كنت وكانوا
كانوا ملائكه صغار وجوههم نضره ناعمه ، قبلة من خدودهم الورديه
الناعمه تذيب قلبى حبا وحنانا ، فرحتى وانا ارى الابتسامه تملا عيونهم ولهفتهم
للارتماء فى احضانى عند رؤيتى تشعرنى انى ملكت الدنيا وما فيها ، يتقطع قلبى حزنا
على دمعه تنساب من عيونهم لاى سبب مستحيل ان اكون سببها.
فى خروجنا كنت احملهم ليناموا على كتفى الايسر حتى اشعر
بان قلبى يلامس قلبهم ، دقات قلبينا المتناغمان تزيد من ضمى لهم اكثر الى صدرى ،
انفاسهم الساخنه اشعر بها فى رقبتى فادير شفتاى لاقبل شعر رؤوسهم ، احيانا احملهم
فوق كتفى متمنيا ان يكونوا دائما اطول منى واعلى منى قيمة ومقاما ، كثيرا ما ناموا
وهم يسندون راسهم الصغير فوق راسى ويروحوا فى سبات عميق لحرصى فى خطواتى حتى لا
ازعجهم او اقلقهم.
اخترعت معهم ولهم العاب مارسناها سويا ، الفت لهم حكاوى
واغانى ، كثيرا ما بدات احكى لهم حكاية ولم انهيها لانهم راحوا فى سبات عميق قبل ان انهيها ، كان لكل
منهم اغنيه مؤثره ااديها وكانى مطرب شعبى احيانا يضحكون منها واحيانا ينهنهون من
البكاء متاثرين بالكلمات والاداء ، عندما نخرج بمفردنا فلا حدود لتصرفاتنا ولا
موانع تحد من همجيتنا ، من اراد ان يقود دراجته فى يوم ممطر فلا مانع حتى لو اتسخت
ملابسه ، من يرغب فى الاستحمام بالبحر وليس معه لباس البحر فلينزل بملابسه
الداخليه واتحمل العتاب عنهم عند وصولنا للبيت ، احيانا نستقل قطار ابى قير حتى
نشترى السودانى ونلعب جوز ولا فرد فى رحله كانت تسعدهم كثيرا لان فى نهايتها سيقام
تحدى وتنافس على من يرمى الحجر بالبحر ابعد من الاخرين ، يوم ان اشتريت لهم ملابس
الكاراتيه لاشتراكهم بمركز الشباب هناك ، شعرت بسعاده طاغيه تشع من عيونهم فتزيدنى
سعاده لتحقيقى احلامهم ، وفى نهاية التمرين كنا نشرب اللبن المحلى بعسل النحل من
محل مشهور بالمنطقه وكاننا من كبار الرياضيين ، كثيرا ما قادتنا همجيتنا الى
المهالك ، نزلنا نشترى فطار للاسره يوم جمعه ، لم اتاخر عندما طلب منى احدهم ان
يزور الاحياء المائيه بالقلعه ، ركبنا مواصلات الى هناك واستمتعنا بمشاهدة عجائب
البحار ، لم اندم عندما تذكرت اننا نزلنا لاحضار الفطار ، عدنا قبل صلاة الجمعه وسعادتنا
بمغامرتنا كانت اقوى من اى توبيخ تلقيناه ، اما رحلات حديقة الحيوان فكان لها مذاق
خاص ، سندوتشات الفول والدب الذى خطف كيس الطعام واطعام الاسد والفيل وكلب البحر
ومشاغبات القرود ، كنا نعود والسعاده تشعرنا ان لنا اجنحه نطير بها على الارض وتظل
معنا ايام كثيره تاليه.
اما فى البيت فكانت لنا العابنا المميزه ، كثيرا ما
نصبنا ملائة سرير على هيئة خيمه نجلس تحتها ونبدا اللعب والحكى ، وعندما نكون فوق
سريرهم الصغير نتخيل اننا على مركب فى عرض البحر نصطاد السمك ، اذا تخيل احدنا انه
اصطاد سمكه يصرخ سمكه سمكه ، وعندما يتدلدل احدنا من فوق المركب ممثلا انه اصطاد
سمكه كبيره تحاول سحبه الى الماء ، لا ننتهى من هذه الجلبه إلا عندما تصدر الاوامر
"بطلوا دوشه .. متعرفوش تلعبوا من غير صوت" وقتها نطفأ الانوار لنبدأ
الحكى ورؤوسنا قريبه من بعضها حتى يسمع كل منا الاخر ، اما انفاسنا الساخنه فتعجل
بنومنا وكل منا يحتضن شريكه فى المغامره.
كبروا .. لم يكبروا فجاه بل رويدا رويدا ، بداية فترة
الدراسه تباعدنا قليلا ، لعنة الله على جدول الضرب الذى باعد بيننا لانى المسئول
عن تحفيظه لهم ، كبروا واصبح اصدقائهم اكثر قربا لهم ، تحولت حاجتهم من اللعب
والحكاوى الى حاجتهم لزيادة مصروفهم اليومى ، كبروا اكثر واكثر ، وكلما كبروا كلما
تغيرت نظرتهم واهتماماتهم ومسئولياتهم وازداد
تباعدنا ، فى الجامعه تعرفوا على الاصدقاء والصديقات ولم يعد معنى للسرير الذى كنا
نتخيله سفينه ولا ملائة السرير التى كانت خيمتنا ، وتزوجوا وسافروا ليستقروا بعيدا
عنى ، وبعد ان كنت رقم واحد عندهم او الثانى على اقصى تقدير ، اصبحت عندهم فى
المرتبه الرابعه او الخامسه فى احسن تقدير ، لم ولن يزعجنى هذا ابدا فهذه هى سنة
الحياة.
والان وانا فى الخامسه والسبعين من عمرى ، هل قل حبى
وشغفى بهم ، ما زلت اهتم بهم واى منهم اراه فى مرحلة ضعف لاى سبب يعاودنى الحنين
لكى احمله فوق راسى ليكون اعلى منى ، لم تعد مشاكلهم بالبساطه وسهوله الايام
الخوالى ، ولكنى دائما على استعداد بكل ما املك وبعمرى لازيح عنهم اى مكروه ،
ودائما ادعو الله ان يديم عليهم نعمة النجاح فى الحياة والصحه والستر ، وكم تمنيت
ان يبادر احدهم ويطلب منى "بقولك ايه يا حاج .. ما تيجى نلعب لعبة صيد السمك
.. بس مش عاوزين نعمل دوشة لحسن الحاجه الله يرحمها تزعل مننا ".