الحشاش
لم يمضى على عملى بالبنك الا شهور قليله ، كسبت خلالها ثقة
استاذ محسن رئيس القسم ، توافقت كيمياء صداقتنا منذ الوهلة الاولى ، رغم اختلاف
تركيبتينا الجسديه ، فهو يتمتع بكرش ضخم وصلعه لامعه ونظاره سميكه وبياض واضح لبشرته
، اما انا جسدى الضعيف يوحى لمن يرانى انى احتاج للعرض على طبيب تغذيه لبناء جسدى
، لم ارى فى نفسى ما يقربنا سوى شراهتنا للتدخين.
قبل نهاية يوم عمل وجدته يقول لى "النهارده انا
معزوم على قعده هتعجبك .. همرعليك تمانيه بالليل الاقيك جاهز" ، ركبت معه
السياره وانا فى قمة الشياكه ممنيا النفس بعزومه فخمه على العشاء ، صدمت عندما
وجدته متجه بالسياره الى منطقة باكوس وازدادت دهشتى عندما رايته يركن سيارته قائلا
"يللا بينا" ، نزلت وفى ذهنى ان مطعم فخم جديد فتح بهذه المنطقه الشعبيه
، سرنا فى شوارع جانبيه وزقايق وحارات ضيقه ، الى ان وصلنا الى حاره من تلك الحارات
التى يمكن للجار وهو فى شباك بيته ان يسلم يدا بيد على جاره فى شباك البيت المقابل له.
عند باب بيت عتيق تجلس على عتبته عجوز ترتدى السواد وقبل
ان ندخل من هذا الباب سالتنا "عاوزين مين يا فنديه" ، لم يرد عليها
استاذ محسن وبدا صعود السلالم وانا خلفه فى حالة هلع وذهول ، فى نهاية السلالم باب
خشبى متهالك فتحه ، لاجد نفسى على سطوح البيت وثلاثة رجال يتوسطونه يجلسون على
حصيره وامامهم طبليه صغيره عليها منقد مملوء بالفحم المتوهج وجوزه ومعسل وعدة سطور
من الحشيش المرصوص بنظام ، اما على الارض فتوجد مجموعه من اقماع فخاريه معباه
بالمعسل ، خلع استاذ محسن حذائه وجلس دون ان يتفوه باى كلمه او سلام ، فعلت مثله ووضعت
حذائى تحت فخدى الايمن حتى اذا حدث امر مريب ارتديه واجرى ، تكونت منا دائره حول
الطبليه ، ثلاثتهم يسترهم جلاليب غير نظيفه وكانهم حمالين فى سوق الخضار القريب ، وبدات
الجوزه المعمره تدور دون حديث او حوار فالكل فى حضرة الحشيش سكون ، تعلمت وقتها
طقوس جلسات الحشيش ، اولها اذابة الفوارق بين الطبقات وثانيا لا كلام ولا سلام فكل
فى ملكوته الخاص ، كنت استلم الجوزه من جارى اسحب انفاس سريعه عديده وكانى مولود
فى غرزه ، رغم انها المره الاولى فى حياتى التى ادخن فيها شيئا غير السجائر ، فى
البداية حاولت التحكم فى مشاعرى واندهاشى مما انا فيه ، ولكن كلما مر الوقت وزادت الانفاس
كلما تغير احساسى المتحفظ نحو الموجودين ، حتى وصل بى الامر فى النهايه انى تمنيت
لو كانوا زملائى بالبنك ، ولما لا فكفائتهم فى التحشيش يوحى بكفائتهم فى اى عمل
يقوموا به.
حتى يزداد استمتاعى بالانفاس كنت ارفع راسى لاعلى
وانا انفث الدخان من انفى فالمح القمر واراه اجمل وابهى قمر رايته فى حياتى ، اما السماء
فلم اراها بهذه الروعه وهذا الصفاء من قبل ، والهواء ، ياااه على الهواء ، ابتسامتى
تحولت الى ضحك ذاتى متقطع دون سبب ، شعرت انى اخف وزنا اننى اطير وانا فى مكانى ، لا
ادرى ما الذى دعانى للوقوف فجاه هل لاختبر قدرتى على الطيران ام ما ذا ، تجولت فى
ارجاء السطوح واضعا يدايا فى جيوب بنطلونى وكانى جنرال او قائد منتصر اما الجالسين
حول الطبليه هم جنودى البواسل ، عندما وصلت لسور السطح لمحت على سطح البيت المقابل
الاقل منا ارتفاعا زوج من الديك الروميه تتبختر فى مشيتها ، هيأ لى عقلى اننى ما
دمت جوعان لماذا لا اقفز على السطح المقابل وااكل هذه الديكه ، من المؤكد سيكون
طعمها نيئا رائعا ، احسست بطعمها ومذاقها فى فمى فلم اقدر على مقاومة رغبتى فى
القفز ، ناديت على صديقى محسن قائلا "تعال يا محسن شوف الرومى الجميل ده ،
انا هنط اجيبه وناكلوه سوا ، اكيد طعمه هيبقى عسل " ، نهض محسن وواحد من
الثلاثه ، امسكونى وانا فى محاوله جاده للقفز لاحضار الديكه الروميه ، قاومتهم وهم
يحاولون منعى وتعجبت لماذا يمنعونى وانا فى سبيلى لتجهيز عشاء رائع لنا جميعا ، لم
افلح فى اقناعهم ان الامر بسيط لان المسافه بين السطحين قريبه فلا تخافوا ، ناضلتهم
بعنف ولم اهدأ إلا وانا ومحسن فى الشارع الرئيسى عند السياره.
اوصلنى الى ناصية الشارع الطويل الذى يصل الى بيتى ،
انتابنى احساس فظيع بالجوع ينهش معدتى ، ما اقلقنى هو خطواتى المهزوزه المترنحه ،
تارة تاخذنى خطواتى يمينا ومره اخرى يسارا ، لحسن حظى هدانى تفكيرى للتغلب على
ترنحى هذا ان اتخذ الرصيف مرشدى ، فقررت السير بجوار الرصيف وكل خطوه اخطوها اتحسس
بخارج قدمى اليمنى الرصيف فانتظمت خطواتى او هكذا خيل لى.
حمدت الله ان عربه سندوتشات السجق القريبه من بيتى ما
زالت تعمل ، طلبت رغيفان التهمتم بشراهه ومن محل الحلويات الشرقيه والهريسه المجاور،
طلبت ربع كيلو هريسه انهيته قبل ان اصل لباب البيت ، ما زال راسى مملوء بالافكار
والهلاوس وما زالت الديكه الروميه تلعب فى خيالى ، ندمت انى استاذنت محسن قبل
القفز على السطوح المقابل ، هذا بيتنا .. هذا الباب .. اخرجت المفتاح من جيبى وبصعوبه
تمكنت من ادخاله فى المكان المخصص له بعد عدة محاولات ، وكل مره افشل فيها تنتابنى
كريزة ضحك هستيرى ، واخيرا دخلت لافاجأ بان السلالم تتارجح ، استندت على سور السلم
وببطء صعدت درجه درجه الى ان وصلت الى باب شقتنا ، دعوت الله ان يكون كل من فى
البيت قد راحوا فى نوم عميق ، بهدوء انسليت الى حجرتى ، ولكنى ما زلت جوعان ، رجعت
الى المطبخ لاجد امى قد تركت لى ربع ارنب على طبق ارز ، حملته ودخلت حجرتى ، التهمته
قبل ان اخلع ملابسى التى لا ادرى كيف خلعتها ، وبدات رحلة العذاب لارتداء بيجامتى
، كنت كساحر خطير فقد قدرته على السحر والتركيز ، فلم يميز هل يدخل يده فى رجل
البنطلون ام القدمان وبايهم يبدأ .. الرجل اليمنى اولا ام اليسرى ، وفى كل مره افشل فى تحديد هدفى اضحك
وكلما حاولت كتمان ضحكتى تزداد رغبتى فى الضحك الى ان انتهيت بعد مجهود جهيد من
ارتداء بيجامتى ، ارتميت على السرير ناظرا لسقف حجرتى فرايته يدور فوقى ، اما
السرير فقد لاحظت انه يتارجح يمنه ويسره ، فامسكت بكلتا يداى طرفى السرير حتى لا
انزلق واسقط من فوقه ، تزداد ضحكاتى وتزداد محاولتى كتمانها لادخل فى سلسله من
الضحك لا تتوقف ، وانا وسط هذه الملاهى التى احسها من السرير والسقف ، هاجت على
معدتى فاخرجت كل ما فيها على دفعات وبصوت مزعج وانا غير قادر على ترك طرفى السرير
حتى لا اقع على الارض ، خرج كل ما استفرغته على صدرى وعلى السرير وانا بين الضحك
والصراخ وارجاع كل ما فى معدتى وهو كثير ، فرايت كما لو انى فى حلم عدة رؤوس تنظر
لى ، بتركيز شديد تعرفت على راس امى وانا ما زلت اعانى من دوران السقف واهتزاز
السرير ، ومن هذا ؟ اخى واختى ، تعلو ضحكاتى لان ابى لم يستيقظ حتى الآن.
تكاثروا على وبصعوبه فكوا يداى من طرفى السرير وانا
اتعجب كيف لا يقعون والسقف والارض يدوران والسرير يتارجح ، لم افق الا بعد ان سقانى
اخى فنجان قهوه ساده ، وحملنى الى الحمام وغيرت جميع ملابسى ، وقامت امى بتنظيف
حجرتى وفرش جديد لسريرى.
عدت الى حجرتى لاجد ابى فى انتظارى ، بصق فى وجهى ولسعنى
قلم على وجهى وقال لامى وهو خارج من حجرتى " الولد ده ملوش عيشه معانا بعد
المسخره والفضايح اللى عملها" .
صباح اليوم التالى وصلت البنك ، لم القى تحية الصباح على
الاستاذ محسن ، وقدمت طلب نقلى الى قسم آخر ، ومن يومها اذا دعانى صديق على عزومه ان
اساله عن مكانها ، ان قال لى باكوس اقوله يفتح الله فوت بكره.
"هذه مغامرة صديق عزيز على .. وقال لى انها مغامرته
الاولى والاخيره فى هذا المجال لانه شعر بحقارة ما قام به"