الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

العجوز الثائر


بتكاسل نهض من فراشه ، ازاح ستائر النافذه ناظرا للسماء وكانه خبير فى الارصاد الجويه ، ابتسم وهو يحمد الله على الطقس الدافئ لاحد ايام شهر فبراير ، وهو فى طريقه للحمام دندن باغنيه "لو كل حب .. فى كل قلب .. اتجمعوا .. انا حبى اكتر" ، كانت الحاجة رحمها الله تطرب لسماعها منه وتتعرف على مزاجه اليومى من الاغنيه التى يدندن بها ، شعر بوحشة الفراق والوحده ، اذداد هذا الشعور قوة وقسوه بزواج الاولاد وسفرهم للخارج ليبقى وحيدا كئيبا .
تناول فطوره وهو يستمع للاخبار من المذياع ، تعجب من شباب هذا الجيل الذى لم تهدأ ثورته رغم مرور ايام على بدايتها ، كان يظن ان فورتهم ربما تطول لنصف يوم او يوم على الاكثر ، لم يعش هذه الحاله من قبل ولم ينضم فى شبابه لاى حزب او اتجاه او هدف سياسى ، قال لنفسه "لماذا لا اجرب واعيش هذه اللحظات مع هؤلاء الشباب ، سوف اشغل وقت فراغى الطويل الكئيب الممل وربما اجد معهم ما يعيد لى حماسه افتقدتها بمرور الزمن".
ارتدى جاكت فوق البلوفر الصوف حتى لا يصاب بنزلة برد تقعده مريضا لعدة ايام ، قرر ان يقطع المسافه من منزله لمسجد القائد ابراهيم المكان المفضل لتجمع الثوار سيرا على الاقدام ، لم يتوقع هذه الاعداد الهائلة من الشباب فى هذا الوقت من النهار ، وقف بعيدا يراقبهم ، حركت الهتافات الهادره والشعارات الرنانه مشاعره فاقترب اكثر من الجموع ، تلقائيا ردد معهم "عيش حرية عداله اجتماعيه" ، لم يستوعب فى البدايه هذه الشعارات والهتافات ، منذ ايام الزعيم جمال عبدالناصر والشعب ينادى بالحريه والعداله الاجتماعية ، الم يتحقق ما نادوا به خلال خمسين عاما ، ابتسم محدثا نفسه "والله احنا شعب عبيط ، إما اننا مش عارفين ما ننادى به او احنا شعب بق وكلام قهاوى فقط ، شعب صوت مش فعل " ، ما لم يفهمه هو شعار العيش ، عيش ايه اللى الشباب بينادى بيه ، همه جعانين ولا ايه الحكايه ، ما العيش رخيص ومالى الافران ، مش يمكن قصدهم عيش من معيشه وحياة ، لم يستغرق هذا الجدل من وقته الكثير ، اقنع نفسه انه ذهب ليتفرج لا ليحلل ويشارك ، ذهب لتضييع بعض الوقت الممل الذى لا ينقضى.  
رغم عدم اقتناعه بما يردده ، فلا هو يحتاج عيش ، عنده الكثير ، والحريه يعيشها ولا تمثل له اى هم ، اما العداله الاجتماعيه فلم تخطر له على بال لانه ميسور الحال ، رغم هذا وجد نفسه يقترب ينحشر وسطهم ، لم تعوقه شيخوخته من الاندماج معهم ليصبح واحد منهم ، ذادت حماسته فاذدادت متعته ، عندما وجد نفسه محمولا فوق الاكتاف صاح باعلى صوته بواحد من الشعارات والجموع تردد خلفه ، تخيل لحظتها انه هو من فجر هذه الثوره وهو القائد الاعظم لهذه الجموع ، تحكمت هتافاته فى الجموع كما يتحكم الطبال فى حركات الراقصه ، رددوا خلفه وكانه ملهمهم ، استعذب الحدث وكانه مسلوب الاراده ، اصبح درويش من دراويش هذه الجموع ، بح صوته من الهتاف ، تحركت الجموع من امام المسجد فى اتجاه مبنى محافظة الاسكندرية ، فى لحظه فارقه حاول ان ينسل من هذه الكتل الشبابيه مكتفيا بهذا القدر من المشاركه ، قبل ان يتمكن من ذلك ، كانت قوات الشرطه التى تحمى مبنى المحافظه قد بدات فى إطلاق خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين ، لم تتوقف الجحافل عن الهتاف والتقدم ، فبدات الشرطه فى اطلاق الغازات المسيله للدموع.
جرى الشباب مبتعدا ، تفرقوا بدون نظام فى اتجاهات مختلفه ، انتشروا فى الشوارع الجانبيه ، اما هو فقد تبللت ملابسه تماما وملأ الغاز رئتيه ، شعر باختناق والتهاب شديد فى عينيه ، نوبة سعال لم تتوقف وصعوبه فى التنفس و الرؤيه ، استند الى جدار عله يسترد وعيه ، ما زال دوى الشعارات يتردد فى اذنيه من بعيد "عيش حريه عداله اجتماعية" ، فزع عندما سمع صوت طلقات رصاص ، لا يدرى هل قادمه من اتجاه الشرطه ام من اتجاه الثوار ، انكمش على نفسه قدر ما يستطيع خشية ان تصيبه طلقه طائشه ، وهو فى نوبة سعال حاده ودموع غزيره حاول النهوض والابتعاد عن هذا المكان ، واذ برصاصه غادره تصيبه فى صدره ، كان يبتسم فى سخريه وهو يقع على الارض يلفظ انفاسه الاخيره ، احتار فى تبرير هذه السخريه ، هل كانت ابتسامة ساخره لانه ارتاح من الملل والوحدة وايامه المكرره بدون معنى او هدف ، ام كانت ابتسامه ساخره لانه مات فى سبيل شعارات لا تخصه ولا يؤمن بها ، ولكن اجمل ما فى هذا الحدث .. انه مات مبتسما.