السبت، 15 سبتمبر 2018

اقفل الشباك


خمسة عشر عاما مرت عليه منذ إحالته للمعاش ، تغيرت الدنيا من حوله كثيرا ، عدا طقوسه الصباحية ظلت على حالها ، يدخل حجرته وفى احدى يديه جريدته الصباحيه وفى الاخرى كوب الشاى يضعهما على مكتبه ، ويدير المذياع المثبت مؤشره على إذاعة القرآن الكريم ويفتح النافذة المجاورة لمكتبة ، ويجلس راسما على وجهه ابتسامة رضا وسكينه ، يخرج علبة سجائره من جيبه العلوى ، وقبل ان يشعل إحداها يسمع سعاله كل من فى البيت ، تزداد ابتسامته مع اول نفس عميق ورشفه من كوب الشاى ، يبدأ بعدها فى تصفح جريدته مبتدئا بالصفحه الرياضيه ، ظانا منه انه رياضى قديم وخبير كروى لا يشق له غبار ، احيانا يخلع نظارته ويعيد راسه للخلف ويسرح بنظره فى سقف حجرته لدقائق ، لا ندرى هل سرح بفكره يحلل ما قرأه ، ام اراد التركيز فيما يسمعه من المذياع ، ام سرح فى خيالات ورؤى تصورها فى ذهنه.
تتغير صورته تماما عندما يلمح احد الدخلاء لصومعته المقدسه ، تمتد يده بطريقه آليه لتمسك بالمضرب البلاستيكى المخصص للنيل من الذباب ، ولكثرة تجاربه السابقه فى هذا المجال ، اصبح خبير فى توقعاته وفى اسلوب التعامل مع هذا الدخيل ، اليوم حامت واحده فوق راسه فى دوره سريعه مباغته اختفت بعدها عن نظره ، توقع انها حتما ستعيد الكره ، فاستعد لها ورفع يده الممسكه بالمضرب لاعلى حتى يباغتها بالسرعه والمهاره التى تتميز بها هذه المخلوقات ، رجع بظهره للخلف قليلا فى انتظار الضحيه.
ثوانى بطيئة مرت عليه وهو فى هذا الوضع المضحك ، فجاه هوى بالمضرب البلاستيكى بكل حماسه وقوه فكانت ضربه صحيحه قاتله ، ما لم يتوقعه من هذه الضربه  ، انها اخذت فى طريقها كوب الشاى الذى اندلق ما فيه على الجريده والمكتب ، وارتطم بزجاج المكتب فاحدث جلبه وصوت مفزع ، حمد الله كثيرا ان نظارته سليمه وعلبة سجائره فى جيبه لم يصيبها اى بلل او ضرر.
عندما فتحت زوجته باب صومعته وهى فى قمة الفزع ، خشت ان يكون قد اصيب بغيبوبه ففقد الوعى وارتطمت راسه بالمكتب ، او اصيب بانفجار فى شرايين مخه لحظة رشفه من كوب الشاى فسقط من يده على زجاج المكتب ، هدات عندما راته وهو ممسك بالمضرب البلاستيك فى يده وابتسامة خجل ظاهره على وجهه ، تمتم ببعض الكلمات يطمئنها انه نجح فى قتلها ، خرجت مسرعه لتعود بمنشفه مسحت ما اندلق من كوب الشاى المكسور ولملمت الزجاج المكسور ، لم تحاول ان تكرر ما سبق ان طلبته منه آلاف المرات بان يغلق النافذه ويشغل جهاز التكييف او يشترى صاعق الحشرات طالما انه لا يوافق على إغلاق النافذه .
 بعد إزالة آثار العدوان كسى حزن دفين تقاسيم وجهه ، تذكر انه فى صباه كان افشل اصدقاء عمره فى اصطياد العصافير بالنبله ، وكثيرا ما عاد لبيته وهو حامل سنارة صيد السمك ولم يفلح فى صيد واحده ، تذكر انه خلال حرب الاستنزاف مع اسرائيل لم يصطاد يوما راس جندى اسرائيلى قابع على الضفه الاخرى للقناه ، رغم تسليحه ببندقية قناصه حديثه ، حتى انه خلال عمله بالشركه كثير من اقرانه الاقل كفاءة اصطادوا مناصب ومراكز كان هو اولى بها ، لم ينجح فى الصيد إلا بعد ان احيل للمعاش ، لهذا كان استمتاعه بصيد الذباب وحنكته وخبرته فى هذا المجال مثار فخر واعتزاز لقدراته التى اكتشفها قرب نهاية عمره .
اليوم وبعد تكرار الحوادث التى احيانا تصاحب هوايته ، طلب من ابنه الخبير فى الكمبيوتر ان يعلن عن بيع المضرب البلاستيكى بالشبكه العنكبوتيه ، فهناك الكثير ممن احيلوا للتقاعد يسعدهم ان تكون لهم هوايه .. حتى ولو كانت هواية صيد الذباب ، وعندما ساله ابنه "وانت هتعمل ايه يا حاج" ، رد بسرعه وهو حزين .. مفيش حل قدامى غير انى اقفل الشباك.