خمسة عشر عاما مرت عليه منذ إحالته للمعاش ، تغيرت
الدنيا من حوله كثيرا ، عدا طقوسه الصباحية ظلت على حالها ، يدخل حجرته وفى احدى
يديه جريدته الصباحيه وفى الاخرى كوب الشاى يضعهما على مكتبه ، ويدير المذياع
المثبت مؤشره على إذاعة القرآن الكريم ويفتح النافذة المجاورة لمكتبة ، ويجلس
راسما على وجهه ابتسامة رضا وسكينه ، يخرج علبة سجائره من جيبه العلوى ، وقبل ان
يشعل إحداها يسمع سعاله كل من فى البيت ، تزداد ابتسامته مع اول نفس عميق ورشفه من
كوب الشاى ، يبدأ بعدها فى تصفح جريدته مبتدئا بالصفحه الرياضيه ، ظانا منه انه
رياضى قديم وخبير كروى لا يشق له غبار ، احيانا يخلع نظارته ويعيد راسه للخلف
ويسرح بنظره فى سقف حجرته لدقائق ، لا ندرى هل سرح بفكره يحلل ما قرأه ، ام اراد
التركيز فيما يسمعه من المذياع ، ام سرح فى خيالات ورؤى تصورها فى ذهنه.
تتغير صورته تماما عندما يلمح احد الدخلاء لصومعته
المقدسه ، تمتد يده بطريقه آليه لتمسك بالمضرب البلاستيكى المخصص للنيل من الذباب
، ولكثرة تجاربه السابقه فى هذا المجال ، اصبح خبير فى توقعاته وفى اسلوب التعامل
مع هذا الدخيل ، اليوم حامت واحده فوق راسه فى دوره سريعه مباغته اختفت بعدها عن
نظره ، توقع انها حتما ستعيد الكره ، فاستعد لها ورفع يده الممسكه بالمضرب لاعلى
حتى يباغتها بالسرعه والمهاره التى تتميز بها هذه المخلوقات ، رجع بظهره للخلف
قليلا فى انتظار الضحيه.
ثوانى بطيئة مرت عليه وهو فى هذا الوضع المضحك ، فجاه
هوى بالمضرب البلاستيكى بكل حماسه وقوه فكانت ضربه صحيحه قاتله ، ما لم يتوقعه من
هذه الضربه ، انها اخذت فى طريقها كوب
الشاى الذى اندلق ما فيه على الجريده والمكتب ، وارتطم بزجاج المكتب فاحدث جلبه
وصوت مفزع ، حمد الله كثيرا ان نظارته سليمه وعلبة سجائره فى جيبه لم يصيبها اى
بلل او ضرر.
عندما فتحت زوجته باب صومعته وهى فى قمة الفزع ، خشت ان
يكون قد اصيب بغيبوبه ففقد الوعى وارتطمت راسه بالمكتب ، او اصيب بانفجار فى
شرايين مخه لحظة رشفه من كوب الشاى فسقط من يده على زجاج المكتب ، هدات عندما راته
وهو ممسك بالمضرب البلاستيك فى يده وابتسامة خجل ظاهره على وجهه ، تمتم ببعض
الكلمات يطمئنها انه نجح فى قتلها ، خرجت مسرعه لتعود بمنشفه مسحت ما اندلق من كوب
الشاى المكسور ولملمت الزجاج المكسور ، لم تحاول ان تكرر ما سبق ان طلبته منه آلاف
المرات بان يغلق النافذه ويشغل جهاز التكييف او يشترى صاعق الحشرات طالما انه لا
يوافق على إغلاق النافذه .
بعد إزالة آثار
العدوان كسى حزن دفين تقاسيم وجهه ، تذكر انه فى صباه كان افشل اصدقاء عمره فى
اصطياد العصافير بالنبله ، وكثيرا ما عاد لبيته وهو حامل سنارة صيد السمك ولم يفلح
فى صيد واحده ، تذكر انه خلال حرب الاستنزاف مع اسرائيل لم يصطاد يوما راس جندى
اسرائيلى قابع على الضفه الاخرى للقناه ، رغم تسليحه ببندقية قناصه حديثه ، حتى
انه خلال عمله بالشركه كثير من اقرانه الاقل كفاءة اصطادوا مناصب ومراكز كان هو
اولى بها ، لم ينجح فى الصيد إلا بعد ان احيل للمعاش ، لهذا كان استمتاعه بصيد
الذباب وحنكته وخبرته فى هذا المجال مثار فخر واعتزاز لقدراته التى اكتشفها قرب
نهاية عمره .
اليوم وبعد تكرار الحوادث التى احيانا تصاحب هوايته ، طلب
من ابنه الخبير فى الكمبيوتر ان يعلن عن بيع المضرب البلاستيكى بالشبكه العنكبوتيه
، فهناك الكثير ممن احيلوا للتقاعد يسعدهم ان تكون لهم هوايه .. حتى ولو كانت
هواية صيد الذباب ، وعندما ساله ابنه "وانت هتعمل ايه يا حاج" ، رد
بسرعه وهو حزين .. مفيش حل قدامى غير انى اقفل الشباك.
