السبت، 16 فبراير 2019

الست فتحيه

الست فتحيه:
عصر احد ايام يونيو وصل مصطفى الى بيته بعد اداء آخر امتحانات الترم الثانى ، نادته امه ليسلم على جارتهم الجديده الساكنه من شهر مضى بالدور الارضى ، سبق ان سمع عنها ولكنها المره الاولى التى يراها وجها لوجه ، امراه تعدت الخمسين من عمرها ، سمينه ذات لحم وشحم ، وجهها الطفولى المستدير يميزه عيون ضيقه مع فم كبير وشفايف غليظه وعدم تناسق واضح فى معالمها وتضاريسها ، سلم عليها فى عجاله وتركهما ، لا يدرى السر فى الشعور نحوها بعطف وليس عاطفه ، انطبع فى مخيلته انها امراه مهزومه  مغلوبه على امرها ، ضعيفه رغم مظهرها وجسدها الذى يوحى بالقوه ، عرف كثير من النساء عاشوا حياتهن مهزومات ، تعددت اسباب هزيمتهن ولكنهن فى رايه مقهورات مهزومات ، كثيرا ما كان الفقر والعوز والحاجه هو سبب الهزيمه ، احيانا اخرى يكون السبب هو الجهل وضيق الافق ، بعض النساء كان سبب هزيمتهن طول اللسان والجدال فيما لا جدوى منه وسوء تصرفاتهن ، اما الست فتحيه فقد كانت عيونها المنكسره وصوتها الخفيض الغير مناسب لحجمها دليله فى الحكم عليها ، لعل هزيمتها نشات لعدم تمتعها باى مسحة من الجمال وحيوانية هيئتها الجسديه وابتسامتها البلهاء التى توحى بسذاجه وضيق افق وفقدان الامل ، خلال ايام تاكدت وجهة نظره فى هذه المراه المهزومه ، فقد علم من امه ان الست فتحيه هى الزوجه الاولى لابن عمها الاستاذ محمد ذلك الرجل الهزيل الجسد المهتم بمنظره وهندامه والذى يقضى معها يومان وباقى ايام الاسبوع يقضيها مع زوجته الثانيه ام اولاده.
كان عذاب مصطفى فى دنياه ان يرى امراه مهزومه ، اما ما يقتله إذا كان هذا المهزوم ضعيف لا حول له ولا قوه ، لمشاعره الفياضه وفراسته فى قراءة الوشوش والعيون تسببت الست فتحيه فى تفكيره فيها والحكم عليها بانها امراه مهزومه ، تاكدت مشاعره نحوها عندما علم من امه ان زوجها اصبح يحضر عندها لساعات معدوده كل اول شهر يترك لها المصروف ويمضى ، تاثر كثيرا وتعاطف معها وتمنى ان يكون من نصيب هذه المهزومه رجل يقدرها ويقدر عليها ، يحبها رغم بشاعة تقاطيعها ، يحول الانكسار الواضح فى نظراتها الى اشراق وتفتح ، يعلمها كيف تحب الحياة وكيف تعيشها ، يمسح عنها هذا الحزن ليحل محله سعاده وفرح ، هى تستحق من وجهة نظره هذا واكثر ، تستحق حياة جديده طازجه مع شخص يجيد العزف على هذا الجسد الضخم ، شخص يعيد لها رعشة الحب وارتباك لحظات اللقاء ، تمنى لها هذا فى خياله ولم ينسى انها متزوجه من ابن عمها ضعيف البدن والجوهر الغير قادر على اسعادها واكتفى باسعاد نفسه بالزواج من اخرى وتركها تتجرع الهزيمه بمفردها.
لم يصدق اذنيه عندما سمع من امه ان الاستاذ محمد قام بتطليق الست فتحيه ، ولم تصدق امه فرحته بهذا الخبر ، حتى انها عاتبته على سعادته بهذه المصيبه ، لاسابيع كثيره ظل يفكر كيف ينقذ هذه المراه البائسه المهزومه ، كيف يجعلها تنتصر فى ايامها الباقيه لها فى هذه الدنيا ، يعرف صعوبة من يرضى بزوجه عاقر ليس فيها اى مسحه من الجمال ، اوليس لقليلى الجمال حظ فى هذه الدنيا ، اليس فى الامثال ان لكل فوله كيال ، سال نفسه ومن اين ياتى هذا الكيال وهى لا تخرج الا عصر يوم الاربعاء لحضور درس بالمسجد المجاور للبيت مع امه ، كثيرا ما شجعها على الخروج لشراء مستلزماتها بنفسها ، ولكنها ترفض وتفضل ان تطلب من امه ان تكلف احد ابنائها بشراء ما تحتاج اليه ، كان يهدف من وراء خروجها ان يراها شعبان الفران فهو ضخم الجثه فحولته واضحه وشهوانيته ظاهره على ملامحه ، اليس رجل بهذه المواصفات قد تغريه مواصفات الست فتحيه التى فيها كل مبتغاه ، او ربما يعجب بها فاروق البقال فهو رجل ارمل ومؤكد ان لياليه تمر عليه بطيئة يجتر فيها زكريات ليالى حميميه مرت عليه من قبل ويشتهى تكرارها ، لكنها لا تخرج من بيتها الا نادرا ولا تستمع لنصيحته بالخروج لعلها تقابل من يتمناها كما هى ، وامانى الرجال متعدده ومتنوعه فى النساء.
عصر يوم وهو عائد الى بيته وجد سيارة نقل والعمال ينقلون عليها اثاث شقة الست فتحيه ، لم يكن قد مر عام واحد على سكن هذه المراه المهزومه ، صعد بسرعه ليسال امه عن السبب فى هذا العزال ، هل استاذ محمد ردها لعصمته ثانية ووفر لها سكن فى شقة جديده ايجارها اقل من هذه ، اخرسته امه بصوت حاسم "متجيبش سيرة الست دى على لسانك تانى ، لان لو ابوك سمعك مش هيحصلك كويس " تعجب من ردها وقبل ان يسالها عن السبب انطلقت قائله "اخوك الكبير اللى بنقول عليه العاقل اللى فيكم ، طلب من ابوك النهار ده الصبح انه عاوز يتجوز الست فتحيه اللى هيه فى ضعف عمره ، اتارى الوليه الناقصه رسمت على اخوك ووعدته انها هتوريه اللى عمره ما شافه ، وانت عارف اخوك ملوش فى لوع النسوان وكهنهم ، اتارى الوليه دخلت على اخوك بالحنجل والمنجل وعملت له البحر طحينه ، والله اعلم عملت له ايه كمان ، دى طلعت مايه من تحت تبن ، وانت عارف اخوك وسذاجته واللى بنقول عليه الكبير ، ده مطلعش بيفهم نصك ولا ربعك ولا طلع زيك خالص ، وابوك حلف عليها لو رجع مساء اليوم ولقاها لسه معزلتش هيرمى عفشها فى الشارع "  ، ابتسم فى بلاهه قائلا لنفسه "بالذمه ده انا كمان طلعت ساذج وبرياله ، بصراحه الراجل اللى يقول انا بافهم فى الحريم يبقى بيضحك على نفسه ، دول حريم يا با " .. وانطلق يضحك فى انتظار الايام السوداء التى ستعيشها الاسره بعد ما عزلت ست فتحيه المفتريه ويصبح اخوه الاكبر هو المهزوم الحقيقى الذى يستحق منه العطف ، ولكن لن يكلفه بشراء خبز من شعبان الفران.

الأربعاء، 13 فبراير 2019

غروب

غروب
   تعود الجلوس فى الفراندة ليتابع تحرك الشمس الحثيث نحو المغيب ، الفرق بين غروب الشمس وغروب العمر ان الشمس ستجدد شروقها اما غروب العمر فليس له شروق جديد ، كثيرا ما سال نفسه عن سر هذا اللون البرتقالى الذى تصبغ به السماء عند غروبها ، احيانا يتخيله دماء تنزفها لحزنها على وداع يومها واحيانا اخرى يراه انوار فرحه تختزنها لاشراقه يوم جديد ، هو على يقين ان لكل شيئ وقت للغروب ، هل سيكون غروبه النهائى حزين لفراق الاحباب ام مفرح لامله فى الجنه ونعيمها ، ام لكليهما ، لا يدرى لماذا اصبح اسير هذه الجلسه التى تتزاحم فيها خيالات وزكريات واحداث كثيرها جميل لا يدخل فى تفاصيله وقليلها حزين ولكن تفاصيله مؤثره ، غالبا لا يتحكم فى اتجاهات افكاره بل يترك عقله حرا يهيم فيما يريد ان يسترجعه.
     جلسة اليوم لها مذاق خاص ، فقد قرر ان تشاركه حبيبة قلبه التى فضل ان يجلسها على ركبته ، واختار جلوسها على ركبته اليسرى حتى يكون قلباهما اقرب ما يكونا لبعضهما ، عندما مالت براسها على كتفه واحاطط عنقه بيدها اليمنى وتركت يدها اليسرى تستريح على صدره وانفاسها الدافئه تخدر رقبته ، اغمض عينيه واخذ نفسا عميقا ليزداد احساسه بانه ملك الدنيا وما فيها ، تمنى لو توقف الزمن عند هذه اللحظه الرائعه ولكنه لم ينسى متابعة حركة الشمس فى رحلتها للغروب.
    لا يدرى لماذا فاضت احاسيسه بشعور حزين ، شعور بان هذه الايام ليست ايامه ولا هذا الزمن زمنه هل اصبح صفحه فى آخر الكتاب ، هل فى السطر الاول فى هذه الصفحه ام اقترب من السطر الاخير ، كل ما يعرفه ان عدد الكلمات الباقيه فى هذه القصه قليل قليل ، هل كانت قصه شيقه محبوكة التفاصيل ام كانت قصه عبثيه ليس لها معنى ، من المؤكد انها قصه ممله خاصة قرب نهايتها ، السطور اصبحت مكرره والافعال والتصرفات مكرره ، اصبح هذا الزمن غير مناسب له ولا ينتمى له ، يوميا تاتيه اخبار القبض على مسئولين كبار للرشوه او الاختلاس ، لاعب كره غير موهوب يحصل على ملايين الجنيهات ، اعلاميين يصيبوه بالغثيان من تفاهتهم وتضليلهم وسطحية معلوماتهم وافكارهم حتى اختياراتهم للضيوف كلها عبث ، سليط اللسان يخشاه الجميع ولا يجد من يحاسبه ، نواب الشعب لا يمثلون سوى مصلحتهم ، يغتالون كل من يخالف رايهم الموالى للسلطه ، مستثمرين محتكرين يملأ الجشع نفوسهم ، راقصات ومطربين وممثلين موهبتهم الوحيده هى التفاهه والعرى ، زمن عجيب غريب ابن يقتل ابوه وام تبيع اطفالها ، بلطجيه ونصابين ومخدرات علنا فى الاحياء الشعبيه والراقيه على حد سواء.
    تنبه انه يجب ان يكون سعيد بهذه الجلسه فى حضرة حبيبة قلبه ، نظر لها بطرف عينه حتى لا يحرك راسها من فوق كتفه فوجد ابتسامه صافيه رقيقه تملأ وجهها الصبوح ، ضمها الى صدره اكثر حتى انه شعر بدقات قلب لا يعرف ان كانت دقات قلبه ام قلبها ، نظر فى الافق متخيلا نفسه سلطان من سلاطين الاساطير القديمه ، بصوت كله هدوء وثقه معتبرا ما سيقوله اخيرا هو الحكمه التى لن يجود الزمان بمثلها ، "تصدقينى لو قلت لك انى شبعت من كل حاجه فى الدنيا ، شبعت سعاده وحزن وتجارب ومغامرات وافكار وصداقات ومناصب ولا انتظر المزيد" ، ملس بيده على راسها واكمل حديثه بصوت مسموع "تصدقى بالله يا ست الكونتيسه .. انتى اجمل حاجه فى دنيتى ، انتى حبى الكبير الجديد  اللى جعل لايامى الحاليه معنى وهدف اتحمل فى سبيله ما لا يعجبنى فى هذا الزمن التعيس" ، لم ترد عليه وظلت هادئه ساكنه وهى تحتضنه ، عندما نظر اليها وجدها قد راحت فى سبات عميق وكانها حوريه من حوريات الجنه ، خشى ان تصدر منه حركه او صوت يزعجها او يوقظها ، نادى على ابنته "تعالى خدى بنتك ، الكونتيسه نامت وانا باحكى لها قصة البنى آدم اللى مش عاجباه حاجه فى زمانكم" ،   حضرت ابنته مسرعه وابتسامه كبيره تملأ وجهها وهى تقول "انت يا بابا الوحيد اللى العسوله الصغيره دى بتنام على صدره ، دى ما بتعملش كده معايا " ، حملت بنتها ذات الثمانية اشهر من عمرها وغادرت ، تركته وحيدا يستكمل متابعته لغروب الشمس ، هل حقيقى كان يتابع غروب الشمس ام كان يجتر زكريات حياته التى اوشكت هى الاخرى على الغروب.