الجمعة، 21 ديسمبر 2018

راديو بعين سحريه


فى خمسينيات القرن الماضى كنت اسمع عمتى تردد بصوت عالى .. القيامه قربت تقوم ، اسالها عن السبب ، فتسخر من غباء سؤالى ، وتكمل بثقه ليس فيها اى شك ، انت اعمى ما بتشوفش ، الحديد بيطير فى الهوا ، اقول لها دى طياره يا عمتى ، تزغدنى فى كتفى بيدها المعروقه وهى تصفنى بالحمار اللى مبيفهمش حاجه.
فى اليوم المشهود ، حضر الدكتور مصطفى مرتديا البالطو الابيض حاملا حقيبه جلدية لا تفارقه ابدا ، لاعطاء حقنة الانسولين لامى ، فى الحقيقه لم يكن طبيبا ولكنه ممرض بالمستشفى الاميرى ، حاز ثقة الجميع لقدرته على وصف الدواء لاى مرض ، فنصبوه دكتور الحى.
 كان الدكتور حكاء ماهر وفصيح ، ما ان ينتهى من عمله واثناء تقديم الشاى يسرد حكاياته الشيقه فربما يندمج ويطول الوقت فيقدم له عشاء مخصوص يليق بمقام الدكتور ، ولكن ابى كان حاسم ففور انتهائه من شرب الشاى قال "نورتنا يادكتور" ، كررها ليفهم الدكتور ان الزيارة انتهت ، اثناء وضعه معداته داخل شنطته الجلديه تنهد بعمق قائلا تصدق بالله يا حاج الدنيا تطورت بشكل يخوف ، وصمت ، ردعليه ابى بدون حماس .. ازاى يادكتور ؟؟ ، انفرجت اسارير الدكتور وهو يقول "عمرك شفت راديو بعين سحريه "
استغرب ابى واستفسر .. ازاى يعنى ؟؟
اكمل الدكتور : الراديو اللى احنا عارفينه ، صندوق خشب بحجم نص دولاب الخزين ، توصله بالكهربا يتكلم ، امس شفت راديو عجيب وغريب ، حجمه صغير بس شكله تحفه ، وفيه عين سحريه ، والله العظيم عين سحرية ، كلمة سحريه وسحر شدت انتباه ابى فساله بتتكلم جد يا دكتور ، اكمل الدكتور : شوف ياحاج ، اول ما تفتح الراديو تطلع منه عين سحريه لونها ازرق  تنور شويه شويه لغاية ما تبقى زى نور اللمبه الكهربا ، وبعدين الراديو يتكلم ، بس صوت ايه ؟ كانه ميكرفون ، ومحطات ايه ما تعدش .
انبهر ابى من الوصف ومن كلمة سحريه .. وقال راديو بالوصف ده اكيد يا دكتور هيكون سعره غالى نار.
رد الدكتور : لا ابدا ده كل الحكاية عشرين جنيه ، ومش هيندفعوا مره واحده ، ده الراجل هيآخد اتنين جنيه كل شهر ، عشر شهور يمروا هوا ، ويبقى عندك راديو ، ومش اى راديو .. ده راديو بعين سحريه.
    كانت الاسره التى لديها راديو فى تلك الايام تعتبر من العائلات الموسره ، واستكملا الحوار اثناء تناولهما العشاء ، واتفقا ان ينزلا فورا الى المحل للمعاينه والفحص واتخاذ القرار ، وعشنا جميعا على اعصابنا نكثر من الدعاء ، عل ابى يوافق ويصبح فى بيتنا راديو بعين سحريه.
لم يغب ابى كثيرا وعاد مبهورا منشرحا ، سمعته يحدث امى بثقه وفخر : ابسطى يا حاجه الراجل صاحب المحل بنفسه جاى بكره المغرب ومعاه الراديو ، لم استطع إظهار فرحتى ورغبتى فى ضرب شقلبظات كالبلياتشو فى حضرة ابى ، فالمسموح لنا هو الابتسام والامتنان لا اكثر ، كان وجود راديو بالشقه يستلزم طقوس واجراءات كثيرة ، نحتاج رف يستقر فوقه الراديو ، ومفرش انيق يليق بمقامه الرفيع ، تم تكليف اخى لاستدعاء صابر النجار ، واختى ذهبت تستدعى ام سعيد الخياطه ، نصف ساعة وحضروا ، وبدات دراسات الجدوى لتحديد شكل ومكان الرف وارتفاعه وشكل المفرش ونوع التطريز عليه ، قرر ابى ان يكون الرف فى اوضة القعاد وهى الحجرة الرئيسية التى تجلس فيها امى اغلب اوقات اليوم ، لها بلكون صغير لجلسة العصارى إذا كان الجو يسمح ، حدد ابى مكان مرتفع للرف حتى لا تطوله ايادى الولاد الصغار.
بعد صلاة عصر اليوم التالى حضر صابر النجار وبعده بقليل حضرت ام سعيد الخياطه ، نصبت الطبلية لغداء جماعى محترم احتفالا بالوافد المنتظر ، بعد الغداء والشاى تم نصب الرف والمفرش فوقه ولم يبقى الا وصول العريس ، اعادت اختى تنظيف المكان ، اطلقت امى البخور ، وجلسنا ننتظر حضور ابى وفرقته ، هلوا علينا قبل صلاة المغرب ، طلب الرجل حامل الكرتونه الفخمه التى يرقد فيها المحروس ابوعين سحريه كرسى للوقوف عليه لتنصيبه فوق مفرش الرف ، تم اخراج العريس من الكرتونه بحرص شديد وكانهم يخرجون مولود من احشاء امه ، الجميع صامت مشدوه مترقب فاغرين افواهنا ، واخيرا ظهر الراديو لاول مره امام اعيننا ، خشيت ان يتوقف قلبى من سرعة دقاته ، يا الله ما هذا الجمال والتناسق ، لونه البراق خلب بصرى حتى انى تخيلت انه سينطق قبل تشغيله ، حمله الرجل وصعد به على الكرسى ، بسرعه امسك ابى واحده من ارجل الرجل ليساعده على الثبات فوق الكرسى خشية ان يفقد توازنه فيتحطم الحلم الجميل ، ثم هجم الدكتور على الرجل الاخرى يمسكها واخى الاكبر خلفهم تاهبا لاى طارئ ، اخيرا تم وضع الراديو على الرف بنجاح ، النشوه الظاهره على وجه الرجل هى نفسها نشوة رائد فضاء قام بتثبيت مركبته الفضائية على سطح القمر ، نزل بشموخ من فوق الكرسى وقام بتوصيل الكهرباء ، بكبرياء طلب من ابى الاقتراب منه ليشرح له طريقة تشغيله وغلقه ، احسست اهتمام ابى وكانه المسؤول الاول عن إطلاق مكوك للفضاء الخارجى ، سمعت من يشهق ومن يصلى على النبى ومن يقرأ الفاتحه ومن يتلو سورة الكرسى ، نطق الرجل بحزم .. هدوء يا جماعه وسمعونا الصلاة على النبى ، حرك مفتاح التشغيل ، يالا العجب ظهرت لمبه زرقاء فى وسط الراديو ، بدت اولا بضوء خافت ، رويدا رويدا يزداد ازرقها وضوحا ، اضيئت العين السحريه ، توهجت فى شكل جميل وسط الراديو ، يا سبحان الله ، سمعنا صوت مذيع يتكلم فى السياسه ، افادنا الرجل دى نشرة اخبار تمانيه ونص ، سامعين الصوت واضح ازاى ، ممكن اعلى الصوت كمان ، حرك المؤشر ناحية اليمين فازداد الصوت علوا ، ظل يحرك المؤشر يمينا ويسارا ليرتفع الصوت وينخفض ونحن مبهورين ، بعد ان خفض الصوت اشار الى مؤشر آخر .. ده عشان المحطات ، الراديو ده يا حاج فيه ستاشر محطه ، بدأ يحرك المؤشر فنسمع اخبار ثم قرآن كريم وهذه تمثيلية واغنيه ،  يا سبحان الله بهذه السهوله نعلى الصوت ونخفضه ونجيب المحطه اللى احنا عاوزينها ، سبحان الله.
لم يمر يوم إلا وجميع الجيران عرفوا ان فى بيتنا راديو بعين سحرية ، ومن يومها واصدقاء امى يجتمعوت عصرا لمتابعة الاستماع للتمثيليات ، اما انا ، آه من انا ، غيرت اسلوب نعاملى مع اصدقاء الحى ، كيف لا اتعالى عليهم وفى بيتنا راديو ومش اى راديو ، ده راديو بعين سحريه  ، ما ازعجنى هو تخيلى عند عودة عمتى من السفر هتلاقى الحديد بعد ما طار بقى الحديد بيتكلم.
من خلال هذا الراديو العجيب استمعنا الى خطب عبدالناصر وتمثيليات الدندورمه وعلى بابا والاربعين حرامى ومعروف الاسكافى وعواد باع ارضه وطبعا حلقات من ارشيف المحاكم وتمثيلية القط الاسود وسماره وعرفنا عبدالحليم وعبدالوهاب وام كلثوم وفايزه احمد والشيخ عبدالباسط وعلى الناصيه.
كانت ايام لذيذه سعيده بسيطه ، الحب والود والتراحم يملأ قلوب الجميع ، الالفه والتسامح واحترام الكبير والعطف على الضعيف والصغير هى سمة هذا العصر ، ابتسامه رضا تعلو الوجوه ومسحة رضا بقضاء الله وقدره .. ايام .. ليتها استمرت او ليتها تعود .


ملاحظه : قد يتعجب شباب هذا الجيل من انبهارنا براديو تظهر فيه لمبة زرقاء ، وقتها لم يكن هناك كمبيوتر شخصى او لاب توب او تلفزيون
  او دش او تليفون نقال او انترنت او فيس بوك او تويتر ، إرجعوا للشبكه العنكبوتية استعلموا عن تاريخ ظهور هذه الادوات فى مصر ، قد
  تتعجبوا عندما تعرفوا انها دخلت مصر منذ خمسينيات القرن الماضى  ..
     ولكننا وللحقيقه ..فى عصرنا وشبابنا .. كنا اكثر منكم إنسانية وحب وإطلاع وعلم وصدق ، كنا اكثر احتراما لكبارنا ، آبائنا .. مدرسينا ، كنا  
     نقرأ كثيرا ، لم نعرف الدروس الخصوصية ، كنا نحب مصر ونضحى من اجلها بارواحنا ، شوارعنا نظيفه حياتنا بسيطه ولكنها غنية بالمعانى  
     والمثل العليا ، كنا نقرأ وانتم تنظرون ، كنا نبتكر وانتم تقلدون ، كنا اقرب للانسان واصبحتم اقرب للآله.
    عشنا فى عهد عبدالناصر وتعيشون فى عصر ليس فيه عبدالناصر ؟؟؟