الجمعة، 21 سبتمبر 2018

زكريات حرب الاستنزاف


من خلال الخندق المتعرج وصل الضابط صفوت الى ملجأ صديقيه الضابط محسن والضابط الشامى ، اختار صندوق ذخيرة خشبى بركن الملجأ ليجلس عليه ، اسند ظهرة الى الجدار الرملى وامال راسه للخلف لعله يملأ رئتية باكبر قدر من الهواء ، وضع ساقا على الاخرى واخرج علبة سجائرة واشعل واحده ، سعل كعادته عند اول نفس يدخل رئتيه ، وجه كلامه الى محسن ، وهو ينفث دخان سيجارته "عارف يا سونه انا متغاظ ومستغرب من ابتسامتك المتفائله  .. انت ازاى مش حاسس بالماساه اللى احنا فيها ، بالذمه احنا اهالينا صرفوا علينا دم قلبهم ، وشقينا مذاكره وامتحانات ، وآخرتها نترمى هنا فى الصحرا ونعيش فى ملاجئ تحت الارض" ، زادت ابتسامة محسن وهو يرد عليه "مالها الملاجئ ، مش نحمد ربنا ان احنا ضباط ولينا ملجأ مستقل ، يا ابنى احنا مجندين عشان نحرر بلدنا ونزيل آثار العدوان ونآخد بتارنا من اسرائيل ،  ده قدرنا ولازم نستحمل".
محسن شاب وسيم من اوائل دفعته فى كلية الحقوق عمل لسنه وكيل نيابة ، ابيض البشره مع عيون خضراء وابتسامه صافية مرسومه دائما على وجهه ، مثقف كثير الاطلاع فى جميع المواضيع ، هادئ الطباع والاسلوب ، اما صفوت فهو خريج آداب قسم التاريخ عمل مدرس قبل تجنيده ، من اسرة ميسوره ، لم يتعود على قسوة الحياة ، تناسق ملامحه اضفت على وجهه البشوش وسامه محببه ، عصبى المزاج ، سريع البديهة خاصة فيما يتعلق بالنقد ، إذا لم يجد ما ينتقده ، انتقد نفسه ، اما الشامى او ابوالشام كما يحب ان ينادية زملائة ، عمل سنة محاسب باحدى الوزارات ، ضخم الجسم بطئ الحركه ، فشته عايمه باستمرار ، يضحك لكل نادره وعلى كل موقف ، إذا ضحك يرتج جسمه كله وكأن ايادى خفية تزغزه ، فيشيع الضحك فى جميع المحيطين به ، بسيط تلقائى ابن بلد.
ثلاثتهم من الاسكندرية تعرفوا على بعضهم فى احدى رحلات الجامعه ، وظلوا اصدقاء الى ان تم تجنيدهم  بعد نكسة 1967 ، انهزمت مصر فى معركه وقرر الزعيم جمال عبدالناصر ورئيس اركان حرب القوات المسلحه القائد المحترم عبدالمنعم رياض (استشهد فى 9/3/1969) ان تحرير الارض والعرض لن يتم إلا برفع كفاءة الجندى المصرى ، فتم تجنيد المؤهلات العليا من دفعة 1966 وما بعدها ، على امل النصر فى الجوله التاليه وهذا ما تحقق فى نصر اكتوبر 1973 ، ويشاء القدر ان يجتمع الاصدقاء ضمن كتيبة مقاتله بالزعفرانه بالبحر الاحمر ، وهى من المناطق القتالية الهادئة نوعا ما ، يفصلها عن العدو البحر الاحمر وسلسلة جبال الزعفرانه ، جبال وصحراء ممتده على مدى البصر ، نهارها شمس حارقه وليلها برد قارص.
اتفق ثلاثتهم على الاجتماع مساء كل خميس بعد صلاة العشاء فى ملجأ احدهم ، يتسامرون يتناقشون وغالبا يتنافسون فى العاب الكوتشينه او الدومينو ، يجترون ذكريات مدينتهم الاسكندرية ، بحرها ، طقسها ، مغامرات الجامعة والرحلات ، فى واحده من جلساتهم الاسبوعية اقترح عليهم محسن ان يحضر كل منهم ملابسه المدنية ، يرتدوها فى جلستهم الاسبوعيه ، واليوم خلع كل منهم الافرول الميرى وارتدوا ملابسهم المدنية ، وهو يشعل سيجارته الثانيه قال صفوت وكانه يحدث نفسه "يا سلام لو حتتين جاتوه من ديليس مع كوباية شاى ، مش كانت القعده احلوت " ، رد الشامى "احلى كوباية شاى هيه اللى تحبس بيها غدوة كباب وكفته او شوية سمك وجمبرى " ، تدخل محسن فى الحوار"اكل ايه وشرب ايه ، مفيش اجمل من قاعده فى كازينو على البحر  ومعاك قصه او كتاب محترم" ، فاجئة صفوت بصوته المسرسع "كتاب ايه وقرف ايه افتكرتك هتقوللى ومعاك بنت مايصه ضحكتها تجلجل" ، ران عليهم صمت مؤقت ، سرح كل منهم فى احلامه وقسوة الواقع ، لم تكن رداءة الطقس فى الزعفرانه ولا شح المياه وندرتها ولا رداءة نوعية الاكل هى مشكلتهم الوحيده ، كان اكبر مصدر لتعاستهم هو تعليمات القياده بالا يظهر شيئ من الموقع على سطح الارض ، ملاجئ النوم والحفر البرميلية وملجأ السيارات المدرعة والخنادق الممتدة بين مواقع الكتيبة ، جميعها تحت مستوى سطح الارض ، احفر .. احفر .. احفر ، تهب العواصف الترابية فتردم جذء من الخندق .. احفر .. احفر .. للترميم ، كسر صفوت الصمت قائلا بتهكم "يا جماعه ، انا بصراحه بقيت خبير فى الحفر ، عشان كده بعد ما هخلص جيشى هقدم على وظيفة حفار بالآثار" ، رد علية الشامى "طيب ما تشتغل تربى .. آهو كله حفر" ، تدخل محسن بسخرية "انا متخيل لو عملوا مسابقه حفر بين بنى آدم وعشرة فئران .. صفوت هوه اللى هيكسب " وضحكوا جميعا حتى انهم سمعوا ضحكة المراسله الواقف عند مدخل الملجأ.
تم تجهيز اكواب النسكافية ، اقترح صفوت ان يحكى كل منهم عن اسوأ يوم مر عليه ، واقترح الشامى ان يتنافسوا بدور شطرنج والغالب مستمر ، واستقروا اخيرا على اقتراح محسن بان يتخيل كل منهم وضعه بعد عشر سنوات ، لمح الشامى باكو بسكويت فوق المخله التى بركن الملجأ ، فتحه وبدأ ياكل منه دون ان يستاذن او يعزم عليهم ، .. خلاص انا اقولكم انا اتمنى ايه خلال العشر سنوات اللى جايه ، بس لو سمحتم محدش يتريق ، "انا بقى بالصلاة على النبى اتمنى امريكا يجيلها حول فى عينيها وبدل ما تسلح اسرائيل ، تسلحنا احنا ، اسرائيل تخاف وتنسحب من سيناء ، يسرحونا وينتهى تجنيدنا من غير حرب ودمار ، ارجع اسكندرية واستلم شغلى ، اسبوع ورئيس مجلس الادارة يموت ، يعينونى مكانه ، اصدر قرار برفع مرتبى الى الف جنية ، اتقدم للجواز من سناء ، اهلها الجزم اللى رفضونى بحجة انى تخين ومفلس ، هيبوسوا ايدى بعد ما بقيت رئيس شركة ، استاجر شالية فى المعمورة واشترى فيلا على البحر ، ربنا يكرمنى ونخلف عيل غتيت رزل ، وطبعا الولد هيطلع غبى معرفش ليه ، اتصل بيك يا صفوت تديله درس خصوصى فى التاريخ" ، يقاطعه صفوت "وحياة دينى انت عيل ، انا ممكن اشتغل عندك يا تعبان فى حاله واحده .. ادى ابنك درس فى التاريخ ومراتك درس فى الجغرافيا " .
اما صفوت بدا الحزن على وجهه وهو يقول " انا نفسى اخلص من اللى انا فيه ده ، يا جماعه انا زهقت من الزعفرانه ومن التجنيد ومنكم ومن نفسى ومن التراب ومن الحفر ومن اللون الكاكى .. انا متاكد ان تجنيدنا مش هينتهى إلا بعد النصر باذن الله ، عشان كده ليل نهار بادعى الحرب تبدأ وربنا ينصرنا " ،  ران صمت وهم يرددوا .. آمين  .. ساله محسن "طيب ومادلين ناوى تعمل معاها ايه ؟ " كانت مادلين هى محور حديث صفوت فى جلسات سابقه ، يحبها يعشقها ، زميلته بالكلية ودفعته ، قرر ان يخطبها ولكن ظروف تجنيده حالت دون ذلك ، فهاجرت لامريكا وما زالت على اتصال به ، رد قائلا "والله ما انا عارف انا كنت فاكر انى هتجند سنه واحده ، بقالنا سنتين ولسه مش عارفين هيسرحونا امتى ، وكل ثلاثة اشهر يتكرموا علينا بتسعة ايام اجازه ، تسعه ايام هقضيهم نوم ولا اكل ولا استحمام ولا اتصالات بامريكا ، انا ياجماعة فى ماساة مش هخرج منها الا بالنصر باذن الله ".
انتهوا من شرب النسكافية ، وطلب محسن البدء فى دور كوتشينه ، استدركه الشامى "لا يا حدق .. لازم تقولنا انت كمان شايف ايه فى مستقبك المظلم " ، قال لهم "لو مصممين اعطونى فرصة لانى مزنوق ، اروح افضى الجوزه وارجع اقولكم انا باحلم باية.. وخرج.
فى بداية الحاقهم على هذه الوحدة ، كانت التعليمات عند سماع ازيز طائرات العدو ، القفز فورا فى اقرب حفره برميلية ، فهى الحصن الآمن من قنابل العدو التى يسقطها عشوائيا على المواقع من ارتفاع شاهق فلا تصيب احد لعدم دقتها ، تكررت كثيرا غارات العدو الجوية والنتيجه دائما لا خسائر ، مع تكرار الغارات يتسلل الملل والفتور والبطء وعدم الاهتمام باحتمالات الخطر ، فالنتيجه معروفه .. لا خسائر .. ، سمعوا صديقهم محسن يصرخ عليهم من بعيد ، غارة غارة .. صفوت .. شامى .. غارة غارة .. صفوت جالس على الصندوق الخشبى يدخن ، والشامى واقف بباب الخيمه يتابع محسن وهو يقفز فى حفره برميليه ، انفجار رهيب ، اعقبه سكون رهيب ، توقف القصف ، انتهت الغارة ، من حفرته البرميليه اطل محسن براسه فى اتجاه الملجأ ، هاله ما راى ، خرج يجرى صارخا فى اتجاه الذى كان ملجأ له واصبح اشلاء مبعثره محترقة ، اغمى علية ، ولن يحكى لصديقيه عن حلمه ، ولن يتصل صفوت بمادلين ، ولن يترجرج جسد ابوالشام من الضحك بعد اليوم والى الابد.