الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

باشجع اللعبه الحلوه


اقام له زملاء الشركة حفل فخم يليق بمركزه ومكانته بالشركه ، كلمات الزملاء حملت الكثير من عبارات المديح ، اما كلمة الختام فقد قدمها بايجاز الرئيس الجديد الذى حل محله ، صافحه وسلمه هديه وصفها بانها لا تليق بمقامه الكبير ، تمنى له الجميع حياه هادئه سعيده بعد احالته الى المعاش.
نجاحات الماضى وفراغ الحاضر وغموض المستقبل  هى الافكار التى شغلته وهو يقود سيارته فى طريقه الى البيت ، هل انتهت ايام المهابه والعزة والاحترام من الجميع ، وبدات ايام الفراغ وبطئ الساعات وانتظار المرض او الموت ليلحق بشريكة حياته التى فارقت دنياه منذ سنتان ، هل سيستجدى اتصال هاتفى من احد اولاده المغتربين بالخارج ، هل اصبح كمالة عدد ، لا عمل ، لا منصب ، لا وظيفه  .. عاطل.
ادار المفتاح فى باب الشقه ، ابتسم ساخرا عندما تذكر عباره قراها ذات يوم مفادها "العمر يبدأ بعد الستين" ، لماذا لا يخطط من اليوم لتحقيق حلم عمره ، حلم مكافاة نهاية الخدمه ، كثيرا ما تمنى زيارة جميع المدن والمحافظات المصريه ، زيارة مساجد اولياء الله الصالحين وخاصة ايام الموالد.
بهمه ونشاط اخرج من مكتبة خريطه مصر ، فردها على  طاولة الطعام ، بقلمه رسم دوائر حول المدن التى سيزورها فى عامه الاول ، ابتسم وهو يردد لنفسه "ايوه كده !! الخطه دى هتخلينى مشغول لمدة خمس سنين ، كل شهر ازور مدينه كان نفسى اشوفها وظروفى لم تسمح ، دلوقتى الوقت والفلوس والصحه يسمحوا بتحقيق حلمى".
حدد مدينة بورسعيد لتكون باكورة رحلاته ، وحتى لا يتهاون او يتراجع عن خطته التى تحمس لها ، قام بتشغيل حاسبة الآلى وعن طريق النت تمكن من حجز ثلاث ليالى بفندق على البحر مباشرة بالمدينة الباسلة تبدأ من الغد ، لم تغمض جفونه إلا بعد ان جهز شنطة السفر وكل احتياجات مغامرته الاولى .
فى نشوة وسعاده ، قاد سيارته ليصل بورسعيد فى العاشرة صباحا ، تناول الغداء بالفندق وخرج فى رحله استكشافيه للمدينه شاعرا بشعور كولومبس عندما راى امريكا لاول مره ، وحتى يتجرع حلاوة المغامره ، قرر الاتفاق مع سائق تاكسى يطوف به انحاء بور سعيد نظير مبلغ سخى يتفق عليه ، يريه معالم المدينه على ان ينهى امسيته فى مطعم يتذوق فيه الكابوريا والجمبرى الذى تشتهر به بورسعيد.
اتفقا على السعر واختلفا على شيئ واحد ، فقد اشترط السائق على توصيله الى المطعم فى نهاية الجوله ، على ان يتدبر بنفسه العوده للفندق لانه مرتبط بحضور مباراة مهمه بين النادى المصرى والنادى الاهلى ، لم يفكر كثيرا قائلا لنفسه "ممكن عشوة الكابوريا ااجلها للغد واشاهد معاه المباراه من الاستاد" ، وافق السائق على طلبه شريطه الا يكون اهلاوى ، طمانه انه يشجع اللعبه الحلوه.
بالقرب من الاستاد ترجلا لينضما الى حشود المشجعين المتجهين الى الاستاد ، لم تمر دقائق إلا ووجد نفسه محشورا وسط  الآلاف منهم ، يحملون اعلام النادى المصرى ، يهتفون لناديهم ويسبون النادى الاهلى ، ارتعب عندما راى بعضهم يحمل عصى وآخرين يحملون شماريخ ، وبعضهم يستعرض قوته وفى يده مطواه اوبلطه ، ومنهم من يرقص بعصبيه على اهازيج السمسميه التى تصدر من جهازه المحمول ، اذداد رعبا عندما اختفى صديقه سائق التاكسى وسط الحشود ، تخطت الموجات البشريه بوابة الاستاد دون تفتيش او تذكرة دخول ، الخوف الذى سكن قلبه جعله يبتعد عن الجميع وانزوى فى ركن اعلى المدرج ، اما عيونه فقد انشغلت بالبحث عن صديقه وسط هذه الجموع الثائره دون جدوى ، شعر انه ورط نفسه بموافقته على حضور هذه المباراة ، سلوته الوحيده الآن هى التدخين مع كثير من الدعوات ان تمر المباراة بسلام ، الجو مشحون متوتر ، تعجب من حالة الا مبالاة التى عليها رجال الامن ، ربما شعروا انهم اضعف من هذا الجمهور المتعصب الثائر ، حتى عندما نزل قليل من الجمهور ارض الملعب اثناء فترة تسخين اللاعبين قبل المباراة وجد الامن صعوبه فى ارجاعهم لمكانهم الطبيعى بالمدرجات.
وبدات المباراة ، لاحظ تكرار نزول بعض المشجعين ارض الملعب بعد كل هدف يسجله النادى المصرى ، يهلل الجمهور وينزل كثيرين خلف حارس مرمى الاهلى ، على استحياء يمنعهم رجال الامن ويعيدوهم للمدرجات ، الآن تيقن ان الامر سينتهى بماساه ، فشلت محاولاته فى الخروج من الملعب ، وفشل الامن فى السيطره على الجمهور ، لديه قناعة تامه ان الامن يخشى التدخل حتى لا يثير غضب الجمهور ، إذا لم يتدخل الامن ستكون كارثه ، وإذا تدخل ستكون ايضا كارثه ، الكارثه الاولى ستكون فوق رؤوس جمهور الاهلى ، الكارثة الثانية ستكون فوق رؤوسهم ، فكان الافضل لرجال الامن ان تقع الكارثة الاولى وليست الثانية.
صفر الحكم صافرة نهاية المبارة ، حمد الله ان المصرى هو الفائز ، توقع ان يخرج الجمهور من الاستاد للاحتفال بالنصر فى شوارع المدينه الباسله ، لكنه شاهد وكأن مس اصاب عقول الجميع ، كثير من جمهور المدرج الذى يجلس فيه اصبحوا بالملعب ، لاعبو الاهلى يجرون باقصى سرعتهم نحو غرف خلع الملابس ، الجمهور يجرى خلفهم ، هجموا على دكة البدلاء ، مطاردات هنا وهناك داخل المستطيل الاخضر ، الويل لمن وقع فى ايديهم ، الكل يجرى لاعبين .. إداريين .. منظمين  .. فوضى وبلطجه صراخ وهياج وجنون ، قفز سلالم المدرج محاولا الهروب من هذه الفوضى الهمجية ، فجاة اصبح الظلام دامس ، احد العباقره اطفأ  انوار الاستاد ، انساق مع الكتل البشرية المسالمه الهاربه التى تحاول الخروج من هذا الرعب ، حمد الله كثيرا عندما وجد نفسه خارج الاستاد ، جرى قدر طاقته مبتعدا ، ولكنه لا يدرى اى الطرق توصله للفندق ، خشى سؤال من قابلهم حتى لا يكتشفوا انه غريب وليس من ابناء بورسعيد ، بعد عدة محاولات توقف له تاكسى اوصله الى الفندق.
حمد الله كثيرا وهو يفتح باب حجرته ، تفاجأ وهو ينظر لهيئته المزريه بالمرآه ، اخذ حمامه وجلس يشاهد عرض الاحداث على شاشة التلفزيون ، حمد الله كثيرا ، لان ما اصابه من كدمات بالظهر وجرح بسيط بالراس اهون كثيرا كثيرا مما حدث لكثيرين غيره ، ابتسم لنفسه وحمد الله ان مشجعى النادى المصرى لم يتعرفوا على حقيقة ميوله الاهلاويه وانه كان يتمنى فوز الاهلى بالمباره وإلا اصبح اسمه يتذيل قائمة القتلى ويفوز بالرقم ثلاثه وسبعون فى قائمة شهداء مذبحة استاد بورسعيد.
 صباح اليوم التالى كانا فى بيته ، على الخريطه التى ما زالت منصوبه على طاولة الطعام ، وبقلم اسود سميك رسم عليها علامة اكس كبيرة ، وهو يقول لنفسه "ان يعيش الانسان فى اكتئاب وفراغ وملل افضل من ان يعيش باقى عمره وهو مصاب فى روحه او جسده" ... منهم لله اللى حطموا حلم جميل حلمت به يوما ، ويوم ان تعود الاخلاق من جديد للشعب المصرى ، ويكون الامن قادر على السيطره على الجامحين ، ساعود الى حلمى ومكافأة نهاية خدمتى.