اعشق البحر فى هدوءه وغضبه ، الطبيعه فى زرقتها و خضرتها
، الحرية فى عقلانيتها و جموحها ، النهار عند الشروق والغروب ، اما لحظات هدوئى
وسكينتى فاستمتع بها وانا جالس الى مكتبى استرجع زكريات الماضى الجميل ، اليوم تلح
على ذكرى صيف نجاحى بالسنه الاولى لى بالكليه ، كافئنى ابى بان طلب من نجار الحى
ان يجهد تفكيره لتحويل تلك الطاوله المتهالكه المركونه فى الصاله الى مكتب ، حملها
وعاد بعد ثلاثة ايام وهو يحمل مكتب له ادراج ، لونه بنى للايحاء بانه مكتب اصيل وليس
مكتب مهجن ، لم يكن المكتب هو افضل ما جنيته هذا الصيف ، فقد تزوج اخى الاكبر فى اواخر ايام هذا الصيف ، وقمت
باحتلال سريره ، شعرت بقدرى واهميتى بعد ان اصبح لى حجرة ومكتب وسرير.
ايضا فى هذا الصيف وكل صيف ، يخصص الزعيم الخالد جمال
عبدالناصر يوم 26 يوليو من كل عام للاحتفال بثورة يوليو بالاسكندرية ، فتقوم كل وزاره
او هيئه او شركه بالتفنن فى تجهيز سياره مزينه بالزهور يصطفوا فى طابور طويل
بالكورنيش ، ويتحركوا فى موكب رائع الى استاد الاسكندريه ، اما جامعه الاسكندرية ،
فكانت تقيم معسكر لبعض الطلبه بالمدينه الجامعية قبل الموعد بشهر ، تدربهم للظهور
بمظهر مشرف فى طابور العرض العسكرى ، لعشقى لحياة الجواله والمعسكرات والبعد عن
قيود اسرتى كنت واحد من هؤلاء الطلبه ، اما متعتى الكبرى فلانى ساحظى برؤية جمال عبدالناصر اثناء العرض ، وعندما
يصدر لنا النداء (لليمين انظر) ، ساراه وهو يلوح لنا بيده مرحبا بنا .
انتهى العرض وتحدد الاسبوع الترفيهى للمعسكر بمرسى مطروح
، سافرت رغم علمى ان يوم زواج اخى سيكون خلال ايام المعسكر ، وكعادة الايام
الجميله ، تفر وكانها لحظات ، نقضى يومنا فى السباحه ومباريات كرة القدم وحفلات
سمر ومسابقات ونوادر ، عندما تذكرت ان غدا يوم فرح اخى ، ولم يتبقى من مصروفى
البسيط سوى بعض عشرات القروش ، فلن اتمكن من الاستئذان فى ترك المعسكر والرجوع على
نفقتى الخاصه ، استشرت صديقى المقرب لى بمشكلتى ، فلم نجد حلا ، هنا ، وهنا فقط
وسوس لى الشيطان بفكره جهنميه ، لماذا لا استغل طمع اصدقائى وانفذ فكرتى الخبيثه.
عصر يوم الاربعاء خرجت من المعسكر بمفردى ، وصلت سوق
ليبيا ، وهو واحد من اسواق مرسى مطروح ، يقولون انه متخصص فى بيع البضاعه المهربه
من ليبيا ، اشتريت بكل ما املك ثلاثه شباشب وزجاجتان من عطر بريزيتا ونصف دسته
صابون كامى ، عدت للمعسكر وعرضت على اصدقائى ما اشتريته ، قصصت عليهم قصه خياليه
بانى تعرفت على احد المهربين يبيع لى البضاعه باقل من نصف ثمنها المعروض بالسوق ، وسوف
اقابله صباح الغد ليعرض على المزيد من
بضاعته الزهيده سعرا وممتازه جودة ، قال احدهم "خلاص انا بكره آجى معاك عاوز
اشترى شوية حاجات لاهلى قبل العوده للاسكندريه" ، تدخل اكثر من صديق طالبا
الذهاب معى ، قلت وانا كلى ثقه "الراجل قالى بالحرف الواحد : انت يا افندى
تيجى لوحدك ، مش عاوز الموضوع يكبر والبوليس يآخد خبر واتقفش واروح فى ستين داهيه"
، عرضت عليهم ان اتحمل هذه المهمه الصعبه بمفردى ، واللى عاوز منكم حاجه يكتبها فى
ورقه ، ويدينى الفلوس وانا اقوم باللازم ، وحتى يدب الرعب فى قلوبهم ، طلبت منهم
فى حاله القبض على انا والمهرب ، ان يقوموا بابلاغ قائد المعسكر ليحضر لقسم
البوليس ليفك اسرى.
قبل ان تبدأ حفلة السمر المسائيه ، كان معى لسته باسماء
الاصدقاء وطلبات كل منهم ، ومبلغ محترم ، عندما حسبت ما جمعته منهم وجدته يكفى ثمن
تذكره سفرى بالقطار درجه اولى وشراء مجموعة هدايا لاخى العريس ولن انسى هدايا لامى
واخواتى ، وعلبة سجاير كامله والمشاريب المتنوعه بالقطار ، ما خططت له اعتمد على طمع
الاصدقاء ومدى قدرتى على اقناعهم .
فى الصباح بعد الافطار ، ادعيت انى مريض ولن اتمكن من الذهاب
معهم الى الشاطئ ، وجميع زملائى يعرفوا انى ادعيت ذلك لاقابل المهرب ، فور
مغادرتهم رتبت شنطتى وحملتها متجها للسوق ، اشتريت مجموعه من الهدايا وركبت القطار
فى طريق عودتى الى الاسكندريه ، وفى المساء كنت واحد من نجوم الفرح ، فقد قدمت ما
تبقى معى من نقود نقوط للراقصه التى اعجبت بكرمى السخى معها.
ما حدث يوم الجمعه مساءا كان خاتمة المغامره ، عاد الفوج
من مطروح ، من اسفل مسكنى سمعت من ينادى على اسمى متبوعا بالنصاب ، طلب منهم ابى
الصعود بهدوء ، عرف منهم ما حدث ، رد لهم اموالهم ، اما انا فلم افلح فى اقناع ابى
انهم طماعين ، وانتهى الامر بعلقه شديده لم اذق مثلها من قبل ومن بعد.
"مرت
الايام وصلنا جميعا لمستويات اجتماعية ومادية نحسد عليها ، وكلما اجتمعنا نسترجع نوادر مر عليها اكثر من خمسون عاما وتكون هذه النادره
هى احلاهم جميعا .. ايام جميله فى زمن جميل"
