الأربعاء، 13 فبراير 2019

غروب

غروب
   تعود الجلوس فى الفراندة ليتابع تحرك الشمس الحثيث نحو المغيب ، الفرق بين غروب الشمس وغروب العمر ان الشمس ستجدد شروقها اما غروب العمر فليس له شروق جديد ، كثيرا ما سال نفسه عن سر هذا اللون البرتقالى الذى تصبغ به السماء عند غروبها ، احيانا يتخيله دماء تنزفها لحزنها على وداع يومها واحيانا اخرى يراه انوار فرحه تختزنها لاشراقه يوم جديد ، هو على يقين ان لكل شيئ وقت للغروب ، هل سيكون غروبه النهائى حزين لفراق الاحباب ام مفرح لامله فى الجنه ونعيمها ، ام لكليهما ، لا يدرى لماذا اصبح اسير هذه الجلسه التى تتزاحم فيها خيالات وزكريات واحداث كثيرها جميل لا يدخل فى تفاصيله وقليلها حزين ولكن تفاصيله مؤثره ، غالبا لا يتحكم فى اتجاهات افكاره بل يترك عقله حرا يهيم فيما يريد ان يسترجعه.
     جلسة اليوم لها مذاق خاص ، فقد قرر ان تشاركه حبيبة قلبه التى فضل ان يجلسها على ركبته ، واختار جلوسها على ركبته اليسرى حتى يكون قلباهما اقرب ما يكونا لبعضهما ، عندما مالت براسها على كتفه واحاطط عنقه بيدها اليمنى وتركت يدها اليسرى تستريح على صدره وانفاسها الدافئه تخدر رقبته ، اغمض عينيه واخذ نفسا عميقا ليزداد احساسه بانه ملك الدنيا وما فيها ، تمنى لو توقف الزمن عند هذه اللحظه الرائعه ولكنه لم ينسى متابعة حركة الشمس فى رحلتها للغروب.
    لا يدرى لماذا فاضت احاسيسه بشعور حزين ، شعور بان هذه الايام ليست ايامه ولا هذا الزمن زمنه هل اصبح صفحه فى آخر الكتاب ، هل فى السطر الاول فى هذه الصفحه ام اقترب من السطر الاخير ، كل ما يعرفه ان عدد الكلمات الباقيه فى هذه القصه قليل قليل ، هل كانت قصه شيقه محبوكة التفاصيل ام كانت قصه عبثيه ليس لها معنى ، من المؤكد انها قصه ممله خاصة قرب نهايتها ، السطور اصبحت مكرره والافعال والتصرفات مكرره ، اصبح هذا الزمن غير مناسب له ولا ينتمى له ، يوميا تاتيه اخبار القبض على مسئولين كبار للرشوه او الاختلاس ، لاعب كره غير موهوب يحصل على ملايين الجنيهات ، اعلاميين يصيبوه بالغثيان من تفاهتهم وتضليلهم وسطحية معلوماتهم وافكارهم حتى اختياراتهم للضيوف كلها عبث ، سليط اللسان يخشاه الجميع ولا يجد من يحاسبه ، نواب الشعب لا يمثلون سوى مصلحتهم ، يغتالون كل من يخالف رايهم الموالى للسلطه ، مستثمرين محتكرين يملأ الجشع نفوسهم ، راقصات ومطربين وممثلين موهبتهم الوحيده هى التفاهه والعرى ، زمن عجيب غريب ابن يقتل ابوه وام تبيع اطفالها ، بلطجيه ونصابين ومخدرات علنا فى الاحياء الشعبيه والراقيه على حد سواء.
    تنبه انه يجب ان يكون سعيد بهذه الجلسه فى حضرة حبيبة قلبه ، نظر لها بطرف عينه حتى لا يحرك راسها من فوق كتفه فوجد ابتسامه صافيه رقيقه تملأ وجهها الصبوح ، ضمها الى صدره اكثر حتى انه شعر بدقات قلب لا يعرف ان كانت دقات قلبه ام قلبها ، نظر فى الافق متخيلا نفسه سلطان من سلاطين الاساطير القديمه ، بصوت كله هدوء وثقه معتبرا ما سيقوله اخيرا هو الحكمه التى لن يجود الزمان بمثلها ، "تصدقينى لو قلت لك انى شبعت من كل حاجه فى الدنيا ، شبعت سعاده وحزن وتجارب ومغامرات وافكار وصداقات ومناصب ولا انتظر المزيد" ، ملس بيده على راسها واكمل حديثه بصوت مسموع "تصدقى بالله يا ست الكونتيسه .. انتى اجمل حاجه فى دنيتى ، انتى حبى الكبير الجديد  اللى جعل لايامى الحاليه معنى وهدف اتحمل فى سبيله ما لا يعجبنى فى هذا الزمن التعيس" ، لم ترد عليه وظلت هادئه ساكنه وهى تحتضنه ، عندما نظر اليها وجدها قد راحت فى سبات عميق وكانها حوريه من حوريات الجنه ، خشى ان تصدر منه حركه او صوت يزعجها او يوقظها ، نادى على ابنته "تعالى خدى بنتك ، الكونتيسه نامت وانا باحكى لها قصة البنى آدم اللى مش عاجباه حاجه فى زمانكم" ،   حضرت ابنته مسرعه وابتسامه كبيره تملأ وجهها وهى تقول "انت يا بابا الوحيد اللى العسوله الصغيره دى بتنام على صدره ، دى ما بتعملش كده معايا " ، حملت بنتها ذات الثمانية اشهر من عمرها وغادرت ، تركته وحيدا يستكمل متابعته لغروب الشمس ، هل حقيقى كان يتابع غروب الشمس ام كان يجتر زكريات حياته التى اوشكت هى الاخرى على الغروب.