اختلاف الاجيال
فى طريقى للفرانده رايته بشعره المنكوش يفرك عينيه بظهر كفيه ، بصوت لا
يتناسب مع جسده الضعيف ، سالنى : جدو فين الآى باد بتاعى ، كنت قد وصلت للفرانده ،
رفعته لاقبله من رقبته التى يشع منها دفئ ورائحه مميزه ، ذكرتنى بابوه وهو فى سنه ،
جلست واجلسته فوق ركبتى ، سالته ايه رايك يا زعيم اعملك سندويتش وكوب حليب
نفطر سوا ؟ رد بعصبيه .. اى بادى .. قالها وهو ينظر فى عينى ليرى تاثير طلبه ، كنت
انوى ان احتفل بشروق اول شمس لى بعد ان وصلت للسبعين ، ولكن ستتغير خطتى هذا
الصباح بسبب الآى باد الملعون ، قلت له وانا
فى سنك مكنش عندنا آى باد ولا آى جوود ، ابتسم بخبث ، نفس ابتسامه ابوه ، بعفويه
سالنى ، هوه انت يا جدو كنت صغير ومكنش عندك آى باد ؟ ضحكت وفرحت لانه بدأ يتجاوب
معى ولن ابحث له عن هذا الملعون فتفوتنى متابعة شروق الشمس ، ايوه يا سيدى كنت فى
يوم من الايام صغير ، بس على ايامى مكنش فيه آى باد ، كان عندنا غطيان القازوزه
والبلى والشرايط والمراجيح ، اندهش مما اقوله ، فاكملت بسرعه ، كنا نلعب فى الشارع
السبع طوبات وعنكب يا عنكب وعسكر وحراميه والكوره الشراب والنحله والكعب وملك ولا
كتابه ونشان القصب وكيكا على العالى ، ازدادت دهشته وسالنى ، ليه تلعبوا فى الشارع
مش بتروحوا النادى او مدينة الالعاب تلعبوا فيها ، لم اجد ما ارد به عليه فحولته
للموضوع الاساسى ، شوف يا بطل انا مستعد اجيبلك الآى باد لو عرفت يعنى ايه بابور
جاز او اللمبه الجاز .. وضع يده فوق فمه يدارى ضحكه بريئه ، اكملت .. طيب تعرف
القبقاب ، ضحك وهو يقبلنى ، قلت له طيب يعنى ايه
الزير ، القله ، هزنى من ذقنى صارخا جدو قول حاجه سهله ، انت بتقول حاجات
معرفهاش.
بدأ ضياء الشمس يملأ السماء ،
تذكرت اننى لم ادخن سيجارة الصباح ، قلت له روح دور على الآى باد بتاعك فى الصاله
، نزل من فوق ركبتى واختفى ، عندما تاخرت عودته ، تاكدت انه وجده وبدا يندمج معه
ونسى جده والدنيا كلها ، وانا ادخن سيجارتى سرحت فيما يفعله الزمن من فروق بين
الاجيال ، كان طهور الاولاد باستخدام مشرط صدأ وبمعرفة حلاق الحى اما الآن مستشفى
وطبيب وتخدير، كان المشروب الرئيسى للاطفال صباح كل يوم جمعه هو شربة الملح او
شربة الزيت لتطهير المعده ليصاب الطفل باسهال شديد قادر على تنظيف معدة حمار او
امعاء جمل ، الآن الطب تطور واصبحت حبه صغيره بطعم الشيكولاته كفيله بتحقيق نفس
الغرض ، كنا اول كل شهر لابد من زيارة الحلاق ، يسلمك ابوك للحلاق ويتركك له ليقوم
بازالة اى اثر للشعر من الراس مستخدما موس صدأ ، ظننت يوما انه نفس الموس المستخدم
فى طهورى ، وعندما تستعطفه للابقاء على سنتيمتر واحد من الشعر ، يرفض معللا ذلك
بانها تعليمات الحاج ، هذه الايام غيروا اسم محل الحلاق الى صالون ، واستبدلوا
الدكه الخشب التى يجلس عليها الزبون بفوتيه جلد فخم ، ومنشة الذباب بالمكيفات ،
والسبرتو اصبح بارفان ، والمعجون بدلا من الصابون الفنيك ، وبدل الحلاقه الجلط
التى تجعل الراس مثل الزلطه الملساء اصبحت كانيش او ما يشبه عرف الديك ، كنا نخرج
من عند الحلاق نلعنه ونسبه والآن يخرجون مبتسمين فرحين بالنيولوك.
الكهرباء والثلاجه والبوتاجاز والتلفزيون والكمبيوتر والتليفون والانترنيت
والسخان والغسالة والفريزر لم تكن على ايامنا وكنا سعداء رغم قلة الامكانيات ، كان
الوالدان هما المعلم والمربى والمثل والقدوه ، دائما تجد من يحميك ، يعلمك ، يرشدك
، يراعيك ، كانت امى اول من يستيقظ لصلاة الفجر ، وآخر من تغمض جفونها ، وكنت اطرب
لصوت عمتى وهى تغنى بشجن مؤثر عن المسافر الذى لن يعود او العزيز الذى مات وتنجلى
فى مديح النبى المصطفى وتتشوق لحج بيت الله ، الآن نادرا ما يجتمع شمل الاسره ،
وإذا اجتمعوا جلسوا وفى يد كل منهم هاتفه النقال يتابعه ومشغول به وفيه عن كل ما
حوله ، حقيقى كانت طفولتنا فيها حميميه
وحب وسعاده اكثر من احفادنا رغم رغد عيشهم وكثرة امكانياتهم ولكنهم للاسف يعيشون
فى جزر منعزله بفضل الملعون الهاتف النقال.
وانا فى نشوة استمتاعى بشروق
شمس يوم جديد فى عامى الجديد ، اذ بالحاجه تهل على بابتسامتها الدائمه وتقبلنى وهى
تقول كل سنه وانت فوق راسنا جميعا وبخير وصحه طول العمر ، فكان اجمل صباح واحلى هديه
فى عيد ميلادى السبعين.