الأحد، 30 ديسمبر 2018

نقل دم

نقل دم
====
بعد ان تناول فطوره واثناء تناوله شاى الصباح ، بدأ فى الاطلاع على التقرير اليومى الذى اعده مكتب السكرتاريه ، تغيرت ملامح وجهه وهو يقرأ خبر القبض على زميله ايام الدراسه الثانويه الدكتور الكيميائى ابوالفضل ، من هاتفه الخاص اتصل بوزير الداخليه طالبا منه إحضار ابوالفضل عصر اليوم لقصر الرئاسه.
فكوا قيوده واتركونا بمفردنا ، خير يا دكتور هوه ايه اللى حصل ؟ ، سرح ابوالفضل قليلا مسترجعا شريط زكرياته وزمالته للرئيس ، ابدا يا ريس ، فى معملى بالمنزل واثناء تجربتى على محلول لعلاج السرطان جرحت يدى وسقطت قطره من دمى فى الكاس التى بها المحلول ، علمت بعدها ان زوجتى شربت من هذا الكاس على انه ماء ، لاحظت بعدها ان حالها تغير تماما ، من زوجه غير مقتنعه بى وبابحاثى وبشخصيتى الى زوجه محبه حنونه مقتنعه تماما بى وبكل اعمالى وولاء مطلق وطاعه عمياء لى ولابحاثى ، لم اصدق ما استنتجه إلا عندما سقيت احد طلبتى من نفس المحلول ، هذا الطالب اعرف انه وطنى ويحبك كثيرا ومؤمن بكل قراراتك ، فاردت اختبار مدى نجاح استنتاجى فامرته ان يسبك ففعل ذلك دون تردد امام الطلبه ، وعندما سالته عنى كال لى من المديح ما ادهشنى وكاننى افضل انسان له فى الوجود ، لم يمضى نهار هذا اليوم إلا وتم القبض على بتهمة تحريض طالب على سب رئيس الدوله.
فكر الرئيس قليلا فاصدر اوامره بالغاء جميع اجتماعات اليوم ، وطلب من ابوالفضل تحضير التركيبه امامه ليرى بعينيه صدق روايته ، ففعل ، وقبل ان يضيف للمحلول قطره من دمه ، اوقفه الرئيس وطلب ان يجرب إضافة قطره من دم الرئيس ، فور انتهائه اصدر اوامره لرئيس الديوان  بإحضار زعيم المعارضه من محبسه ، وامر ثلاثتهم بشرب كاس من هذا المحلول ، لم يصدق ما رآه ، انحنى ابوالفضل ورئيس الديوان وزعيم المعارضه على يد الرئيس يتنافسوا على تقبيلها ، فامرهم بالتوقف فتوقفوا فورا وكانهم دمى تنفذ ما يطلب منها ، سمعهم يقولوا له فى نفس واحد سيادتك تامرنا ونحن نطيعك فورا ، كانت النتيجه مفاجأه له فقرر استغلالها فورا.
قام بنفسه بتجهيز كميه كافيه من المحلول مع عدة قطرات من دمه ، طلب من رئيس الديوان بان يسقى جميع العاملين بالقصر من هذا المحلول ، واتصل برئيس الوزراء لعقد اجتماع طارئ مع جميع الوزراء ووكلائهم ، وضع امام كل منهم كاس بها هذا المحلول العجيب ، فى بداية الاجتماع طلب منهم ان يشرب كل منهم الكاس الذى امامه ، فور ان شربوا امرهم بالوقوف ، فوقفوا ، امرهم بتادية التحيه له ، فادوها ، طلب منهم الانصراف فانصرفوا ولم يعترضوا ، وما حدث مع الوزراء كرره مع رؤساء الوحدات العسكريه ورؤساء وزارة الداخليه ، وايضا مع الاعلاميين ثم مع الهيئة القضائيه ، واخيرا مع اعضاء مجلس الشعب ، وطلب من وزير المياه ان يصب فى جميع خزانات المياه بعض من هذا المحلول ليشربه الشعب.
 فى اول اجتماع لمجلس الشعب امرهم تعديل الدستور لان يكون رئيسا لدولتهم مدى الحياه ، وتمت الموافقه بالاجماع ، عندما اتته معلومات مخابراتيه بان بعض الرعاع الذين لم يشربوا من هذا المحلول متذمرين من ضنك العيش وارتفاع الاسعار ، امر بالقبض عليهم على ان يتم الافرج عمن يشرب كاس المحلول ومن يعترض يتم تعذيبه وسجنه ويتم سقايته جبرا ، فتحول جميع المعارضين الى مؤيدين ولم يعد فى الدوله من يعترض على اى قرار يتخذه الرئيس ، لم يمض وقت طويل حتى اصبح كل الشعب فى قبضة يده ، وكلما شعر ان مفعول المحلول بدأ يفقد تاثيره على الشاربين ، زاد من كمية تجهيزه للمحلول وبالتالى زيادة قطرات الدم التى ينزفها لتجهيز هذا المحلول العجيب.
لم تمر سنه إلا وكان الهزال والضعف قد اصاب جسد الرئيس ، وفى واحده من نوبات الاغماء التى تكررت كثيرا فى الفتره الاخيره ،  نقلوه للمستشفى ليقرر كبار الاطباء ان حالته تستدعى نقل دم فورا له وإلا ستوافيه المنية خلال ساعات ، لحظتها امرهم بالتوقف رافضا نقل اى دم له من اى شخص ايا كان ، خشى ان يؤول الناس بالولاء لصاحب الدم المنقول له منه.
ترى هل فضل نقل دم شخص آخر ليفقد مكاسبه الوهميه ام فضل الموت ؟ ، اغلب ظنى انه فضل الموت فاغراءات الموت على كرسى الرئاسه اقوى من العيش بعيدا عنه !!!!

الاثنين، 24 ديسمبر 2018

خير اللهم اجعله خير

خير اللهم اجعله خير
"في يوم 22 نوفمبر 2012 أصدر الرئيس محمد مرسى إعلانا دستوريا مكملا يحصن الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية من الطعن عليها امام اية جهة قضائية ، اعتبره الكثيرين انه إعلان كارثى"

تنهد مصطفى بحسره وهو يتابع الدخان المتصاعد من كوب الشاى ، تذكر اول يوم استلم فيه العمل بالمؤسسه ، بابتسامه طيبه استقبله عم شعراوى رئيس الارشيف ، رجل طيب بشوش خمسينى العمر ، ما زالت اول عباراته تطن فى اذنه ، الشغل هنا يا ابنى زى الشغل فى المقابر ، التربى بيحرس الاموات ، واحنا فى الارشيف بنحرس الملفات  اللى ماتت ، سأله فى جلسه صفاء .. هوه ليه يا عم شعراوى محدش بيزورنا من الموظفين ، عم خليل الساعى يمر صباحا بصينية وكوبايتين شاى ، ينضف السرداب ، ومنشفش وشه إلا آخر اليوم وهو بيآخد الكوبايات الفارغه ، يومها شرد ذهنه من رد عم شعراوى ، مش هتصدقنى لو قلت لك ، الكل يظن ان السرداب ده مسكون بالعفاريت ، عارف يا مصطفى يا ابنى ، رئيس الشركه والمفتشين بيخافوا يجونى هنا ، بالتليفون يطلبوا الملفات اللى عاوزينها انما محدش يجرأ يجينى هنا ، هز مصطفى راسه ورسم ابتسامه الغير مصدق ، اكيد انت بتهزر ياعم شعراوى ؟ وانتابته قشعريره عندما اجابه .. لا والله يا ابنى ، انا باقولك حاجه متاكد منها تماما ، صمتا ولم يعاودا الحوار فى هذا الموضوع .
لم تدم عشرتهما الطيبه الا سنوات قليله ، توفى بعدها عم شعراوى ، الملل والكآبة سيطر على مصطفى ، كان المرحوم انيس له فى هذا السرداب الرطب ، فشل فى استماله عم خليل ليمر عليه مرتين ثلاثه فى اليوم يؤنس وحدته ، الوقت طويل والعمل معدوم والوحده والضوء الخافت تصيب النفس بالافكار المرعبه ، قرر ان يحضر معه بعض الكتب وراديو صغير ، فى احد الايام وهو مندمج فى قراءة روايه ، احس بحركه شدت انتباهه ، نظر امامه ، وجد عم شعراوى جالس على مكتبه القديم ، نظر فى عينيه ولم ينطق ، تسمر، شل فى مكانه ، انتفض شعر راسه واراد ان يصرخ فانحبس صوته فى حلقه ، فرك عينيه بيده ، دقق نظره فلم يجد شيئا ، دقائق كانها ساعات تمكن بعدها من استعادة السيطره على نفسه ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، اقنع نفسه بان ما حدث نتيجة إجهاد او تفكير عميق ووحشة لعم شعراوى ، مرهذا اليوم بصعوبه ،  قبل انصرافه حدث ما اكد له خوفه ، فقد تعود قبل انصرافه ان يطفئ الانوار وهو بجوار الباب الخارجى ، اليوم عندما اطفأ الانوار وهو يهم بغلق الباب ، احس بانفاس قريبه من وجهه ، وخيال ينسل خارجا ، ترك الباب مفتوحا وجرى صارخا وهو يصعد السلالم للدور الارضى.
التف حوله موظفى الشركه ، يساعدوه على الوقوف ، اجلسوه على كرسى ، ناولوه كوب ماء ، سالوه ، حكى لهم ما حدث ، استغربوا قصته ، كيف هذا ولم يعين بالشركه موظف باسم شعراوى ، قال لهم طيب اسالوا عم خليل الساعى ، ضحكوا .. خليل مين يا استاذ مصطفى ، الشركه فيها ساعى واحد هو سمير الدمياطى ، ظل يقسم لهم ان عم شعراوى هوه من علمه الشغل ، وعم خليل هو اللى بيجيب الشاى كل يوم الصبح ، طيبوا خاطره وسمح له المدير باسبوع اجازه ، على وعد ان ينقله من العمل بالارشيف.
عاد الى الشركه بعد ان قضى اسبوعا عصيبا  ، حاول خلاله العثور على عنوان عم شعراوى ولكنه فشل ، لم يجرؤ النزول للارشيف وطلب مقابله المدير لنقله لقسم آخر ، وقف امام المدير ناظرا الى الارض سائلا عن الادارة التى سينقل اليها ، رد عليه المدير .. انا عارف يا بنى ان الشغل فى الارشيف زى شغل التربى ، التربى بيحرس الاموات وموظف الارشيف بيحرس الملفات الميته ، تفاجأ من نبرة الصوت ومن العباره التى قالها المدير ، رفع مصطفى راسه ناظرا الى المدير ، دقق فى ملامحه ، انتفض ، نفس الملامح ، نفس الهيئة ، طريقة الكلام ، انه عم شعراوى ، بعطف بالغ ساله المدير ، مالك يا مصطفى يا ابنى ؟ رد وهو يرتعد مفيش ياعم شعراوى ، وسقط مغشيا عليه .
افاق مصطفى ليجد نفسه ممددا على سريره ، وامه بجواره تملس على راسه وهى تقرأ آيات من الذكر الحكيم ، فتح عينيه ببطء ، تاكد انها امه ، ادام النظر اليها ، خشى ان تتحول هى الاخرى لتصبح عم شعراوى ، عندما اخذته فى حضنها تاكد انها امه ، طبطبت عليه ، ابتسمت فى طيبه وحنان ، حمدا لله على سلامتك يا ضنايا ، انت يابنى من ساعة ما رجعت من مظاهرات ميدان التحرير ، وبعد خطاب مرسى بتاع الاعلان الدستورى ، لقيتك يا حبة قلبى حرارتك مرتفعه وعلامات الحمى ظاهره عليك ، لم احاول ازعاجك عندما وجدتك ممدا على سريرك تغط فى نوم عميق ، لم تمر ساعه لقيتك بتهلوس وتقول اسماء غريبه ، خير اللهم اجعله خير ، خير ان شاء الله يا امه ، اصل انا حلمت براجل افتكرته طيب ، طلع عفريت او شيطان .. مش متاكد ان كان اسمه شعراوى ولا مرسى .
"اخشى ان يصاب مصطفى وكل الشعب بهذا الكابوس إذا فكر احد فى تعديل الدستور لمدد رئاسيه اخرى"

عقارب الساعة تجرى فى محيطها

عقارب الساعة تجرى فى محيطها
=================================

متلازمتان فى حياته التصقا به ، اثرا فى كل خطواته ، كلمة يجب وفعل الجرى ، يحبو الاطفال ثم يمشون ، اما هو بدا مشوار حياته يجرى ، وهو بجرى تجلجل فى اذنه كلمة يجب ، يجب ان تسمع كلام الاكبر منك ، يجب الا تتشاجر مع اخواتك او اولاد الجيران ، يجب ان تسمى الله قبل الاكل ، يجب الا يعلو صوتك فى حضور ابوك ، يجب ان ترضى بما يقدم لك ، يجب ان تحمد الله على كل شيئ .. وهو يجرى.
يجرى .. يجرى .. وبدات فترة المدرسة .. ويزداد ضجيج كلمة يجب .. يجب ان تحافظ على ملابسك نظيفه ، يجب الا تلعب الكره بالشارع ، يجب ان تاكل السندويتش بالفسحه ، يجب ان تستيقظ مبكرا ، يجب ان تنتبه للمدرس ، يجب الا تترك يد اخوك الى ان يصل بك الى باب المدرسة ، يجب الجلوس بالفصل فى هدوء ، يجب ان تواظب على الصلاة ، يجب ان تنتهى من واجب المدرسه قبل النوم.. وهو يجرى
يجرى .. يجرى .. وبدات مرحلة الجامعه ..  يجب الا يشغلك شيئ عن مذاكرتك ، يجب ان تنظر لمستقبلك ، يجب ان تنجح بتقدير ، يجب ان تبتعد عن اصحاب السوء ، يجب الا تتمرد على مستوى الاسرة ، يجب الا تكثر من طلباتك ، يجب الا تكثر من السهر خارج البيت ، يجب الا تطالب بزيادة مصروفك .. وهو يجرى .
يجرى .. يجرى .. وبدات فترة التجنيد ..  يجب ان تطيع الاوامر ، يجب ان تحافظ على لياقتك البدنية ، يجب ان تتحمل المعيشة القاسية بالمعسكر ، يجب تحرير سيناء ، يجب شد الحزام فى سبيل مصر ، يجب ان ننتصر فى حربنا ضد اسرائيل .. وهو يجرى.
يجرى .. يجرى .. وتبدأ مرحلة العمل المدنى ، والزواج وتكوين اسرة ، يجب ان تخلص فى عملك ، يجب ان تكون قدوة صالحه لاولادك ، يجب ان تلبى طلبات اسرتك ، يجب الا تنسى التواصل العائلى ، يجب ان تجتهد فى عملك لتترقى ، يجب الا تسرف لتدخر للزمن ولاولادك ، يجب ان تعالج من يمرض منهم عند اكبر دكتور ، يجب الا تنسى جميع اعياد الميلاد والزواج ، يجب ان تبتسم عندما يزورنا الاهل ، يجب ان توفر كل ما يطلبه البيت ، يجب ان نراك منشرح راضى سعيد.. وهو يجرى.
يجرى يجرى .. فجأة وجد نفسه فى السبعين من عمره ، لاول مره يسال نفسه "لماذا ما زالت اجرى ؟" ، هل هو القصور الذاتى الذى تعودت عليه ، لماذا لم اجرب السير السريع او حتى العادى ، لماذا لا اتوقف ، لماذا لا استريح ،  استرجع تاريخ حياته ، تعجب انه بعد كل هذا الجرى لم يقطع مسافات ولم يحقق نجاحات تتناسب مع المجهود الذى بذله عندما كان يجرى ، ربما لم يكن يجرى ، هل كان يدور ، فعلا كان يدور ، كان كعقارب الساعة تدور حول محورها ، محيط دورانه خلال رحلة حياته لا يتعدى محيط ساعة يد صغيرة ، كبل خلالها بكلمة يجب.
تجمعت هذه الافكار فى راسه وهو جالس بكافيتريا هضبة عجيبه بمرسى مطروح يتابع غروب الشمس ، لم يتحكم فى نفسه عندما نهض واقفا ، اقترب من حافة الهضبة ، سال نفسة : هل قدرى ان ادور ام اجرى؟ شعر بطنين فى اذنه يطالبه بالطيران ، ذاد الطنين وتحول الى قوه خارقه تدفعه للطيران من فوق الهضبه ، حاول المقاومه والثبات فى موقعه ، ولكن قوة الدفع اقوى منه ، خارت مقاومته فوجد نفسه يطير ، الآن وهو يهوى من فوق قمة الهضبة لاحظ انه لاول مرة فى حياته لا يجرى ولا يدور بل يطير .. وهو يهوى فى طريقه للصخره اسفل الهضبه ، سمع من يهمس فى اذنه : يجب الا تطير .. يجب الا تطير .. يجب ان تتوقف عن الطيران .. يجب .. يجب .. ابتسم وهو سعيد .. لاول مرة فى حياته لن يستسلم لكلمة يجب .. فكيف لمن تمرد على الجرى وتعلم الطيران ان يستمع لكلمة يجب ؟؟
    

قليل البخت يلاقى العضم فى الكرشه

قليل البخت يلاقى العضم فى الكرشه
=================================

كلما وقع نظره ابوه عليه يساله :هاه لقيت شغل ؟ ، الاجابه دائما : والله يا بابا قدمت ورقى فى مليون مكان ولم اوفق ، ليسمع ابوه يتمتم بصوت منخفض : فاشل والله العظيم فاشل ، فى البدايه كانت هذه الكلمه تزعجه تمزقه ، حتى نظرة ابيه كانت تحرق اعصابه ، كثيرا ما تمنى العمى حتى لا يرى تلك النظرة ، ثلاث سنوات منذ تخرجه وهو يبحث ويفشل ، لا المؤهل الجامعى ولا التقديرالمرتفع يوفرا وظيفه ، بدون واسطه لا يملكها لن يجد وظيفه ، شعور بالانكسار والمذله عندما يستلم مصروفه اليومى من يد امه ، كثيرا سمعها وهى تدعو له بسعة الرزق والتوفيق من الله عز وجل ، ثلاث سنوات يسمع دعائها الغير مستجاب ، سالها مره : شوفى يا امى ، طالما دعواتك لا تستجاب ، ما تدعى على ، يمكن ربنا يآخدنى بدل ما انا قاعد عاله عليكم ، فتقول له "استغفر الله العظيم ، بكره هتروق وتحلى ، بس انت اصبر ، ربنا معاك يا ابنى ، ربنا يسهل لك طريقك ويفتح لك الابواب المقفوله".
وصل مصطفى الى المقهى ، وجد صديقه نبيل قد سبقه ، سحب كرسى وجلس قبالته متسائلا : ايه يا بلبل لقيت شغل ولا زى حالاتى ؟ ، سحب نبيل نفس من سيجارته قائلا : يظهر اننا محسودين او معمول لنا عمل ان احنا عمرنا ما هنلاقى شغل ، اكمل حديثه بغضب ، انا اللى مضايقنى فى الدنيا دى ابويا ، كل ما يشوفنى يقوللى " لغاية امتى هفضل اعلف فيك يا بغل" ، بالذمه يا مصطفى فيه بغل وسيم وسكر زى حالاتى ، ران الصمت على الجلسه ، سرح مصطفى الفاشل ونبيل البغل كل فى افكاره وهما يشربا الشاى.
سال مصطفى صديقه نبيل عن سر اختفاء ثالثهم سعيد المنحوس ، ايكون صدرت اوامر ابوه بحبسه فى البيت لغاية ما يجيله العدل ويجوزوه ، ضحكا بمراره ، ليفاجئوا بوصول المنحوس ، تصدقوا بالله انا نحسى اتفك ، اصبروا هقولكم القصه وما فيها ، انا يا بغال يا فشله جبت عقد عمل للكويت ، وانا بابحث عن شغل لقيت مكتب سفريات بيآخد خمسميت جنيه ويسلمك عقد عمل بالكويت ، ساله الفاشل "وانت هتجيب منين الفلوس وابوك ابخل واحد فى الدنيا ، رد سريعا : ما انا روحت لاخويا اللى فى الاسماعيليه اخدتهم منه ومضيت له على ورقه امانه ، وسلمت الفلوس النهارده الصبح للمكتب ودى صورة العقد ، واخرج من جيبه العقد ، دى صوره وخلال اسبوع هكشف طبى واستلم تذكرة الطيران والعقد الاصلى موثق يعنى بالكتير اسبوع واكون فى الكويت ، انبهر مصطفى ونبيل ، وسالا سعيد المنحوس ، طيب هوه لسه عندهم عقود ولا خلصوا خلاص ؟ ، افادهم بانهم محتاجين ناس كتير ، بس كل ما استعجلتم يكون اضمن.  وافترقوا
بصعوبه اقنع مصطفى الفاشل امه بضرورة تدبير خمسمائة جنيه ، وكذلك فعل نبيل البغل مع والديه ، ويوم ان تقابلا لاجراء الكشف الطبى واستلام تذاكر الطيران كانت سعادتهم بالغه لان حجز الطيران توافق مع حجز صديقهم سعيد.
غمرت السعادة ثلاثتهم ، كانت سعادة مصطفى ونبيل اكثر ، ستنمحى كلمة فاشل من قاموس والد مصطفى ، وكلمة البغل من قاموس والد نبيل ، اتفق ثلاثتهم على ان يجتمعوا صباح كل يوم على المقهى ليذهبوا الى مكتب السفريات لاستلام عقودهم الموثقه فور وصولها ، من يومها اصبح محور حديثهم يدور حول المستقبل الزاهر الذى ينتظرهم والايام الجميله السعيده التى سيعيشوها بالكويت وايام الرخاء التى سينعمون بها واحلام ورديه كلها امل وثقه فى المستقبل.
اليوم وهم مجتمعين صباحا بالمقهى ، سمعوا من خلال المذياع خبر نزل عليهم كالصاعقه ، كاد الشلل يصيب ثلاثتهم ، كان اليوم هو يوم الخميس الثانى من اغسطس سنه 1990، يوم اسود ، يوم غزو العراق للكويت ، يوم تحطمت فيه احلام مصطفى ونبيل وسعيد ، نهضوا ركضا كالمجانين الى مكتب السفريات ، وجدوه مغلق وحتى لو مفتوح فالكويت لم يعد هناك مجال للسفر اليها ، عادوا منكسرين للمقهى ، قال مصطفى : يظهر انه مكتوب عليا افضل فاشل فى نظر ابويا ، رد نبيل : وانا ابويا هيفضل يقولى يا بغل لغاية ما هنسى الكلام وانهق ، اما سعيد المنحوس نطق بالحكمه البليغه "قليل البخت يلقى العضم فى الكرشه" انفجروا ثلاثتهم فى ضحك كالبكاء ، وضاعت احلام ثلاثة شباب انهوا دراستهم الجامعيه بتفوق ولكن ليس لهم واسطه ليعملوا فى بلدهم ، ولا يوجد حكام عرب راشدين يعرفون ان اختلافاتهم ستقضى على آمال شباب يريد الحياة حتى ولو خارج اوطانهم.

كشف نظر (+18)

كشف نظر (+18)
==================  
اكد له الطبيب نجاح عملية زرع قرنيه فى عينه اليمنى ، وامره باستخدام نوع معين من القطره لمدة ثلاثة ايام على ان يستخدمها قبل النوم مباشرة ، كعادته ضبط مؤشر المذياع على محطة ام كلثوم وبدأ بعدة قطرات اغمض عينه بعدها وسحب الغطاء وراح فى سبات عميق.
فى الليلة الاولى فز من نومه وهو يصرخ الله يلعنك يا عم سليم ، تذكر ان حلمه اعاده لايام الصبا ، راى نفسه واقف بالبلكون وفى يدة مرآه يزغلل بها عيون جارته فى البلكون المقابل ، يبتسم فى خبث وهى تهش شعاع انعكاس الشمس عن وجهها ، عندما تنظر ناحيته يمسح شعر راسه ليرسل لها سلام ، فيرى ابتسامتها وهى تنسحب بميوعه لتدخل حجرتها ، وقتها شعر ان قلبه يرقص بين ضلوعه ممنيا نفسه بان تعاود الخروج للبلكون ، دقائق وعادت للبلكون كما توقع ، تجرأ هذه المره واشار لها بالنزول لتقابله فى الشارع ، ظل لدقائق يفسر حركة راسها هل موافقه ام كانت حركه عفويه اساء فهمها ، ها هى تخرج من باب البيت فى طريقها للبقال على ناصية الشارع ، تمنى لو كان فى مقدوره القفز من البلكون الى الشارع ليلحق بها سريعا ، لكنه فى ثوانى لحقها ، "صباح الخير" لم يصدق اذنيه ، هل قالت "يا سم" حتى لو قالتها ، لماذا يشغل باله بردها ، فقد كان ملهوفا للتمعن فى تفاصيلها ، لم يكن تركيزه على التهام الفرولتان فى شفتيها ، او السرحان فى عيونها العسليه ، او لمس خدودها الورديه .. لا لا اهم ما شغله هو ثمرتا الرمان ، منذ فطامه وهو عاشق للرمان ، لم يكن لشعرها القصير المجعد او الشبشب الرخيص فى قدميها او فستانها الكستور اى تاثير سلبى ، سار خلفها وكانه مخبول نادت عليه النداهه الى ان دخلت محل البقاله فدخل خلفها ، اقترب منها ، وقف امامها ، انعقد لسانه وعندما تهيج الاحاسيس ينخرس الكلام ، افاق على من يساله "عاوز ايه يا ولا" ، لم يرد فما زال منشغلا بالنظر والتمعن فى حجم الرمان ، عندما شخط فيه عم سليم البقال "يللا يا ولا امشى من هنا حالا بدل ما اروح اقول لامك " ، هب من نومه فزعا وهو يسب ويلعن عم سليم الذى ايقظه واضاع عليه  فرصة كان على وشك القيام بها لقياس حجم الرمان.
فى الليله الثانيه وبعد ان قطر فى عينيه عدة قطرات وراح فى سبات عميق ، استيقظ على كابوس رهيب ، ثلاثة اشخاص يشبعوه ضربا ، تذكر ان حلم الليله اعاده للمرحله الاعداديه ، وهو مع صديقه محمود يتقابلا صباحا للذهاب سويا الى المدرسه ، على رصيف الشارع الممتد طويلا يقابلا يوميا فتاتان يسيرا فى الاتجاه المعاكس ، كلتاهما تحتضن شنطتها على صدرها ، اختلف مع صديقه فى تفسير حمل البنات لشنطهم المدرسيه بهذه الطريقه ، هل ليصعب سرقتها وخطفها ام لحجب صدورهن الناهده ، ابتسما لهما فالابتسامه هى بداية اى قصه ، مع تكرار المقابله الصباحيه تحولت الابتسامات الى تعليق تتبعه ضحكه منهنا ، وقتها طلب من محمود ان يتم نحديد الاختصاصات ، فضل الاطول لانه اطول من محمود ، من بعيد لو كان محمود على اليمين والطويله على يمين صديقتها ، بسرعه يغير مركزه لتكون الطويله فى مواجهته ، يقتربا وقبل الاصطدام يضحكوا ويكمل كل فريق طريقه لمدرسته ، خلال شهور تطورت الامور من صباح الخير صباح النور ، الى سلام باليد كل فيما يخصه ، الى موعد للتزويغ من المدرسه ، اتفقوا ان يلتقوا امام باب حديقة الحيوان ، فى الحديقه تشابكت يده ويدها ، وفى الجلوس تشابكت الشفاه ، طعم القبلة الاولى لذيذ ، لذته تغرى لتجربه ثانيه وثالثه ومائه ، عند اقتراب موعد انتهاء اليوم الدراسى قرروا العوده على امل تزويغه الاسبوع القادم ، مالم يكن فى الحسبان هو مشاغبة ثلاثة شباب ، اراد ان يظهر رجولته فاعترضهم ، دقائق تحمل فيها لكماتهم ، اما محمود والبنات هربوا وتركوه ، فرك عينيه وهو يستيقظ يسب ويلعن الثلاثه الذين اشبعوه ضربا  قبل ان يستكمل حلم تزويغه اخرى من المدرسه على ان تكون فى مكان آخر غير حديقة الحيوان.
فى الليله الثالثه استيقظ وهو يتحسس قفاه ، تذكر ان حلم الليله اعاده للخامسة عشر من عمره ، سن التهور والنزق والمراهقه والتلصص والخيالات والجنس ، فى هذا السن تتحول الافعال لخيالات جنسيه ، الابتسامه يظنها نداء ، النظره يفسرها انها وله وغرام ، سلام اليد دعوه للاقتراب اكثر ، من بين بنات الحى كانت سميره محل تنافسه واصدقائه ، فيهم من يراها اقرب الى شويكار ، آخرين يروها هياتم ، اما هو فكان يتخيلها هنومه فى فيلم الباب الحديد ، ما يفرقها عن هنومه انها سمراء ولسانها كالكرباج ، المره الوحيده التى قال امامها "اسمر يا اسمرانى " لم تترك له الفرصه ليكمل "مين اساك عليا" حتى ردت بصوت عالى امام اصدقائه "جرى ايه يا روح امك .. العب بعيد يا شاطر لحسن افرمك" ، خشى ان يظن اصدقائه انه قناوى ، فتقمص دور ابوسريع ليرد عليها بضحكه متهكمه "يا ريت .. وربنا انا نفسى تفرمينى" ، لم تستكمل معه فاصل السب بل توجهت فورا لبيت اسرته تشتكى ، توقع ان يومه مش فايت ، وتاكد حدسه عندما قابلته امه تعاتبه "هيه دى آخرتها  .. ايه اللى انت هببته مع سميره .. ده ابوك حالفلك" ، ما ان رآه وبدون اى مقدمات ناله ما يناله عادة بعد كل مصيبه يرتكبها ، هى هى نفس الصفعه الشديده التى تعود عليها ، "والله ما انت فالح .. عاملى فيها عبدالحليم حافظ يا فاشل وبتعاكس بنات حتتك" ، لم يعطيه فرصه ليصحح له المعلومه بانه كان عامل فيها فريد شوقى  ، ما ضايقه ان العقاب لم يتوقف على صفعه ولكن هذه المره زاد عليها قطع المصروف لمدة اسبوع ، عندما فرك عينيه وهو يستيقظ يتحسس قفاه وجد نفسه يسب ويلعن سميره وهنومه وهندرستم فى آن واحد.
انتهت الثلاثه ايام وعاد للطبيب استشاره ، كشف عليه وبارك له سلامة عينيه ، ساله والقطره يا دكتور ، افاده الطبيب بانها ليس لها داعى بعد اليوم ، لم يفهمه الطبيب عندما قال له " ده انا احلامى وقفت عند سن الخامسة عشر من عمرى .. ارجوك يا دكتور اكرر القطره .. عندى كوابيس كتير نفسى احلم بيها".


الجمعة، 21 ديسمبر 2018

راديو بعين سحريه


فى خمسينيات القرن الماضى كنت اسمع عمتى تردد بصوت عالى .. القيامه قربت تقوم ، اسالها عن السبب ، فتسخر من غباء سؤالى ، وتكمل بثقه ليس فيها اى شك ، انت اعمى ما بتشوفش ، الحديد بيطير فى الهوا ، اقول لها دى طياره يا عمتى ، تزغدنى فى كتفى بيدها المعروقه وهى تصفنى بالحمار اللى مبيفهمش حاجه.
فى اليوم المشهود ، حضر الدكتور مصطفى مرتديا البالطو الابيض حاملا حقيبه جلدية لا تفارقه ابدا ، لاعطاء حقنة الانسولين لامى ، فى الحقيقه لم يكن طبيبا ولكنه ممرض بالمستشفى الاميرى ، حاز ثقة الجميع لقدرته على وصف الدواء لاى مرض ، فنصبوه دكتور الحى.
 كان الدكتور حكاء ماهر وفصيح ، ما ان ينتهى من عمله واثناء تقديم الشاى يسرد حكاياته الشيقه فربما يندمج ويطول الوقت فيقدم له عشاء مخصوص يليق بمقام الدكتور ، ولكن ابى كان حاسم ففور انتهائه من شرب الشاى قال "نورتنا يادكتور" ، كررها ليفهم الدكتور ان الزيارة انتهت ، اثناء وضعه معداته داخل شنطته الجلديه تنهد بعمق قائلا تصدق بالله يا حاج الدنيا تطورت بشكل يخوف ، وصمت ، ردعليه ابى بدون حماس .. ازاى يادكتور ؟؟ ، انفرجت اسارير الدكتور وهو يقول "عمرك شفت راديو بعين سحريه "
استغرب ابى واستفسر .. ازاى يعنى ؟؟
اكمل الدكتور : الراديو اللى احنا عارفينه ، صندوق خشب بحجم نص دولاب الخزين ، توصله بالكهربا يتكلم ، امس شفت راديو عجيب وغريب ، حجمه صغير بس شكله تحفه ، وفيه عين سحريه ، والله العظيم عين سحرية ، كلمة سحريه وسحر شدت انتباه ابى فساله بتتكلم جد يا دكتور ، اكمل الدكتور : شوف ياحاج ، اول ما تفتح الراديو تطلع منه عين سحريه لونها ازرق  تنور شويه شويه لغاية ما تبقى زى نور اللمبه الكهربا ، وبعدين الراديو يتكلم ، بس صوت ايه ؟ كانه ميكرفون ، ومحطات ايه ما تعدش .
انبهر ابى من الوصف ومن كلمة سحريه .. وقال راديو بالوصف ده اكيد يا دكتور هيكون سعره غالى نار.
رد الدكتور : لا ابدا ده كل الحكاية عشرين جنيه ، ومش هيندفعوا مره واحده ، ده الراجل هيآخد اتنين جنيه كل شهر ، عشر شهور يمروا هوا ، ويبقى عندك راديو ، ومش اى راديو .. ده راديو بعين سحريه.
    كانت الاسره التى لديها راديو فى تلك الايام تعتبر من العائلات الموسره ، واستكملا الحوار اثناء تناولهما العشاء ، واتفقا ان ينزلا فورا الى المحل للمعاينه والفحص واتخاذ القرار ، وعشنا جميعا على اعصابنا نكثر من الدعاء ، عل ابى يوافق ويصبح فى بيتنا راديو بعين سحريه.
لم يغب ابى كثيرا وعاد مبهورا منشرحا ، سمعته يحدث امى بثقه وفخر : ابسطى يا حاجه الراجل صاحب المحل بنفسه جاى بكره المغرب ومعاه الراديو ، لم استطع إظهار فرحتى ورغبتى فى ضرب شقلبظات كالبلياتشو فى حضرة ابى ، فالمسموح لنا هو الابتسام والامتنان لا اكثر ، كان وجود راديو بالشقه يستلزم طقوس واجراءات كثيرة ، نحتاج رف يستقر فوقه الراديو ، ومفرش انيق يليق بمقامه الرفيع ، تم تكليف اخى لاستدعاء صابر النجار ، واختى ذهبت تستدعى ام سعيد الخياطه ، نصف ساعة وحضروا ، وبدات دراسات الجدوى لتحديد شكل ومكان الرف وارتفاعه وشكل المفرش ونوع التطريز عليه ، قرر ابى ان يكون الرف فى اوضة القعاد وهى الحجرة الرئيسية التى تجلس فيها امى اغلب اوقات اليوم ، لها بلكون صغير لجلسة العصارى إذا كان الجو يسمح ، حدد ابى مكان مرتفع للرف حتى لا تطوله ايادى الولاد الصغار.
بعد صلاة عصر اليوم التالى حضر صابر النجار وبعده بقليل حضرت ام سعيد الخياطه ، نصبت الطبلية لغداء جماعى محترم احتفالا بالوافد المنتظر ، بعد الغداء والشاى تم نصب الرف والمفرش فوقه ولم يبقى الا وصول العريس ، اعادت اختى تنظيف المكان ، اطلقت امى البخور ، وجلسنا ننتظر حضور ابى وفرقته ، هلوا علينا قبل صلاة المغرب ، طلب الرجل حامل الكرتونه الفخمه التى يرقد فيها المحروس ابوعين سحريه كرسى للوقوف عليه لتنصيبه فوق مفرش الرف ، تم اخراج العريس من الكرتونه بحرص شديد وكانهم يخرجون مولود من احشاء امه ، الجميع صامت مشدوه مترقب فاغرين افواهنا ، واخيرا ظهر الراديو لاول مره امام اعيننا ، خشيت ان يتوقف قلبى من سرعة دقاته ، يا الله ما هذا الجمال والتناسق ، لونه البراق خلب بصرى حتى انى تخيلت انه سينطق قبل تشغيله ، حمله الرجل وصعد به على الكرسى ، بسرعه امسك ابى واحده من ارجل الرجل ليساعده على الثبات فوق الكرسى خشية ان يفقد توازنه فيتحطم الحلم الجميل ، ثم هجم الدكتور على الرجل الاخرى يمسكها واخى الاكبر خلفهم تاهبا لاى طارئ ، اخيرا تم وضع الراديو على الرف بنجاح ، النشوه الظاهره على وجه الرجل هى نفسها نشوة رائد فضاء قام بتثبيت مركبته الفضائية على سطح القمر ، نزل بشموخ من فوق الكرسى وقام بتوصيل الكهرباء ، بكبرياء طلب من ابى الاقتراب منه ليشرح له طريقة تشغيله وغلقه ، احسست اهتمام ابى وكانه المسؤول الاول عن إطلاق مكوك للفضاء الخارجى ، سمعت من يشهق ومن يصلى على النبى ومن يقرأ الفاتحه ومن يتلو سورة الكرسى ، نطق الرجل بحزم .. هدوء يا جماعه وسمعونا الصلاة على النبى ، حرك مفتاح التشغيل ، يالا العجب ظهرت لمبه زرقاء فى وسط الراديو ، بدت اولا بضوء خافت ، رويدا رويدا يزداد ازرقها وضوحا ، اضيئت العين السحريه ، توهجت فى شكل جميل وسط الراديو ، يا سبحان الله ، سمعنا صوت مذيع يتكلم فى السياسه ، افادنا الرجل دى نشرة اخبار تمانيه ونص ، سامعين الصوت واضح ازاى ، ممكن اعلى الصوت كمان ، حرك المؤشر ناحية اليمين فازداد الصوت علوا ، ظل يحرك المؤشر يمينا ويسارا ليرتفع الصوت وينخفض ونحن مبهورين ، بعد ان خفض الصوت اشار الى مؤشر آخر .. ده عشان المحطات ، الراديو ده يا حاج فيه ستاشر محطه ، بدأ يحرك المؤشر فنسمع اخبار ثم قرآن كريم وهذه تمثيلية واغنيه ،  يا سبحان الله بهذه السهوله نعلى الصوت ونخفضه ونجيب المحطه اللى احنا عاوزينها ، سبحان الله.
لم يمر يوم إلا وجميع الجيران عرفوا ان فى بيتنا راديو بعين سحرية ، ومن يومها واصدقاء امى يجتمعوت عصرا لمتابعة الاستماع للتمثيليات ، اما انا ، آه من انا ، غيرت اسلوب نعاملى مع اصدقاء الحى ، كيف لا اتعالى عليهم وفى بيتنا راديو ومش اى راديو ، ده راديو بعين سحريه  ، ما ازعجنى هو تخيلى عند عودة عمتى من السفر هتلاقى الحديد بعد ما طار بقى الحديد بيتكلم.
من خلال هذا الراديو العجيب استمعنا الى خطب عبدالناصر وتمثيليات الدندورمه وعلى بابا والاربعين حرامى ومعروف الاسكافى وعواد باع ارضه وطبعا حلقات من ارشيف المحاكم وتمثيلية القط الاسود وسماره وعرفنا عبدالحليم وعبدالوهاب وام كلثوم وفايزه احمد والشيخ عبدالباسط وعلى الناصيه.
كانت ايام لذيذه سعيده بسيطه ، الحب والود والتراحم يملأ قلوب الجميع ، الالفه والتسامح واحترام الكبير والعطف على الضعيف والصغير هى سمة هذا العصر ، ابتسامه رضا تعلو الوجوه ومسحة رضا بقضاء الله وقدره .. ايام .. ليتها استمرت او ليتها تعود .


ملاحظه : قد يتعجب شباب هذا الجيل من انبهارنا براديو تظهر فيه لمبة زرقاء ، وقتها لم يكن هناك كمبيوتر شخصى او لاب توب او تلفزيون
  او دش او تليفون نقال او انترنت او فيس بوك او تويتر ، إرجعوا للشبكه العنكبوتية استعلموا عن تاريخ ظهور هذه الادوات فى مصر ، قد
  تتعجبوا عندما تعرفوا انها دخلت مصر منذ خمسينيات القرن الماضى  ..
     ولكننا وللحقيقه ..فى عصرنا وشبابنا .. كنا اكثر منكم إنسانية وحب وإطلاع وعلم وصدق ، كنا اكثر احتراما لكبارنا ، آبائنا .. مدرسينا ، كنا  
     نقرأ كثيرا ، لم نعرف الدروس الخصوصية ، كنا نحب مصر ونضحى من اجلها بارواحنا ، شوارعنا نظيفه حياتنا بسيطه ولكنها غنية بالمعانى  
     والمثل العليا ، كنا نقرأ وانتم تنظرون ، كنا نبتكر وانتم تقلدون ، كنا اقرب للانسان واصبحتم اقرب للآله.
    عشنا فى عهد عبدالناصر وتعيشون فى عصر ليس فيه عبدالناصر ؟؟؟

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

الحشاش

الحشاش

لم يمضى على عملى بالبنك الا شهور قليله ، كسبت خلالها ثقة استاذ محسن رئيس القسم ، توافقت كيمياء صداقتنا منذ الوهلة الاولى ، رغم اختلاف تركيبتينا الجسديه ، فهو يتمتع بكرش ضخم وصلعه لامعه ونظاره سميكه وبياض واضح لبشرته ، اما انا جسدى الضعيف يوحى لمن يرانى انى احتاج للعرض على طبيب تغذيه لبناء جسدى ، لم ارى فى نفسى ما يقربنا سوى شراهتنا للتدخين.
قبل نهاية يوم عمل وجدته يقول لى "النهارده انا معزوم على قعده هتعجبك .. همرعليك تمانيه بالليل الاقيك جاهز" ، ركبت معه السياره وانا فى قمة الشياكه ممنيا النفس بعزومه فخمه على العشاء ، صدمت عندما وجدته متجه بالسياره الى منطقة باكوس وازدادت دهشتى عندما رايته يركن سيارته قائلا "يللا بينا" ، نزلت وفى ذهنى ان مطعم فخم جديد فتح بهذه المنطقه الشعبيه ، سرنا فى شوارع جانبيه وزقايق وحارات ضيقه ، الى ان وصلنا الى حاره من تلك الحارات التى يمكن للجار وهو فى شباك بيته ان يسلم يدا بيد على جاره فى  شباك البيت المقابل له.
عند باب بيت عتيق تجلس على عتبته عجوز ترتدى السواد وقبل ان ندخل من هذا الباب سالتنا "عاوزين مين يا فنديه" ، لم يرد عليها استاذ محسن وبدا صعود السلالم وانا خلفه فى حالة هلع وذهول ، فى نهاية السلالم باب خشبى متهالك فتحه ، لاجد نفسى على سطوح البيت وثلاثة رجال يتوسطونه يجلسون على حصيره وامامهم طبليه صغيره عليها منقد مملوء بالفحم المتوهج وجوزه ومعسل وعدة سطور من الحشيش المرصوص بنظام ، اما على الارض فتوجد مجموعه من اقماع فخاريه معباه بالمعسل ، خلع استاذ محسن حذائه وجلس دون ان يتفوه باى كلمه او سلام ، فعلت مثله ووضعت حذائى تحت فخدى الايمن حتى اذا حدث امر مريب ارتديه واجرى ، تكونت منا دائره حول الطبليه ، ثلاثتهم يسترهم جلاليب غير نظيفه وكانهم حمالين فى سوق الخضار القريب ، وبدات الجوزه المعمره تدور دون حديث او حوار فالكل فى حضرة الحشيش سكون ، تعلمت وقتها طقوس جلسات الحشيش ، اولها اذابة الفوارق بين الطبقات وثانيا لا كلام ولا سلام فكل فى ملكوته الخاص ، كنت استلم الجوزه من جارى اسحب انفاس سريعه عديده وكانى مولود فى غرزه ، رغم انها المره الاولى فى حياتى التى ادخن فيها شيئا غير السجائر ، فى البداية حاولت التحكم فى مشاعرى واندهاشى مما انا فيه ، ولكن كلما مر الوقت وزادت الانفاس كلما تغير احساسى المتحفظ نحو الموجودين ، حتى وصل بى الامر فى النهايه انى تمنيت لو كانوا زملائى بالبنك ، ولما لا فكفائتهم فى التحشيش يوحى بكفائتهم فى اى عمل يقوموا به.
  حتى يزداد استمتاعى بالانفاس كنت ارفع راسى لاعلى وانا انفث الدخان من انفى فالمح القمر واراه اجمل وابهى قمر رايته فى حياتى ، اما السماء فلم اراها بهذه الروعه وهذا الصفاء من قبل ، والهواء ، ياااه على الهواء ، ابتسامتى تحولت الى ضحك ذاتى متقطع دون سبب ، شعرت انى اخف وزنا اننى اطير وانا فى مكانى ، لا ادرى ما الذى دعانى للوقوف فجاه هل لاختبر قدرتى على الطيران ام ما ذا ، تجولت فى ارجاء السطوح واضعا يدايا فى جيوب بنطلونى وكانى جنرال او قائد منتصر اما الجالسين حول الطبليه هم جنودى البواسل ، عندما وصلت لسور السطح لمحت على سطح البيت المقابل الاقل منا ارتفاعا زوج من الديك الروميه تتبختر فى مشيتها ، هيأ لى عقلى اننى ما دمت جوعان لماذا لا اقفز على السطح المقابل وااكل هذه الديكه ، من المؤكد سيكون طعمها نيئا رائعا ، احسست بطعمها ومذاقها فى فمى فلم اقدر على مقاومة رغبتى فى القفز ، ناديت على صديقى محسن قائلا "تعال يا محسن شوف الرومى الجميل ده ، انا هنط اجيبه وناكلوه سوا ، اكيد طعمه هيبقى عسل " ، نهض محسن وواحد من الثلاثه ، امسكونى وانا فى محاوله جاده للقفز لاحضار الديكه الروميه ، قاومتهم وهم يحاولون منعى وتعجبت لماذا يمنعونى وانا فى سبيلى لتجهيز عشاء رائع لنا جميعا ، لم افلح فى اقناعهم ان الامر بسيط لان المسافه بين السطحين قريبه فلا تخافوا ، ناضلتهم بعنف ولم اهدأ إلا وانا ومحسن فى الشارع الرئيسى عند السياره.
اوصلنى الى ناصية الشارع الطويل الذى يصل الى بيتى ، انتابنى احساس فظيع بالجوع ينهش معدتى ، ما اقلقنى هو خطواتى المهزوزه المترنحه ، تارة تاخذنى خطواتى يمينا ومره اخرى يسارا ، لحسن حظى هدانى تفكيرى للتغلب على ترنحى هذا ان اتخذ الرصيف مرشدى ، فقررت السير بجوار الرصيف وكل خطوه اخطوها اتحسس بخارج قدمى اليمنى الرصيف فانتظمت خطواتى او هكذا خيل لى.
حمدت الله ان عربه سندوتشات السجق القريبه من بيتى ما زالت تعمل ، طلبت رغيفان التهمتم بشراهه ومن محل الحلويات الشرقيه والهريسه المجاور، طلبت ربع كيلو هريسه انهيته قبل ان اصل لباب البيت ، ما زال راسى مملوء بالافكار والهلاوس وما زالت الديكه الروميه تلعب فى خيالى ، ندمت انى استاذنت محسن قبل القفز على السطوح المقابل ، هذا بيتنا .. هذا الباب .. اخرجت المفتاح من جيبى وبصعوبه تمكنت من ادخاله فى المكان المخصص له بعد عدة محاولات ، وكل مره افشل فيها تنتابنى كريزة ضحك هستيرى ، واخيرا دخلت لافاجأ بان السلالم تتارجح ، استندت على سور السلم وببطء صعدت درجه درجه الى ان وصلت الى باب شقتنا ، دعوت الله ان يكون كل من فى البيت قد راحوا فى نوم عميق ، بهدوء انسليت الى حجرتى ، ولكنى ما زلت جوعان ، رجعت الى المطبخ لاجد امى قد تركت لى ربع ارنب على طبق ارز ، حملته ودخلت حجرتى ، التهمته قبل ان اخلع ملابسى التى لا ادرى كيف خلعتها ، وبدات رحلة العذاب لارتداء بيجامتى ، كنت كساحر خطير فقد قدرته على السحر والتركيز ، فلم يميز هل يدخل يده فى رجل البنطلون ام القدمان وبايهم يبدأ .. الرجل اليمنى اولا ام  اليسرى ، وفى كل مره افشل فى تحديد هدفى اضحك وكلما حاولت كتمان ضحكتى تزداد رغبتى فى الضحك الى ان انتهيت بعد مجهود جهيد من ارتداء بيجامتى ، ارتميت على السرير ناظرا لسقف حجرتى فرايته يدور فوقى ، اما السرير فقد لاحظت انه يتارجح يمنه ويسره ، فامسكت بكلتا يداى طرفى السرير حتى لا انزلق واسقط من فوقه ، تزداد ضحكاتى وتزداد محاولتى كتمانها لادخل فى سلسله من الضحك لا تتوقف ، وانا وسط هذه الملاهى التى احسها من السرير والسقف ، هاجت على معدتى فاخرجت كل ما فيها على دفعات وبصوت مزعج وانا غير قادر على ترك طرفى السرير حتى لا اقع على الارض ، خرج كل ما استفرغته على صدرى وعلى السرير وانا بين الضحك والصراخ وارجاع كل ما فى معدتى وهو كثير ، فرايت كما لو انى فى حلم عدة رؤوس تنظر لى ، بتركيز شديد تعرفت على راس امى وانا ما زلت اعانى من دوران السقف واهتزاز السرير ، ومن هذا ؟ اخى واختى ، تعلو ضحكاتى لان ابى لم يستيقظ حتى الآن.
تكاثروا على وبصعوبه فكوا يداى من طرفى السرير وانا اتعجب كيف لا يقعون والسقف والارض يدوران والسرير يتارجح ، لم افق الا بعد ان سقانى اخى فنجان قهوه ساده ، وحملنى الى الحمام وغيرت جميع ملابسى ، وقامت امى بتنظيف حجرتى وفرش جديد لسريرى.
عدت الى حجرتى لاجد ابى فى انتظارى ، بصق فى وجهى ولسعنى قلم على وجهى وقال لامى وهو خارج من حجرتى " الولد ده ملوش عيشه معانا بعد المسخره والفضايح اللى عملها" .
صباح اليوم التالى وصلت البنك ، لم القى تحية الصباح على الاستاذ محسن ، وقدمت طلب نقلى الى قسم آخر ، ومن يومها اذا دعانى صديق على عزومه ان اساله عن مكانها ، ان قال لى باكوس اقوله يفتح الله فوت بكره.

"هذه مغامرة صديق عزيز على .. وقال لى انها مغامرته الاولى والاخيره فى هذا المجال لانه شعر بحقارة ما قام به"


الأحد، 16 ديسمبر 2018

 كنت وكانوا

كانوا ملائكه صغار  وجوههم نضره ناعمه ، قبلة من خدودهم الورديه الناعمه تذيب قلبى حبا وحنانا ، فرحتى وانا ارى الابتسامه تملا عيونهم ولهفتهم للارتماء فى احضانى عند رؤيتى تشعرنى انى ملكت الدنيا وما فيها ، يتقطع قلبى حزنا على دمعه تنساب من عيونهم لاى سبب مستحيل ان اكون سببها. 
فى خروجنا كنت احملهم ليناموا على كتفى الايسر حتى اشعر بان قلبى يلامس قلبهم ، دقات قلبينا المتناغمان تزيد من ضمى لهم اكثر الى صدرى ، انفاسهم الساخنه اشعر بها فى رقبتى فادير شفتاى لاقبل شعر رؤوسهم ، احيانا احملهم فوق كتفى متمنيا ان يكونوا دائما اطول منى واعلى منى قيمة ومقاما ، كثيرا ما ناموا وهم يسندون راسهم الصغير فوق راسى ويروحوا فى سبات عميق لحرصى فى خطواتى حتى لا ازعجهم او اقلقهم.
اخترعت معهم ولهم العاب مارسناها سويا ، الفت لهم حكاوى واغانى ، كثيرا ما بدات احكى لهم حكاية ولم انهيها  لانهم راحوا فى سبات عميق قبل ان انهيها ، كان لكل منهم اغنيه مؤثره ااديها وكانى مطرب شعبى احيانا يضحكون منها واحيانا ينهنهون من البكاء متاثرين بالكلمات والاداء ، عندما نخرج بمفردنا فلا حدود لتصرفاتنا ولا موانع تحد من همجيتنا ، من اراد ان يقود دراجته فى يوم ممطر فلا مانع حتى لو اتسخت ملابسه ، من يرغب فى الاستحمام بالبحر وليس معه لباس البحر فلينزل بملابسه الداخليه واتحمل العتاب عنهم عند وصولنا للبيت ، احيانا نستقل قطار ابى قير حتى نشترى السودانى ونلعب جوز ولا فرد فى رحله كانت تسعدهم كثيرا لان فى نهايتها سيقام تحدى وتنافس على من يرمى الحجر بالبحر ابعد من الاخرين ، يوم ان اشتريت لهم ملابس الكاراتيه لاشتراكهم بمركز الشباب هناك ، شعرت بسعاده طاغيه تشع من عيونهم فتزيدنى سعاده لتحقيقى احلامهم ، وفى نهاية التمرين كنا نشرب اللبن المحلى بعسل النحل من محل مشهور بالمنطقه وكاننا من كبار الرياضيين ، كثيرا ما قادتنا همجيتنا الى المهالك ، نزلنا نشترى فطار للاسره يوم جمعه ، لم اتاخر عندما طلب منى احدهم ان يزور الاحياء المائيه بالقلعه ، ركبنا مواصلات الى هناك واستمتعنا بمشاهدة عجائب البحار ، لم اندم عندما تذكرت اننا نزلنا لاحضار الفطار ، عدنا قبل صلاة الجمعه وسعادتنا بمغامرتنا كانت اقوى من اى توبيخ تلقيناه ، اما رحلات حديقة الحيوان فكان لها مذاق خاص ، سندوتشات الفول والدب الذى خطف كيس الطعام واطعام الاسد والفيل وكلب البحر ومشاغبات القرود ، كنا نعود والسعاده تشعرنا ان لنا اجنحه نطير بها على الارض وتظل معنا ايام كثيره تاليه.
اما فى البيت فكانت لنا العابنا المميزه ، كثيرا ما نصبنا ملائة سرير على هيئة خيمه نجلس تحتها ونبدا اللعب والحكى ، وعندما نكون فوق سريرهم الصغير نتخيل اننا على مركب فى عرض البحر نصطاد السمك ، اذا تخيل احدنا انه اصطاد سمكه يصرخ سمكه سمكه ، وعندما يتدلدل احدنا من فوق المركب ممثلا انه اصطاد سمكه كبيره تحاول سحبه الى الماء ، لا ننتهى من هذه الجلبه إلا عندما تصدر الاوامر "بطلوا دوشه .. متعرفوش تلعبوا من غير صوت" وقتها نطفأ الانوار لنبدأ الحكى ورؤوسنا قريبه من بعضها حتى يسمع كل منا الاخر ، اما انفاسنا الساخنه فتعجل بنومنا وكل منا يحتضن شريكه فى المغامره. 
كبروا .. لم يكبروا فجاه بل رويدا رويدا ، بداية فترة الدراسه تباعدنا قليلا ، لعنة الله على جدول الضرب الذى باعد بيننا لانى المسئول عن تحفيظه لهم ، كبروا واصبح اصدقائهم اكثر قربا لهم ، تحولت حاجتهم من اللعب والحكاوى الى حاجتهم لزيادة مصروفهم اليومى ، كبروا اكثر واكثر ، وكلما كبروا كلما  تغيرت نظرتهم واهتماماتهم ومسئولياتهم وازداد تباعدنا ، فى الجامعه تعرفوا على الاصدقاء والصديقات ولم يعد معنى للسرير الذى كنا نتخيله سفينه ولا ملائة السرير التى كانت خيمتنا ، وتزوجوا وسافروا ليستقروا بعيدا عنى ، وبعد ان كنت رقم واحد عندهم او الثانى على اقصى تقدير ، اصبحت عندهم فى المرتبه الرابعه او الخامسه فى احسن تقدير ، لم ولن يزعجنى هذا ابدا فهذه هى سنة الحياة.
والان وانا فى الخامسه والسبعين من عمرى ، هل قل حبى وشغفى بهم ، ما زلت اهتم بهم واى منهم اراه فى مرحلة ضعف لاى سبب يعاودنى الحنين لكى احمله فوق راسى ليكون اعلى منى ، لم تعد مشاكلهم بالبساطه وسهوله الايام الخوالى ، ولكنى دائما على استعداد بكل ما املك وبعمرى لازيح عنهم اى مكروه ، ودائما ادعو الله ان يديم عليهم نعمة النجاح فى الحياة والصحه والستر ، وكم تمنيت ان يبادر احدهم ويطلب منى "بقولك ايه يا حاج .. ما تيجى نلعب لعبة صيد السمك ، بس مش عاوزين نعمل دوشة لحسن الحاجه الله يرحمها تزعل مننا ".