الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

الطماع والنصاب



اعشق البحر فى هدوءه وغضبه ، الطبيعه فى زرقتها و خضرتها ، الحرية فى عقلانيتها و جموحها ، النهار عند الشروق والغروب ، اما لحظات هدوئى وسكينتى فاستمتع بها وانا جالس الى مكتبى استرجع زكريات الماضى الجميل ، اليوم تلح على ذكرى صيف نجاحى بالسنه الاولى لى بالكليه ، كافئنى ابى بان طلب من نجار الحى ان يجهد تفكيره لتحويل تلك الطاوله المتهالكه المركونه فى الصاله الى مكتب ، حملها وعاد بعد ثلاثة ايام وهو يحمل مكتب له ادراج ، لونه بنى للايحاء بانه مكتب اصيل وليس مكتب مهجن ، لم يكن المكتب هو افضل ما جنيته هذا الصيف ،  فقد تزوج اخى الاكبر فى اواخر ايام هذا الصيف ، وقمت باحتلال سريره ، شعرت بقدرى واهميتى بعد ان اصبح لى حجرة ومكتب وسرير.
ايضا فى هذا الصيف وكل صيف ، يخصص الزعيم الخالد جمال عبدالناصر يوم 26 يوليو من كل عام للاحتفال بثورة يوليو بالاسكندرية ، فتقوم كل وزاره او هيئه او شركه بالتفنن فى تجهيز سياره مزينه بالزهور يصطفوا فى طابور طويل بالكورنيش ، ويتحركوا فى موكب رائع الى استاد الاسكندريه ، اما جامعه الاسكندرية ، فكانت تقيم معسكر لبعض الطلبه بالمدينه الجامعية قبل الموعد بشهر ، تدربهم للظهور بمظهر مشرف فى طابور العرض العسكرى ، لعشقى لحياة الجواله والمعسكرات والبعد عن قيود اسرتى كنت واحد من هؤلاء الطلبه ، اما متعتى الكبرى فلانى ساحظى  برؤية جمال عبدالناصر اثناء العرض ، وعندما يصدر لنا النداء (لليمين انظر) ، ساراه وهو يلوح لنا بيده مرحبا بنا .
انتهى العرض وتحدد الاسبوع الترفيهى للمعسكر بمرسى مطروح ، سافرت رغم علمى ان يوم زواج اخى سيكون خلال ايام المعسكر ، وكعادة الايام الجميله ، تفر وكانها لحظات ، نقضى يومنا فى السباحه ومباريات كرة القدم وحفلات سمر ومسابقات ونوادر ، عندما تذكرت ان غدا يوم فرح اخى ، ولم يتبقى من مصروفى البسيط سوى بعض عشرات القروش ، فلن اتمكن من الاستئذان فى ترك المعسكر والرجوع على نفقتى الخاصه ، استشرت صديقى المقرب لى بمشكلتى ، فلم نجد حلا ، هنا ، وهنا فقط وسوس لى الشيطان بفكره جهنميه ، لماذا لا استغل طمع اصدقائى وانفذ فكرتى الخبيثه.
عصر يوم الاربعاء خرجت من المعسكر بمفردى ، وصلت سوق ليبيا ، وهو واحد من اسواق مرسى مطروح ، يقولون انه متخصص فى بيع البضاعه المهربه من ليبيا ، اشتريت بكل ما املك ثلاثه شباشب وزجاجتان من عطر بريزيتا ونصف دسته صابون كامى ، عدت للمعسكر وعرضت على اصدقائى ما اشتريته ، قصصت عليهم قصه خياليه بانى تعرفت على احد المهربين يبيع لى البضاعه باقل من نصف ثمنها المعروض بالسوق ، وسوف اقابله صباح الغد  ليعرض على المزيد من بضاعته الزهيده سعرا وممتازه جودة ، قال احدهم "خلاص انا بكره آجى معاك عاوز اشترى شوية حاجات لاهلى قبل العوده للاسكندريه" ، تدخل اكثر من صديق طالبا الذهاب معى ، قلت وانا كلى ثقه "الراجل قالى بالحرف الواحد : انت يا افندى تيجى لوحدك ، مش عاوز الموضوع يكبر والبوليس يآخد خبر واتقفش واروح فى ستين داهيه" ، عرضت عليهم ان اتحمل هذه المهمه الصعبه بمفردى ، واللى عاوز منكم حاجه يكتبها فى ورقه ، ويدينى الفلوس وانا اقوم باللازم ، وحتى يدب الرعب فى قلوبهم ، طلبت منهم فى حاله القبض على انا والمهرب ، ان يقوموا بابلاغ قائد المعسكر ليحضر لقسم البوليس ليفك اسرى.
قبل ان تبدأ حفلة السمر المسائيه ، كان معى لسته باسماء الاصدقاء وطلبات كل منهم ، ومبلغ محترم ، عندما حسبت ما جمعته منهم وجدته يكفى ثمن تذكره سفرى بالقطار درجه اولى وشراء مجموعة هدايا لاخى العريس ولن انسى هدايا لامى واخواتى ، وعلبة سجاير كامله والمشاريب المتنوعه بالقطار ، ما خططت له اعتمد على طمع الاصدقاء ومدى قدرتى على اقناعهم .
فى الصباح بعد الافطار ، ادعيت انى مريض ولن اتمكن من الذهاب معهم الى الشاطئ ، وجميع زملائى يعرفوا انى ادعيت ذلك لاقابل المهرب ، فور مغادرتهم رتبت شنطتى وحملتها متجها للسوق ، اشتريت مجموعه من الهدايا وركبت القطار فى طريق عودتى الى الاسكندريه ، وفى المساء كنت واحد من نجوم الفرح ، فقد قدمت ما تبقى معى من نقود نقوط للراقصه التى اعجبت بكرمى السخى معها.
ما حدث يوم الجمعه مساءا كان خاتمة المغامره ، عاد الفوج من مطروح ، من اسفل مسكنى سمعت من ينادى على اسمى متبوعا بالنصاب ، طلب منهم ابى الصعود بهدوء ، عرف منهم ما حدث ، رد لهم اموالهم ، اما انا فلم افلح فى اقناع ابى انهم طماعين ، وانتهى الامر بعلقه شديده لم اذق مثلها من قبل ومن بعد.
"مرت الايام وصلنا جميعا لمستويات اجتماعية ومادية نحسد عليها ، وكلما اجتمعنا نسترجع  نوادر مر عليها اكثر من خمسون عاما وتكون هذه النادره هى احلاهم جميعا .. ايام جميله فى زمن جميل"