الجمعة، 11 يناير 2019

الطريد

الطريد
باقى على امتحانات الترم اقل من شهر ، فقرروا ثلاثتهم بدء الاجتماع اليومى من بعد صلاة المغرب الى صباح اليوم التالى فى بيت احدهم بالتناوب ليراجعوا ما درسوه حتى الصباح ، ولان هذا اليوم هو يوم التواجد عند خميس الخبيث فقد قرر حسنى ونبيل ان يكون الاجتماع بعد صلاة العشاء ، فهم يعرفون ان عائلة خميس بخيله لا يقدمون غير الشاى ولمره واحده فقط  طوال الليل ، تاكدوا من بخلهم فى نهاية العام الماضى ، فبعد ظهور النتيجه بالنجاح قررت عائلة خميس عزيمة اصدقائه على الغداء ، من الواحده ظهرا كان حسنى ونبيل فى بيت خميس على امل ان يكون نجاح ابنهم قد ازال منهم طابع البخل ،  فى الثالثه عصرا تم دعوتهم للطاوله المنصوبه وسط الصاله ، ليجدوا ثلاثة اطباق فارغه فجلس كل منهم امام احداها ، دخلت ام خميس بعد دقائق ترحب بهم  وتهنئهم بالنجاح وفرحه كبيره تملأ وجهها فاستبشروا خيرا ، عادت بعد دقائق وفى يدها صينيه عليها ثلاث سلطانيات صغيره مملوءه بالشوربه  ولم تنسى ان ترحب بهم مرة اخرى ،  فى المره الثالثه كان فى يدها صينيه مملوءة بالارز ، بيد مرتعشه افرغت فى طبق كل منهم بعض من الارز ، استفسر حسنى : اومال فين البروتين ؟ ،  قبل ان يسمع الرد دخل ابو خميس فخورا بما يحمله بين يديه ، وضع الطبق المغطى وسط الطاوله قائلا بصوت آمر بالهنا والشفا ، لم يصبر نبيل فقام برفع الغطاء ليصدر منه شهقه كالتى تشهقها النساء اثناء طش الملوخيه ، اما حسنى فقد اصيب بنوبة ضحك عندما راى كائن ضعيف فى حجم عصفور صغير يتوسط الطبق الكبير ، كتما ضحكهما خشية ان يصل صوتهما لمسامع ابوخميس العصبى المزاج فتكون مصيبه ، بصوت خفيض سال نبيل : هوه ابوك يا خميس عنده بندقيه رش ؟ استغرب السؤال مستفسرا ، قال له اكيد ابوك كان طول اليوم فوق السطوح عشان يصطاد هذه العصفوره  المسكينه ، رد عليه حسنى دى مش عصفوره دى فرخه محترمه بس كانت لسه راجعه من الجيم لان بقالها شهرين بتعمل دايت ، توقفا عندما نهرهما خميس يللا اطفحوا ولا انادى على ابويا ييجى يطفحكم ، انهمك حسنى فى توزيع هذا المسكين الضعيف بالعدل فيما بينهم ولكن باسلوب فيروز وهى توزع قطعة الجبن مع انور وجدى.
اليوم اغلقوا زجاج البلكون حيث البرد شديد والريح عاصف ، كلما قرءوا احد فصول الكتاب جلسوا يدخنون ويتناقشوا فيما فهموه ، حلموا بكوب شاى آخر ولكن بخل اهل البيت جعلت احلامهم احلام وتخيلات دونكشوتيه ، على الثانيه صباحا كانت الحجره معباه بدخان سجائرهم ، فقام حسنى بفتح باب البلكون لدقيقه يجدد الهواء ، كان آخر نفس فى السيجاره التى يدخنها فقذف بها من البلكون واقفل الباب وعاد لمكانه ، مرت عدة دقائق  شموا بعدها رائحة حريق ، بحثوا عنه داخل حجرتهم ولا اثر ، خرج خميس من الحجره يبحث عن حريق بالشقه وعاد ليقول الشياط جاى من هنا ، اعادوا البحث ولا اثر لاى حريق داخل الحجره ، فتح خميس باب البلكون فاصدر صرخه مكتومه ، قفز حسنى ونبيل ليروا ما الذى افزع خميس بهذه الطريقه ، كانت النار قد شبت فى الغسيل المنشور محدثه فجوه محترقه وحوافها ما زالت مشتعله كانها بدر فى ليله مظلمه ، عندما رمى حسنى عقب سيجارته وقعت على الغسيل الذى التف على نفسه بفعل الرياح التى جففته تماما فجعلته سريع الاشتعال ، قاموا بلم الغسيل بعد ان اطفاوا النار وجلسوا يسجلوا ويجردوا الخسائر ، ملائة سرير بيضاء محروقه من وسطها وقميص ازرق خاص بابيه العصبى محترق من اعلى الكم الايمن وكيس مخده الوان تاثر من الحراره فقط ، اختلفت الاراء فى الخروج من هذه المشكله ، اقترح حسنى ان يعاد نشر الغسيل وندعى ان جارنا بالطابق الاعلى منا هو من القى عقب السيجاره ، رد خميس جيراننا اللى فوقنا ست كبيره ومش بتدخن ومفيش حد فوقها ، رد نبيل طيب احنا اولا نقطع حبل من حبال الغسيل ونرمى شوية هدوم على الشجره اللى تحت البيت وباقى الهدوم ننشر السليم ونلم المحروق نآخده وانا نازل ارميه فى اى صندوق زباله بعيد عن البيت ، رد خميس انا عارف ان ليله ابويا سوده ويمكن اتكرش من البيت بسببكم ، لم يدم النقاش طويلا فقد ادعى حسنى ان حالة اسهال شديد اصابته وبطنه مكركبه ولازم ينزل فورا اما نبيل فاقترح ان ينزل معه لانه لن يمكنه التركيز بعدما حدث.
انتظر حسنى ونبيل صديقهم خميس بالكليه الذى حضر متاخرا ، سالوه عما حدث ، طمانهم بان لا شيئ ذو بال ، كل ما فى الامر انى حكيت لامى ما حدث ، فنقلت ما حكيته لها الى ابى ، الذى ابتسم وطلب منى الم هدومى واشوف لى اى مصيبه تلمنى ، وكان تحذيره الاخير لى وانا عند باب الشقه ، لو شفت وش واحد من صحابك هضربه بالجزمه اما بقى لو شفت وشك انت انا هطلق امك يا ابن ستين تيت تيت تيت ، واكمل خميس حديثه مع صديقاه ، عموما النهارده المذاكره عندك يا نبيل مش كده ، وبكره عندك يا حسنى ، اما بقى بعد بكره عند عمتى اللى ابخل من ابويا ، يعنى كل واحد يجينى وهوه متعشى وشارب شايه يا ولاد التيت تيت.


ابو الشهيد

 ابو الشهيد
=========== 
ضعيف الجسم بدون مرض ، متقد الذهن من غير تعليم ، ترك صبحى المدرسه وهو فى العاشره لمساعده ابوه فى صف سيارات الطلبه وتنظيفها امام سور الكلية ، خلال سنوات اصبح بعدها خبير فى صف السيارات والاهتمام بها ، ابتسامته واسلوبه المهذب جلب له وفرة فى المال وحب جميع زبائنه من الطلبة والطالبات.
عند حدوث متغيرات .. هناك اطراف فائزه واخرى خاسرة ، قامت ثورة 25 يناير فتوقفت الدراسة بالجامعه واصبح صبحى عاطلا ، لعن الثوره والثوار ، ساقته الاقدار الى محطة الرمل امام مسجد القائد ابراهيم فوجد عشرات الآلاف من الثوار ترفرف فى ايدى كثيرين منهم اعلام مصر ، لمعت فى ذهنه فكره ، لماذا لا يشترى بجذء من مدخراته مجموعة من اعلام مصر ليبيعها ، اشترى وباع مرات ومرات ، كسب اكثر مما كان يحصل عليه  من تنظيف سيارات الطلبه ، بدأ يحب الثوره التى كرهها فى البداية ، الجموع الهادرة تردد  .. ارحل .. عيش حريه عداله اجتماعية ، لم يهتم ابدا بما يرددوه ، جل همه هو بيع اعلام مصر ، يشترى ويبيع ويكسب ، المكسب كثير وفى زياده مستمره ، فدعى ربه ان تستمر تلك الحاله الثوريه الى الابد.
لم يمر اسبوع واحد ، إلا وتعاقد مع مطبعة تطبع لحسابه الخاص ، لم يكتف بالاعلام ، طبع ايضا صور الزعيم جمال عبدالناصر ، وتفنن فى تصميم نموذج للوحة سياره مكتوب عليها  (25 يناير) ، وبدأ فى صنع بوسترات كبيره عليها شعار الثوره ، راج نشاطه فاستعان بآخرين للتوزيع وعين ابوه مشرفا عليهم ، اما هو فقد تفرغ للحساب والطباعه وتوزيع المهام واماكن انتشار الموزعين ، انشأ صداقات مع قيادات الثوار ليطبع لهم المنشورات واللوحات الاعلانيه والبوسترات والصور باسعار مميزه.
من ارباحه الكثيره اشترى قهوه بلدى فى الحى الشعبى الذى يسكنه ، ولم ينسى فتح حساب بالبنك وشراء شقه فخمه تحت التشطيب فى ارقى احياء الاسكندرية ، اما سيارته الخاصة فقد اشتراها آخر موديل ، ولم ينسى ابوه فاهداه سياره اخرى ، شعر باهمية الاهتمام بمظهره وملبسه ليتناسب مع وضعه الجديد وعلاقاته التى توطدت مع شباب الثوار ، اغرته الاعداد الكبيره من ثوار القاهره بفتح سوق جديده فى ميدان التحرير ، ترك إدارة اعمال الاسكندرية لابيه ، وسافر مع مجموعه منتقاه من صبيانه الى القاهره على ان يعود كل ثلاثة ايام لمراجعة ارباح الاسكندريه وتحميل بضاعه جديده الى القاهره.
صباح اليوم الثانى من شهر مايو 2012 ، وصلته انباء باجتماع كبير للثوار بميدان العباسيه ، اصطحب  بسيارته اثنين من اكفأ الموزعين لدية لتوزيع بضاعتهم هناك ، اثناء وقوفه يراقب الجموع ويحلم بمكسب كبير فى هذا اليوم ، مر من امامه حشد من الثوار اصطحبوه معهم ، فشلت محاولاته للتخلص منهم واستمروا فى التقدم ليلتحموا بالحشد الكبير الذى كان يتابعه ، سمعهم ينددون بحكم العسكر ، لم يكن يعنيه كثيرا هتافاتهم ولا يهمه معرفة السبب الذى من اجله ينددون ولم يشغل باله يوما بمن يحكم وكيف يحكم ، كل همه هو عدم انتهاء هذه الحالة الثورية التى فيها رزقه ومكسبه ، وهو منساق وسط الثوار تبادر الى ذهنه عدة اسئله  لم يعرف لها إجابة ، هل كل الموجودين بالمظاهره ثوار حقيقيين ، لماذا يحمل ذوى الذقون المحناه الشوم والحجاره وادوات اخرى ، ما الذى يحركهم وماهى اهدافهم ، فى البدايه كان هدف الثوار إسقاط مبارك ، فسقط ، اليوم النداء مختلف ، هل يؤمنون بما ينادوا به ام لهم مآرب واهداف اخرى لا يفهمها ، يكفيه انه حدد تماما هدفه ويسعى دائما لتحقيقه ، تنبه وهو يقول لنفسه ياعم خليك فى حالك ودور على اكل عيشك ، مالك انت ومال غيرك ، كرر محاولة الخروج من هذا الجمع فلم يتمكن وفى لحظه فارقه وجد واحد من الملتحين يحمله فوق كتفيه والجميع يحثونه على الهتاف ، وقبل ان يكمل اول جمله فى هتافه سمع ازيز طلقه بندقيه ، ولسوء حظه اصابت الطلقه راسه فاردته قتيلا.
خلال اسابيع قليله ، حصل ابوالشهيد على كامل حقوق ابنه صبحى ، اقام له سرادق عزاء يليق بمقامه ، وفى ذكرى الاربعين كان ابوه يحتفل بزواجه من فتاه فى عمر ابنه وخصص لها عش الزوجيه فى الشقه الجديده ، اما هدية زواجها فكانت سيارة الشهيد.


الدور الثالث

     الدور الثالث / بطيخ عم رمزى
فى موسم البطيخ يهل عم رمزى بعربته المتهالكه المحمله بالبطيخ ويجرها حمار غبى لا يتوقف عن النهيق ، ومن خلال ميكرفون مزعج يشدو "حمار وحلاوه يا بطيخ " يرددها بنغمه وكانه فى مسابقه لاختيار مطرب اذاعى فيصل نداءه الى كل سكان الحى ، فى منطقتنا لا صوت يعلو على صوت عم رمزى.
عندما سمع حسنى جارته فاتن تنادى على عم رمزى جرى نحو نافذة حجرته بالدور الرابع بالعماره المقابله لبلكونتها بالدور الثالث ، هو طالب فى الصف الثانى الثانوى ، اما هى فقد اقتربت من الثلاثين وزوجها عم الضوى فى ضعف عمرها ويزيد ولم يرزقا باولاد رغم انوثتها الطاغيه التى لم يقلل منها قصر قامتها  ، تعود حسنى ان يرى جارته فاتن تخرج لبلكونتها  بقميص نوم واسع ذو حمالات من خيط رفيع ، بحس الانثى المدربه تعرف ان الشاب حسنى يراقبها وتعرف ما يدور فى عقله دون ان ترفع نظرها ناحيته ، بحنكه بالغه تجعل واحده من الحمالات تنسدل من على كتفها ، اليوم نادت بغنج على عم رمزى ، عندك بطيخ كبير ، نقيلى واحده وحطها فى السبت ، انزلته بعد ان وضعت فيه عشرون جنيها وامسكت بطرف الحبل المربوط به وهى واقفه على كرسى حمام حتى تتابع عم رمزى وهو ينتقى لها واحده ، ترجرج صدرها وهى ترفع السبت وبه البطيخه ، متاكده ان عيون جارها ستنخلع عليها ، ارادت اثارته اكثر ، شبت على اطراف اصابعها ، ارتكزت بنصفها العلوى على سور البلكون فظهر من تضاريسها اكبر مساحه تثير هذا الحسنى ، لسوء حظها كانت البطيخه اثقل مما توقعت فاختل توازنها من فوق كرسى الحمام لتهوى من الدور الثالث على عربة البطيخ ، ارتعب حسنى واختفى بعيدا عن النافذه وهو مشغول بنظرية نيوتن فى الجاذبيه فقد راى تطبيق عملى لصحتها ، اما سكان الحى فكانت دهشتهم من الصرخة التى اطلقتها فاتن وهى تهوى للارض ، فقد لاحظوا ان صوت صرختها اعلى من صوت عم رمزى وهو ينادى حمار وحلاوه.
 
    الدور الثالث / مقهى عم رمزى
مقهى عم رمزى هو مكان تجمع شلة اصدقاء الحى ، يتوافدون مساءا وحتى منتصف الليل ، جميعهم انهوا تعليمهم الجامعى ولم يوفقوا فى الحصول على عمل كباقى شباب هذا الجيل فاصبحت القهوه هى ملاذهم الوحيد ، يتسامرون ، يحكون مشاكلهم الاسريه والعاطفيه ، لا يوجد ما يخفونه عن بعض ، الجميع يعرف قصة الحب التى تربط بين صديقهم ممدوح وجارته فاتن ، كانا يتقابلان يتبادلان بث عبارات الحب والغرام واحيانا قبلات خاطفه ، تجرأ بجسده الهزيل وامكانياته الماديه المعدومه ان يتقدم لخطبتها ، فرفضوا طلبه ولم يراعوا مشاعر ابنتهم نحو ممدوح  ، عندما تقدم لها استاذ طناحى المدير المرموق فى شركه كبيره ، والذى يملك شقه بالدور الثالث فى العماره امام قهوة عم رمزى ، لم توافق لانها لا تعرفه ولا تشعر نحوه باى عاطفه ، فهو رغم وسامته وجسمه الرياضى وعضلاته المنفوخه ، كل هذا لم يحرك مشاعرها نحوه وما زالت مشاعرها مرتبطه بممدوح.
لم تمر شهور حتى تغيرت معاملة هذا الطناحى لها ، اصبح يقسو عليها ولا يحترمها لتكتشف انه على علاقه بزميله له فى العمل ، بسبب هذه العلاقه بدأ يغيب عن البيت ويتحجج بالعمل بالشركه ، اشتكت لاهلها فلم يعيروها اى اهتمام وعليها ان تتحمل زوجها ، احيانا تفكر فى حالها لو كانت قد تزوجت من حبيبها ممدوح ، الرقيق الشاعرى الذى ادمن الجلوس على القهوه ليلمحها لحظات وجودها فى البلكون ، عندما تقابلا مصادفة ، لم يتمالك ممدوح نفسه وبكى لانه لم ينسى حبه لها ، اخذته فى احضانها ووعدته بانها ستجد طريقه يتقابلا فيها ، تغتق ذهنها على خطه بان تقوم بنشر فوطه بيضاء على حبال البلكون فى حالة غياب زوجها عن البيت.
اليوم عند العاشره مساءا رفع عينية لاعلى ، وصلته كلمة السر ، استاذن لشعوره بصداع ، تسحب وصعد الى فاتن ، لم تمضى نصف ساعه حتى سمع كل من فى الحى صراخ وشتائم صادرة من الدور الثالث من العماره المقابله للقهوه ، فى لحظه فتحت البلكونه بعنف ، شاب يقفز من الدور الثالث ، ارتطم بشده باسفلت الشارع ،  تجمع الناس حول الجثه الممدده على الارض ، سمعوا من يقول ده حرامى غبى ، ميعرفش ان ده بيت الطناحى ابو عضلات ، اقترب الاصدقاء من الجثه ، بهتوا عندما عرفوا انه صديقهم ممدوح ، بسخريه قال احدهم ده سابنا قال لنا ان عنده صداع شديد ، بس المرحوم مقلناش هوه صداع فين بالضبط .


الأحد، 6 يناير 2019

احلام صغير

احلام صغير

عندما فتح لها باب الشقه مساء هذا اليوم ، لم يتمالك نفسه وهم باحتضانها ، لم تنحنى لتقبله ، بل رفعته بين يديها لتضمه الى صدرها الضخم بحنان بالغ تمطره بالقبلات وهو متشعلق فى رقبتها ، كان الصغير هو محسن ابن اخيها الذى تكن له حب خاص دون اخواته الخمسه.
هذه هى اول اجازه صيفيه له بعد ان امضى بنجاح سنته الاولى بالتعليم الحكومى ، جسدة النحيل وعيونه التى تشع بالذكاء وروحه المتوثبه للتحدى كانت هى مقومات تميزه بين افراد الاسره ، بفضل امه الطيبه حفظ الكثير من قصار سور القرآن الكريم فكان محل فخرها امام ضيوفها ، اما عمته التى تسكن فى المنزل المقابل لهم ، فقد كانت ذات روح مرحه تسعد كل من حولها ، ربما هى طبيعة فى النساء السمينات ، فقد كان عرضها اقل قليلا من طولها ، عيونها ضيقه تكحلهما بطريقه تظهرهما اكثر اتساعا ، اما صدرها الضخم فكان يشع الدفء فى كل من تحتضنه ، حكاويها الشيقه واسلوبها الجميل يشع البهجه والسعاده على من حولها خاصة على عقل وروح محسن ابن اخيها.
طلبت منه امه ان يقرأ امام عمته سورة الضحى الى ان تنهض لتجهيز العشاء وقبل ان تتركهم اوصته ان يجيد التلاوه كعادته ، استحسنت عمته تلاوته وسالته هوه انت يا محسن بتحب البرتقال والقرص اللى بالسمنه البلدى ، اجابها بحماس طبعا ، فاكملت وهو مشدود لحديثها ، ايه رايك ما دام انت بقيت راجل وكبرت انا عاوزاك تيجى معايا المقابر تقرأ قرآن والناس بقى تدينا قرص وبرتقال وفلوس كتير واللى هنلمه نقسمه بالنص ، وانا هجيب معانا كياس مخدات واحد نحط فيه القرص والتانى نحط فيه البرتقال والتالت نحط فيه الفلوس ، كان يسمعها وكانه منوم مغناطيسيا ، اكملت مكيدتها بان قالت له وبصوت منخفض وكأن هناك من يسترق السمع لخطتها ، انت بكره الفجر تجينى البيت وانا عندى قفطان قديم مقطع تلبسه ونروح المقابر ، وشوف انت بقى هنجيب ايه والا ايه.
عندما نادته امه لتناول العشاء اجابها باقتضاب من فوق سريره بانه شبعان ، حاول ان يكون وحيدا ليسترجع احلام المكاسب التى سيجنيها مع عمته ، استرجع كل ما سبق له حفظه من القرآن الكريم وتمنى لو ان يغمض عينيه ويفتحهما فيجد الفجر حاضرا ، وهو سارح بافكاره بعيدا طرات عليه فكره جميله ، لماذا لا يرتدى عصابه من القماش على عينيه وكانه ضرير فيزداد تعاطف الناس عليهما وتزداد الغله والمكاسب ، وسيحرص على يؤكد على عمته ان تكون القسمه بينهما امام امه لتزداد فخرا بابنها حافظ القرآن وبالثروه الضخمه التلى سيجنيها.
قبل صلاة الفجر نهض وهو فى قمة نشاطه وحيويته والبشر والسعاده تملأ وجدانه ، فاليوم هو اول يوم عمل بمكاسبه الكثيره ، خرج من الحمام وارتدى شبشب قديم يتناسب مع القفطان البالى الذى سيرتديه عند عمته ، وتسحب ببطء وهدوء حتى لا يشعر به احد من اهل البيت واتجه الى باب الشقه دون ان يضيئ الانوار ، وكما هى عادة السكن فى المناطق الشعبيه ان يكون للباب الواحد اكثر من ترباس ، تحسس الباب الى ان تمكن من تحديد مكان الترباس الاول بهدوء وحذر تمكن من فتحه ، حمد الله كثيرا انه لم يقلق احد من النائمين ، وهو فى محاولته فتح الترباس الثانى إذ بنور الصاله يضاء ليجد ابوه من خلفه يساله ، انت واقف ليه عند باب الشقه فى الضلمه دى ؟؟ تلجلج ورد وهو مرعوب ، انا رايح لعمتى ، عمتك عمتك مين يا ابن ال.... فى الساعه دى ؟ ، رد محسن بصوت خفيض انا رايح اشتغل مع عمتى ، سمع ابوه يسبه وهو يمسكه من قفاه خش اتخمد دا احنا الفجر يا ابن ال... ،وهيه عمتك بتشتغل عشان تشغلك معاها ، وهتشتغلوا ايه بالصلاة على النبى ؟؟ حكى لابيه القصه بالتفصيل وهو يبكى ويتوسل له ان يتركه يشوف شغله وحاول اقناعه ان عمته هتزعل منه لو لم يذهب لها ، كلما حاول ابوه ان يقنعه ان عمته بتهزر معاه ، ازداد بكاءا ، ولم يقتنع إلا عندما قام ابوه بلطشه قلما على قفاه وهو يصرخ فيه خش اتخمد بدل ما اخرب بيتك وبيت عمتك ، انسحب وخلع شبشبه البالى واتجه الى سريره وهو يبكى وغير مصدق ان عمته ضحكت عليه ، وسمع ابوه وهو يضحك قائلا الولا ابن ال.. عاوز يشتغل شحات ، ابنى انا عاوز يشتغل شحات ، استيقظت امه لصلاة الفجر وعرفت القصه فاخذته فى احضانها ، يا ابنى انت عارف عمتك بتحب الهزار وعموما الصبح يطلع وهنروح لها ، لم تغمض عينيه وظل يبكى الى ان واجهته عمته بالحقيقه ليقول لها انا مش بحبك لان انتى ضحكتى عليا ولو قولتيلى تعال اشتغل معايا حاجه تانيه مش هصدقك
"ونحن صغار تترائى لنا الاحلام وكانها حقيقه ، وكل ما نراه او نسمعه هو اكتشاف جديد لمداركنا حتى ولو كان خارج المعقول والمنطق"

اختلاف الاجيال

اختلاف الاجيال

فى طريقى للفرانده رايته بشعره المنكوش يفرك عينيه بظهر كفيه ، بصوت لا يتناسب مع جسده الضعيف ، سالنى : جدو فين الآى باد بتاعى ، كنت قد وصلت للفرانده ، رفعته لاقبله من رقبته التى يشع منها دفئ ورائحه مميزه ، ذكرتنى بابوه وهو فى سنه ،  جلست واجلسته فوق ركبتى ، سالته ايه رايك يا زعيم اعملك سندويتش وكوب حليب نفطر سوا ؟ رد بعصبيه .. اى بادى .. قالها وهو ينظر فى عينى ليرى تاثير طلبه ، كنت انوى ان احتفل بشروق اول شمس لى بعد ان وصلت للسبعين ، ولكن ستتغير خطتى هذا الصباح  بسبب الآى باد الملعون ، قلت له وانا فى سنك مكنش عندنا آى باد ولا آى جوود ، ابتسم بخبث ، نفس ابتسامه ابوه ، بعفويه سالنى ، هوه انت يا جدو كنت صغير ومكنش عندك آى باد ؟ ضحكت وفرحت لانه بدأ يتجاوب معى ولن ابحث له عن هذا الملعون فتفوتنى متابعة شروق الشمس ، ايوه يا سيدى كنت فى يوم من الايام صغير ، بس على ايامى مكنش فيه آى باد ، كان عندنا غطيان القازوزه والبلى والشرايط والمراجيح ، اندهش مما اقوله ، فاكملت بسرعه ، كنا نلعب فى الشارع السبع طوبات وعنكب يا عنكب وعسكر وحراميه والكوره الشراب والنحله والكعب وملك ولا كتابه ونشان القصب وكيكا على العالى ، ازدادت دهشته وسالنى ، ليه تلعبوا فى الشارع مش بتروحوا النادى او مدينة الالعاب تلعبوا فيها ، لم اجد ما ارد به عليه فحولته للموضوع الاساسى ، شوف يا بطل انا مستعد اجيبلك الآى باد لو عرفت يعنى ايه بابور جاز او اللمبه الجاز .. وضع يده فوق فمه يدارى ضحكه بريئه ، اكملت .. طيب تعرف القبقاب ، ضحك وهو يقبلنى ، قلت له طيب يعنى ايه  الزير ، القله ، هزنى من ذقنى صارخا جدو قول حاجه سهله ، انت بتقول حاجات معرفهاش.
   بدأ ضياء الشمس يملأ السماء ، تذكرت اننى لم ادخن سيجارة الصباح ، قلت له روح دور على الآى باد بتاعك فى الصاله ، نزل من فوق ركبتى واختفى ، عندما تاخرت عودته ، تاكدت انه وجده وبدا يندمج معه ونسى جده والدنيا كلها ، وانا ادخن سيجارتى سرحت فيما يفعله الزمن من فروق بين الاجيال ، كان طهور الاولاد باستخدام مشرط صدأ وبمعرفة حلاق الحى اما الآن مستشفى وطبيب وتخدير، كان المشروب الرئيسى للاطفال صباح كل يوم جمعه هو شربة الملح او شربة الزيت لتطهير المعده ليصاب الطفل باسهال شديد قادر على تنظيف معدة حمار او امعاء جمل ، الآن الطب تطور واصبحت حبه صغيره بطعم الشيكولاته كفيله بتحقيق نفس الغرض ، كنا اول كل شهر لابد من زيارة الحلاق ، يسلمك ابوك للحلاق ويتركك له ليقوم بازالة اى اثر للشعر من الراس مستخدما موس صدأ ، ظننت يوما انه نفس الموس المستخدم فى طهورى ، وعندما تستعطفه للابقاء على سنتيمتر واحد من الشعر ، يرفض معللا ذلك بانها تعليمات الحاج ، هذه الايام غيروا اسم محل الحلاق الى صالون ، واستبدلوا الدكه الخشب التى يجلس عليها الزبون بفوتيه جلد فخم ، ومنشة الذباب بالمكيفات ، والسبرتو اصبح بارفان ، والمعجون بدلا من الصابون الفنيك ، وبدل الحلاقه الجلط التى تجعل الراس مثل الزلطه الملساء اصبحت كانيش او ما يشبه عرف الديك ، كنا نخرج من عند الحلاق نلعنه ونسبه والآن يخرجون مبتسمين فرحين بالنيولوك.
الكهرباء والثلاجه والبوتاجاز والتلفزيون والكمبيوتر والتليفون والانترنيت والسخان والغسالة والفريزر لم تكن على ايامنا وكنا سعداء رغم قلة الامكانيات ، كان الوالدان هما المعلم والمربى والمثل والقدوه ، دائما تجد من يحميك ، يعلمك ، يرشدك ، يراعيك ، كانت امى اول من يستيقظ لصلاة الفجر ، وآخر من تغمض جفونها ، وكنت اطرب لصوت عمتى وهى تغنى بشجن مؤثر عن المسافر الذى لن يعود او العزيز الذى مات وتنجلى فى مديح النبى المصطفى وتتشوق لحج بيت الله ، الآن نادرا ما يجتمع شمل الاسره ، وإذا اجتمعوا جلسوا وفى يد كل منهم هاتفه النقال يتابعه ومشغول به وفيه عن كل ما حوله ،  حقيقى كانت طفولتنا فيها حميميه وحب وسعاده اكثر من احفادنا رغم رغد عيشهم وكثرة امكانياتهم ولكنهم للاسف يعيشون فى جزر منعزله بفضل الملعون الهاتف النقال.
    وانا فى نشوة استمتاعى بشروق شمس يوم جديد فى عامى الجديد ، اذ بالحاجه تهل على بابتسامتها الدائمه وتقبلنى وهى تقول كل سنه وانت فوق راسنا جميعا وبخير وصحه طول العمر ، فكان اجمل صباح واحلى هديه فى عيد ميلادى السبعين.

الجمعة، 4 يناير 2019

شوية فرفشه

شوية فرفشه

  الحمام :
 الجهاز مغلق او خارج منطقة التغطيه ، هذه الرساله سمعها وهو يحاول الاتصال بزوجته ليبلغها بتاخره فى العمل هذا اليوم ، كرر المحاوله وكانت نفس النتيجه ، فقرر الاتصال بالبنك الذى تعمل به سكرتيره للمدير ، لم يتمالك نفسه عندما ابلغه عامل البداله ان زوجته مع المدير فى الحمام ، بعصبيه استفسر منه ، انت بتقول ايه ؟؟ ، باقول لحضرتك الاستاذه ثريا مع مصطفى بيه فى الحمام ، جن جنونه وكاد يحطم الهاتف وهو ينهى المكالمه ، خرج يجرى من شركته القريبه من البنك ، شعر انه يحلم بكابوس رهيب ، رسم فى مخيلته مجموعة سيناريوهات متضاربه ، هل يخنقها ليمسح عاره ، ام يقتل المدير باى آله حاده يجدها على مكتبه ، ام يرمى عليها يمين الطلاق امام الموظفين ، وصل الى باب حجرة المدير ، نهض الساعى من كرسيه يمنعه من الدخول ، دفعه بعنف فاعاده للجلوس مره اخرى ، فتح الباب فلم يجد احد داخل الحجره ، بصوت جهورى ، هوه فين ، مين يا افندم ، المدير بتاعكم ، ده فى الحمام مع استاذه كوثر ، امسكه من ياقة بدلته وهزه عدة مرات بعنف وهو يقول ، وفين ام الحمام ده ؟؟ ، ارتعب الساعى ، رد عليه وهو يتهته .. الحمام ..الحمام ده .. اللى قبل العلمين ، يا باشا الحمام اللى فى الطريق بتاع الساحل الشمالى ، البيه المدير واستاذه كوثر ومدير الائتمان ركبوا سيارة البنك وراحوا يقابلوا عميل البنك اللى هناك ، فى هذه اللحظه شعر بان احدهم دلق عليه جردل ماء مثلج ، عاد لشركته وهو يردد الله يلعن ابو كل الحمامات اللى فى الدنيا.  

  انقطاع التيار:
 اجمل ايام العمر هى ايام الدراسه الجامعيه ، فيها من النوادر والمقالب الكثير ، واجمل الاوقات هى التىى نجتمع فيها نسترجع دروسنا فى بيت احدنا ، لتنقلب بعد سندويتشات العشاء وشرب الشاى الى عشره كوتشينه والغالب مستمر ، هذا طبعا فى بداية العام الدراسى فقط.
اجتمعنا فى بيت صديقنا محمد وقرب العاشره مساء سمعنا صوت شراره كهربيه انقطع بعدها التيار الكهربائى ، دقائق سمعنا ابوه بصوته الجهورى ، انت يا زفت تعال امسك الكرسى ، هب واقفا فاصطدم بالطاوله التى عليها اكواب الشاى لتنقلب وما عليها محدثه ضجة شديده ، اشعل احدنا عود ثقاب ، وآخر خلع صفحتان من كراسته وجعلها على شكل عمود اشعل مقدمته فانار المكان ، راينا من خلال الباب المفتوح ابوه القصير جدا يقف على كرسى مواجه للحائط الذى فيه صندوق الكهرباء وهو يرتدى سلب وجاكت بيجامه ، بصعوبه شديده كتمنا ضحكتنا ، ولكن ما جعلها تنفجر عندما رايناه يشب باطراف اصابع قدميه ليطول مكان الصندوق ، جن جنونه عندما سمع ضحكنا ، وبدء فى السباب ، وعلى ضوء قرطاس الورق المشتعل فتحنا باب الشقه وركضنا على السلالم والسباب ينهال علينا ونحن لا نتوقف عن الضحك وكان شياطين الكون تزغزغنا حتى نستمر فى ضحكنا الهستيرى ، عندما وصلنا الى الشارع ، اقترح احدنا ان ننتظر محمد لان ابوه اكيد هيكرشه من البيت ومن واجب الصداقه ان ننتظره ، الحمد لله عندما قابلناه فى اليوم التالى لاحظنا احمرار خده الايسر الذى برره انه كان نايم عليه ، فصدقناه على اساس ان ابوه لو حب يضربه بالقلم لازم يكون واقف على كرسى. ولم نذاكر فى بيت محمد بعد ذلك حتى تخرجنا من الجامعه.

  الشياطين الحمر :
 صباح كل يوم جمعه ، نجتمع نحن صبيان الحى فى الساحه القريبه من مساكننا ، نتنافس فيما بيننا فى مباريات الكره الشراب ، كان فريقنا الخماسى دائم الفوز على اى مجموعه اخرى من صبيان الحى ، كنا اصدقاء متجانسين متفاهمين ، زادت شهرتنا وطارت خارج الحى ، حتى ان بعض الفرق من احياء اخرى كانت تحضر خصيصا لتنافسنا وتنهزم لتعود بخيبتها لمنطقتها ، قررنا ان نطلق اسم على مجموعتنا ولم نجد افضل من الشياطين الحمر تيمنا بالنادى الاهلى ، لم نفكر كثيرا عندما عرض واحد منا ان يكون لنا الزى الخاص بنا ، واقترح ان يحضر كل منا فانله داخليه بيضاء نصف كم وايضا سروال داخلى يشبة الشورت من البفتا البيضاء ، ليقوم بصبغها ونرتديها بالمباريات ، تسلمها منا وقام بصبغها باللون الاحمر ، فى يوم صيفى حار وبعد مباراة حاميه قررنا الذهاب لشاطئ البحر جريا بالطقم الجديد ، ما ان وصلنا حتى تسابقنا فى رمى انفسنا فى مياه البحر المنعشه ، لم تمر عدة دقائق حتى تحول الماء المحيط بنا الى اللون الاحمر ، حتى ان الغطاس ظل يصفر لنا يامرنا بالخروج من الماء ، فقد خشى ان يكون احدنا قد اصيب بجرح بليغ او ان سمكة قرش ضلت طريقها فالتقمت فخد واحد منا ، ارتعبنا وخرجنا بسرعه من الماء ليلتف حولنا الموجودين بالشاطئ يتفحصونا ، وعندما عرفوا ان اللون الاحمر من الصبغه التى صبغنا بها طقمنا الرياضى ، ظلوا يسبونا ونحن نغادر الشاطئ الذى لم نستمتع بالسباحه فيه.
عدنا للحى منكسى الرؤوس بفانلات وشورتات لونها برتقالى باهت ، من يومها لم يعد لنا زى موحد نلعب به ، حتى اننا اصبحنا محل تريقه اصدقاء الحى وبعد ان كنا فريق الشياطين الحمر اصبحنا فريق الصبغه.

  امنا الغوله :
 فى ستينيات القرن الماضى وعلى ضوء اللمبه الجاز ، جلسوا ثلاثتهم امه وعمته وخالته فى شبه دائرة ، يتوسطهم بابور جاز ، فوقه براد مملوء بالماء على وشك الغليان ، بجوارهم صينيه عليها ثلاث اكواب فارغه وبرطمان للشاى وآخر للسكر، ليله من ليالى يناير شديدة البروده وكان ابوه فى وردية عمل ليليه ، تناولوا جميعا العشاء فانسحب اخواته للنوم فى حجرات اخرى ، اما هو آخر العنقود ذو الخمس سنوات فقد وضع راسه على فخد امه ليستمتع باحاديثهم التى تبدأ بحكايات واخبار عاديه تنتهى دائما باخبار الجن والعفاريت التى تستهويه وينتظرها ليتخيلها ويعيشها ليحكيها لاقرانه.
ثلاثتهم يلبسون الاسود كعادة اهل هذا الزمن ، كلما مر الوقت تزداد سخونه الحكى لتصل فى النهاية الى ابورجل مسلوخه للنداهه للعفاريت لامنا الغوله ، ما ان تنتهى احداهن من سرد قصه مرعبه حتى تكمل الاخرى بقصه اكثر رعبا ، احيانا يتخيل خالته هى زعيمة الغيلان الثلاثه ، كان يخشى ان يغمض عينيه حتى لا ينقضوا عليه ينهشون لحمه قبل عظمه ، كان يركز كل احاسيسه ومشاعره فى حركاتهم من ترفع يدها تهرش فى راسها يتخيلها مرفوعه لتطبق على رقبته لتخنقها ، من توجه نظرها ناحيته يشيح بنظره بعيدا عنها حتى لا تسخطه قرد او تشل حركته قبل التهامه ، عندما سمع صوت امه الحنون تساله انت بتعيط ليه انت خايف ، رد عليها بصوت منكسر حزين "عاوز اطر وخايف" شجعته بانه رجل والرجال لا يخافون ، رفعت لمبة الجاز عاليا لتنير له طريق الحمام ، نهض وهو متوجس خيفه خشية ان تكون حيله ليهجموا عليه وظهره لهم ، ما ان وصل الى باب الحمام واثناء تركيزه فى انزال سرواله سمع صوت انفجار رهيب فصرخ وكانت قفزه واحده اوصلته من الحمام الى السرير ، صباح اليوم التالى عرف ان خالته ارادت اختبار شجاعته فقذفت فردة قبقاب فى باب الحجره فاحدث هذا الدوى الرهيب ، ضحكت امه وهى تصف له ما قام به ، عارف احنا لقيناك طاير من فوقنا والماء يشرشر منك لانك لم تستكمل رفع سروالك ، وقد نال خالتك كثيرا من هذا الفيض ، تستاهل لانها خوفتك ، يللا بقى خد غيار وخش استحمى ، فاقسم لها انه مش داخل الحمام إلا لما خالته ترجع بيتها.

"نصيحه لامهات هذا الزمان ، لا تقصوا على اولادكم الصغار ما يرعبهم حتى لا يصيروا مثل صديقى الذى ظل يخاف من ظله ويكره خالته الى يومنا هذا"