الخميس، 13 سبتمبر 2018

عفريت لكل زمان


فى ليلة من ليالى شهر يناير شديدة البروده خمسينيات القرن الماضى ، كنا فى زيارة لاهلنا بالريف ، على ضوء لمبة جاز نمره عشرة ، جلسوا ثلاثتهم امى وعمتى وخالتى فى شبة دائرة ، يتوسطهم وابور جاز ، فوقه براد مملوء بالماء على وشك الغليان ، باب الحجرة مغلق وكذا شيش وزجاج الشباك للاحتفاظ بالدفء الذى يشعه وابور الجاز ، ثلاثتهم يلبسون الاسود كعادة نسوة هذا الزمن الجميل ، لم يظهر التلفاز ولا البوتاجاز للوجود ، اما الراديو (المذياع) يعتبر رفاهية لدى الاسر الميسوره فقط ونحن اسرة متوسطة الحال ، محور اهتمام هذه الجلسات هو الحكايات والحواديت التى تبدأ دائما هادئه ، نوادر مضحكه يتبعها اخبار عن الاهل والاقارب والجيران ، تتطور الى احدث الجرائم والحوادث وتنتهى بحكاوى عن الغيلان والعفاريت والجن وابو رجل مسلوخه والنداهه ، كنت فى السادسة من عمرى وتستهوينى هذه الجلسات ، انتبه لها بكل مشاعرى واحاسيسى وتركيزى ، فى هذه الليله بداوا الحديث عن الست اللى لبسها عفريت يخليها تتكلم بصوت رجالى ، وابو رجل مسلوخه اللى طلع للواد جلال وهو رايح يتفك فى الخرابه اللى جنب القهوه اللى على طرف البلد ، وامنا الغوله اللى خلت البت سعديه تفلى لها شعرها وفى الاخر وريتها رجلها اللى كانت رجل معزه ، تزداد سخونه الحكاوى ، عفريت سخط نفسه حمار وطلع لابو الفضل وهو راجع بالليل من الغيط ، اول ما ركب فوق ضهره لقا الحمار كل خطوه يطول شبر ، عشر خطوات وابوالفضل يصرخ ، فى الآخر نطره على الارض ، الحمار اختفى وابوالفضل رجله انكسرت ، اتلمت البلد على صراخه ، حملوه لبيته ليستحم ويغير ملابسه المبلله من الامام والخلف ، من يومها سموه ابوتقيله ، اما الجنية اللى بتسرح شعرها وهيه على شط الترعه ، عبدالله العايق افتكرها واحده نص نص ، قرب منها يلاغيها جرجرته عاوزه تغرقه فى الترعه ، هوه يصرخ وهيه تشد ، عارفه مين اللى نجاه من ايديها  ؟ .. مين يا اختى ؟؟ مصطفى الكلاف وعياله ، طلعوا يجروا ماسكين الشوم والمناجل ، اول ما قربوا منها ، سابته واختفت فى الميه ، بيقولوا كان صراخها وصويتها جايب لآخر البلد.
مرت الايام وتطورت الدنيا واستبدلت اللمبة نمره عشره باللمبه الكهربا ، وابور الجاز اصبح بوتاجاز ، انتشر التلفزيون بكل حجره وكل بيت ، الجميع يستخدم الدش والنت والبلاى استيشن والآى باد والكمبيوتر والموبايل ، واغلب الاسر لديها سيارتها الخاصة ، فنحن فى القرن الواحد والعشرين.
تابعت حفيدى البالغ من العمر ست سنوات ، لم اسمع احد يحكى له حواديت مرعبه ، ورغم هذا لاحظت فى عيونه رعب شديد ، اشفقت عليه وعلى هذا الجيل المسكين ، مذبحة ضباط البوليس فى كرداسه يعرضها التلفزيون ، تفاصيل التمثيل بالجثث ، بشاعة اغتيال رجال الشرطه فى اسوان ، حرق الكنائس ، قتل وتمثيل بجثث الشيعه فى قرية ابوالنمرس ، صور شهدائنا فى سيناء ، ستة عشر جندى يتم قتلهم وهم يتناولون افطار رمضان ، خمس وعشرون جندى مكبلى الايدى وجوههم للارض ورؤسهم مهشمه برصاص الغدر ، ارهابيين يطلقون الرصاص على عزل مسالمين ، غيلان من ذوى اللحى يهددون ، متشدد يلقى بشاب من اعلى عماره سكنية ، حرق مبانى ومصالح حكوميه وطلقات رصاص ، سيارات اطفاء واسعاف تحمل جثث القتلى ،  خونه وارهابين يقتلون بدم بارد ، يعتلون المساجد ليطلقوا منها الرصاص القاتل ، قنابل ، متفجرات ، محاولة اغتيال وزراء واغتيال النائب العام ، تفجيرات وسيارات مفخخه.
فرق كبير بين ان تستمع لحكايات وحواديت مرعبه ، وبين ان تشاهدها رؤى العين من خلال التلفاز وهى تحدث امام عينيك ، العفريت الذى اخافنا لم نراه ابدا كان حكايه ووهم وخيال ، اصبح فى عصر حفيدى واقع وحقيقى ، يمكن رؤيته ومشاهدة افعاله الخسيسه الغادره القاتله.
كنا نعيش فى زمن جميل ، اما حفيدى فله الله لانه يعيش فى زمن الارهاب.