت القعده احلوت
" ، رد الشامى "احلى كوباية شاى هيه اللى تحبس بيها غدوة كباب وكفته او
شوية سمك وجمبرى " ، تدخل محسن فى الحوار"اكل ايه وشرب ايه ، مفيش اجمل
من قاعده فى كازينو على البحر ومعاك قصه
او كتاب محترم" ، فاجئة صفوت بصوته المسرسع "كتاب ايه وقرف ايه افتكرتك
هتقوللى ومعاك بنت مايصه ضحكتها تجلجل" ، ران عليهم صمت مؤقت ، سرح كل منهم
فى احلامه وقسوة الواقع ، لم تكن رداءة الطقس فى الزعفرانه ولا شح المياه وندرتها
ولا رداءة نوعية الاكل هى مشكلتهم الوحيده ، كان اكبر مصدر لتعاستهم هو تعليمات
القياده بالا يظهر شيئ من الموقع على سطح الارض ، ملاجئ النوم والحفر البرميلية
وملجأ السيارات المدرعة والخنادق الممتدة بين مواقع الكتيبة ، جميعها تحت مستوى
سطح الارض ، احفر .. احفر .. احفر ، تهب العواصف الترابية فتردم جذء من الخندق ..
احفر .. احفر .. للترميم ، كسر صفوت الصمت قائلا بتهكم "يا جماعه ، انا
بصراحه بقيت خبير فى الحفر ، عشان كده بعد ما هخلص جيشى هقدم على وظيفة حفار
بالآثار" ، رد علية الشامى "طيب ما تشتغل تربى .. آهو كله حفر" ،
تدخل محسن بسخرية "انا متخيل لو عملوا مسابقه حفر بين بنى آدم وعشرة فئران ..
صفوت هوه اللى هيكسب " وضحكوا جميعا حتى انهم سمعوا ضحكة المراسله الواقف عند
مدخل الملجأ.
تم تجهيز اكواب النسكافية ، اقترح صفوت ان يحكى كل منهم
عن اسوأ يوم مر عليه ، واقترح الشامى ان يتنافسوا بدور شطرنج والغالب مستمر ،
واستقروا اخيرا على اقتراح محسن بان يتخيل كل منهم وضعه بعد عشر سنوات ، لمح
الشامى باكو بسكويت فوق المخله التى بركن الملجأ ، فتحه وبدأ ياكل منه دون ان
يستاذن او يعزم عليهم ، .. خلاص انا اقولكم انا اتمنى ايه خلال العشر سنوات اللى
جايه ، بس لو سمحتم محدش يتريق ، "انا بقى بالصلاة على النبى اتمنى امريكا
يجيلها حول فى عينيها وبدل ما تسلح اسرائيل ، تسلحنا احنا ، اسرائيل تخاف وتنسحب
من سيناء ، يسرحونا وينتهى تجنيدنا من غير حرب ودمار ، ارجع اسكندرية واستلم شغلى
، اسبوع ورئيس مجلس الادارة يموت ، يعينونى مكانه ، اصدر قرار برفع مرتبى الى الف
جنية ، اتقدم للجواز من سناء ، اهلها الجزم اللى رفضونى بحجة انى تخين ومفلس ،
هيبوسوا ايدى بعد ما بقيت رئيس شركة ، استاجر شالية فى المعمورة واشترى فيلا على
البحر ، ربنا يكرمنى ونخلف عيل غتيت رزل ، وطبعا الولد هيطلع غبى معرفش ليه ، اتصل
بيك يا صفوت تديله درس خصوصى فى التاريخ" ، يقاطعه صفوت "وحياة دينى انت
عيل ، انا ممكن اشتغل عندك يا تعبان فى حاله واحده .. ادى ابنك درس فى التاريخ
ومراتك درس فى الجغرافيا " .
اما صفوت بدا الحزن على وجهه وهو يقول " انا نفسى
اخلص من اللى انا فيه ده ، يا جماعه انا زهقت من الزعفرانه ومن التجنيد ومنكم ومن
نفسى ومن التراب ومن الحفر ومن اللون الكاكى .. انا متاكد ان تجنيدنا مش هينتهى
إلا بعد النصر باذن الله ، عشان كده ليل نهار بادعى الحرب تبدأ وربنا ينصرنا "
، ران صمت وهم يرددوا .. آمين .. ساله محسن "طيب ومادلين ناوى تعمل
معاها ايه ؟ " كانت مادلين هى محور حديث صفوت فى جلسات سابقه ، يحبها يعشقها
، زميلته بالكلية ودفعته ، قرر ان يخطبها ولكن ظروف تجنيده حالت دون ذلك ، فهاجرت
لامريكا وما زالت على اتصال به ، رد قائلا "والله ما انا عارف انا كنت فاكر انى
هتجند سنه واحده ، بقالنا سنتين ولسه مش عارفين هيسرحونا امتى ، وكل ثلاثة اشهر
يتكرموا علينا بتسعة ايام اجازه ، تسعه ايام هقضيهم نوم ولا اكل ولا استحمام ولا
اتصالات بامريكا ، انا ياجماعة فى ماساة مش هخرج منها الا بالنصر باذن الله ".
انتهوا من شرب النسكافية ، وطلب محسن البدء فى دور
كوتشينه ، استدركه الشامى "لا يا حدق .. لازم تقولنا انت كمان شايف ايه فى
مستقبك المظلم " ، قال لهم "لو مصممين اعطونى فرصة لانى مزنوق ، اروح
افضى الجوزه وارجع اقولكم انا باحلم باية.. وخرج.
فى بداية الحاقهم على هذه الوحدة ، كانت التعليمات عند سماع
ازيز طائرات العدو ، القفز فورا فى اقرب حفره برميلية ، فهى الحصن الآمن من قنابل
العدو التى يسقطها عشوائيا على المواقع من ارتفاع شاهق فلا تصيب احد لعدم دقتها ، تكررت
كثيرا غارات العدو الجوية والنتيجه دائما لا خسائر ، مع تكرار الغارات يتسلل الملل
والفتور والبطء وعدم الاهتمام باحتمالات الخطر ، فالنتيجه معروفه .. لا خسائر .. ،
سمعوا صديقهم محسن يصرخ عليهم من بعيد ، غارة غارة .. صفوت .. شامى .. غارة غارة
.. صفوت جالس على الصندوق الخشبى يدخن ، والشامى واقف بباب الخيمه يتابع محسن وهو
يقفز فى حفره برميليه ، انفجار رهيب ، اعقبه سكون رهيب ، توقف القصف ، انتهت
الغارة ، من حفرته البرميليه اطل محسن براسه فى اتجاه الملجأ ، هاله ما راى ، خرج
يجرى صارخا فى اتجاه الذى كان ملجأ له واصبح اشلاء مبعثره محترقة ، اغمى علية ، ولن
يحكى لصديقيه عن حلمه ، ولن يتصل صفوت بمادلين ، ولن يترجرج جسد ابوالشام من الضحك
بعد اليوم والى الابد.
