غروب
تعود الجلوس فى الفراندة ليتابع تحرك الشمس الحثيث نحو
المغيب ، الفرق بين غروب الشمس وغروب العمر ان الشمس ستجدد شروقها اما غروب العمر
فليس له شروق جديد ، كثيرا ما سال نفسه عن سر هذا اللون البرتقالى الذى تصبغ به
السماء عند غروبها ، احيانا يتخيله دماء تنزفها لحزنها على وداع يومها واحيانا
اخرى يراه انوار فرحه تختزنها لاشراقه يوم جديد ، هو على يقين ان لكل شيئ وقت
للغروب ، هل سيكون غروبه النهائى حزين لفراق الاحباب ام مفرح لامله فى الجنه
ونعيمها ، ام لكليهما ، لا يدرى لماذا اصبح اسير هذه الجلسه التى تتزاحم فيها خيالات
وزكريات واحداث كثيرها جميل لا يدخل فى تفاصيله وقليلها حزين ولكن تفاصيله مؤثره ،
غالبا لا يتحكم فى اتجاهات افكاره بل يترك عقله حرا يهيم فيما يريد ان يسترجعه.
جلسة
اليوم لها مذاق خاص ، فقد قرر ان تشاركه حبيبة قلبه التى فضل ان يجلسها على ركبته
، واختار جلوسها على ركبته اليسرى حتى يكون قلباهما اقرب ما يكونا لبعضهما ، عندما
مالت براسها على كتفه واحاطط عنقه بيدها اليمنى وتركت يدها اليسرى تستريح على صدره
وانفاسها الدافئه تخدر رقبته ، اغمض عينيه واخذ نفسا عميقا ليزداد احساسه بانه ملك
الدنيا وما فيها ، تمنى لو توقف الزمن عند هذه اللحظه الرائعه ولكنه لم ينسى متابعة
حركة الشمس فى رحلتها للغروب.
لا يدرى
لماذا فاضت احاسيسه بشعور حزين ، شعور بان هذه الايام ليست ايامه ولا هذا الزمن
زمنه هل اصبح صفحه فى آخر الكتاب ، هل فى السطر الاول فى هذه الصفحه ام اقترب من
السطر الاخير ، كل ما يعرفه ان عدد الكلمات الباقيه فى هذه القصه قليل قليل ، هل
كانت قصه شيقه محبوكة التفاصيل ام كانت قصه عبثيه ليس لها معنى ، من المؤكد انها
قصه ممله خاصة قرب نهايتها ، السطور اصبحت مكرره والافعال والتصرفات مكرره ، اصبح هذا الزمن غير مناسب له ولا ينتمى له ، يوميا تاتيه
اخبار القبض على مسئولين كبار للرشوه او الاختلاس ، لاعب كره غير موهوب يحصل على
ملايين الجنيهات ، اعلاميين يصيبوه بالغثيان من تفاهتهم وتضليلهم وسطحية معلوماتهم
وافكارهم حتى اختياراتهم للضيوف كلها عبث ، سليط اللسان يخشاه الجميع ولا يجد من
يحاسبه ، نواب الشعب لا يمثلون سوى مصلحتهم ، يغتالون كل من يخالف رايهم الموالى
للسلطه ، مستثمرين محتكرين يملأ الجشع نفوسهم ، راقصات ومطربين وممثلين موهبتهم
الوحيده هى التفاهه والعرى ، زمن عجيب غريب ابن يقتل ابوه وام تبيع اطفالها ،
بلطجيه ونصابين ومخدرات علنا فى الاحياء الشعبيه والراقيه على حد سواء.
تنبه انه يجب
ان يكون سعيد بهذه الجلسه فى حضرة حبيبة قلبه ، نظر لها بطرف عينه حتى لا يحرك
راسها من فوق كتفه فوجد ابتسامه صافيه رقيقه تملأ وجهها الصبوح ، ضمها الى صدره
اكثر حتى انه شعر بدقات قلب لا يعرف ان كانت دقات قلبه ام قلبها ، نظر فى الافق
متخيلا نفسه سلطان من سلاطين الاساطير القديمه ، بصوت كله هدوء وثقه معتبرا ما
سيقوله اخيرا هو الحكمه التى لن يجود الزمان بمثلها ، "تصدقينى لو قلت لك انى
شبعت من كل حاجه فى الدنيا ، شبعت سعاده وحزن وتجارب ومغامرات وافكار وصداقات ومناصب
ولا انتظر المزيد" ، ملس بيده على راسها واكمل حديثه بصوت مسموع "تصدقى
بالله يا ست الكونتيسه .. انتى اجمل حاجه فى دنيتى ، انتى حبى الكبير الجديد اللى جعل لايامى الحاليه معنى وهدف اتحمل فى
سبيله ما لا يعجبنى فى هذا الزمن التعيس" ، لم ترد عليه وظلت هادئه ساكنه وهى
تحتضنه ، عندما نظر اليها وجدها قد راحت فى سبات عميق وكانها حوريه من حوريات
الجنه ، خشى ان تصدر منه حركه او صوت يزعجها او يوقظها ، نادى على ابنته "تعالى
خدى بنتك ، الكونتيسه نامت وانا باحكى لها قصة البنى آدم اللى مش عاجباه حاجه فى
زمانكم" ، حضرت ابنته مسرعه
وابتسامه كبيره تملأ وجهها وهى تقول "انت يا بابا الوحيد اللى العسوله
الصغيره دى بتنام على صدره ، دى ما بتعملش كده معايا " ، حملت بنتها ذات
الثمانية اشهر من عمرها وغادرت ، تركته وحيدا يستكمل متابعته لغروب الشمس ، هل حقيقى
كان يتابع غروب الشمس ام كان يجتر زكريات حياته التى اوشكت هى الاخرى على الغروب.