احلام صغير
عندما فتح لها باب الشقه مساء هذا اليوم ، لم يتمالك
نفسه وهم باحتضانها ، لم تنحنى لتقبله ، بل رفعته بين يديها لتضمه الى صدرها الضخم
بحنان بالغ تمطره بالقبلات وهو متشعلق فى رقبتها ، كان الصغير هو محسن ابن اخيها
الذى تكن له حب خاص دون اخواته الخمسه.
هذه هى اول اجازه صيفيه له بعد ان امضى بنجاح سنته
الاولى بالتعليم الحكومى ، جسدة النحيل وعيونه التى تشع بالذكاء وروحه المتوثبه
للتحدى كانت هى مقومات تميزه بين افراد الاسره ، بفضل امه الطيبه حفظ الكثير من
قصار سور القرآن الكريم فكان محل فخرها امام ضيوفها ، اما عمته التى تسكن فى
المنزل المقابل لهم ، فقد كانت ذات روح مرحه تسعد كل من حولها ، ربما هى طبيعة فى النساء
السمينات ، فقد كان عرضها اقل قليلا من طولها ، عيونها ضيقه تكحلهما بطريقه
تظهرهما اكثر اتساعا ، اما صدرها الضخم فكان يشع الدفء فى كل من تحتضنه ، حكاويها
الشيقه واسلوبها الجميل يشع البهجه والسعاده على من حولها خاصة على عقل وروح محسن
ابن اخيها.
طلبت منه امه ان يقرأ امام عمته سورة الضحى الى ان تنهض
لتجهيز العشاء وقبل ان تتركهم اوصته ان يجيد التلاوه كعادته ، استحسنت عمته تلاوته
وسالته هوه انت يا محسن بتحب البرتقال والقرص اللى بالسمنه البلدى ، اجابها بحماس
طبعا ، فاكملت وهو مشدود لحديثها ، ايه رايك ما دام انت بقيت راجل وكبرت انا
عاوزاك تيجى معايا المقابر تقرأ قرآن والناس بقى تدينا قرص وبرتقال وفلوس كتير واللى
هنلمه نقسمه بالنص ، وانا هجيب معانا كياس مخدات واحد نحط فيه القرص والتانى نحط
فيه البرتقال والتالت نحط فيه الفلوس ، كان يسمعها وكانه منوم مغناطيسيا ، اكملت
مكيدتها بان قالت له وبصوت منخفض وكأن هناك من يسترق السمع لخطتها ، انت بكره
الفجر تجينى البيت وانا عندى قفطان قديم مقطع تلبسه ونروح المقابر ، وشوف انت بقى
هنجيب ايه والا ايه.
عندما نادته امه لتناول العشاء اجابها باقتضاب من فوق
سريره بانه شبعان ، حاول ان يكون وحيدا ليسترجع احلام المكاسب التى سيجنيها مع
عمته ، استرجع كل ما سبق له حفظه من القرآن الكريم وتمنى لو ان يغمض عينيه
ويفتحهما فيجد الفجر حاضرا ، وهو سارح بافكاره بعيدا طرات عليه فكره جميله ، لماذا
لا يرتدى عصابه من القماش على عينيه وكانه ضرير فيزداد تعاطف الناس عليهما وتزداد الغله
والمكاسب ، وسيحرص على يؤكد على عمته ان تكون القسمه بينهما امام امه لتزداد فخرا
بابنها حافظ القرآن وبالثروه الضخمه التلى سيجنيها.
قبل صلاة الفجر نهض وهو فى قمة نشاطه وحيويته والبشر
والسعاده تملأ وجدانه ، فاليوم هو اول يوم عمل بمكاسبه الكثيره ، خرج من الحمام
وارتدى شبشب قديم يتناسب مع القفطان البالى الذى سيرتديه عند عمته ، وتسحب ببطء
وهدوء حتى لا يشعر به احد من اهل البيت واتجه الى باب الشقه دون ان يضيئ الانوار ،
وكما هى عادة السكن فى المناطق الشعبيه ان يكون للباب الواحد اكثر من ترباس ، تحسس
الباب الى ان تمكن من تحديد مكان الترباس الاول بهدوء وحذر تمكن من فتحه ، حمد
الله كثيرا انه لم يقلق احد من النائمين ، وهو فى محاولته فتح الترباس الثانى إذ
بنور الصاله يضاء ليجد ابوه من خلفه يساله ، انت واقف ليه عند باب الشقه فى الضلمه
دى ؟؟ تلجلج ورد وهو مرعوب ، انا رايح لعمتى ، عمتك عمتك مين يا ابن ال.... فى الساعه
دى ؟ ، رد محسن بصوت خفيض انا رايح اشتغل مع عمتى ، سمع ابوه يسبه وهو يمسكه من
قفاه خش اتخمد دا احنا الفجر يا ابن ال... ،وهيه عمتك بتشتغل عشان تشغلك معاها ، وهتشتغلوا
ايه بالصلاة على النبى ؟؟ حكى لابيه القصه بالتفصيل وهو يبكى ويتوسل له ان يتركه
يشوف شغله وحاول اقناعه ان عمته هتزعل منه لو لم يذهب لها ، كلما حاول ابوه ان
يقنعه ان عمته بتهزر معاه ، ازداد بكاءا ، ولم يقتنع إلا عندما قام ابوه بلطشه
قلما على قفاه وهو يصرخ فيه خش اتخمد بدل ما اخرب بيتك وبيت عمتك ، انسحب وخلع
شبشبه البالى واتجه الى سريره وهو يبكى وغير مصدق ان عمته ضحكت عليه ، وسمع ابوه
وهو يضحك قائلا الولا ابن ال.. عاوز يشتغل شحات ، ابنى انا عاوز يشتغل شحات ،
استيقظت امه لصلاة الفجر وعرفت القصه فاخذته فى احضانها ، يا ابنى انت عارف عمتك
بتحب الهزار وعموما الصبح يطلع وهنروح لها ، لم تغمض عينيه وظل يبكى الى ان واجهته
عمته بالحقيقه ليقول لها انا مش بحبك لان انتى ضحكتى عليا ولو قولتيلى تعال اشتغل
معايا حاجه تانيه مش هصدقك
"ونحن صغار تترائى لنا الاحلام وكانها حقيقه ، وكل
ما نراه او نسمعه هو اكتشاف جديد لمداركنا حتى ولو كان خارج المعقول والمنطق"