قليل البخت يلاقى العضم فى الكرشه
=================================
كلما وقع نظره ابوه عليه يساله :هاه لقيت شغل ؟ ، الاجابه
دائما : والله يا بابا قدمت ورقى فى مليون مكان ولم اوفق ، ليسمع ابوه يتمتم بصوت
منخفض : فاشل والله العظيم فاشل ، فى البدايه كانت هذه الكلمه تزعجه تمزقه ، حتى
نظرة ابيه كانت تحرق اعصابه ، كثيرا ما تمنى العمى حتى لا يرى تلك النظرة ، ثلاث
سنوات منذ تخرجه وهو يبحث ويفشل ، لا المؤهل الجامعى ولا التقديرالمرتفع يوفرا
وظيفه ، بدون واسطه لا يملكها لن يجد وظيفه ، شعور بالانكسار والمذله عندما يستلم
مصروفه اليومى من يد امه ، كثيرا سمعها وهى تدعو له بسعة الرزق والتوفيق من الله
عز وجل ، ثلاث سنوات يسمع دعائها الغير مستجاب ، سالها مره : شوفى يا امى ، طالما
دعواتك لا تستجاب ، ما تدعى على ، يمكن ربنا يآخدنى بدل ما انا قاعد عاله عليكم ، فتقول
له "استغفر الله العظيم ، بكره هتروق وتحلى ، بس انت اصبر ، ربنا معاك يا
ابنى ، ربنا يسهل لك طريقك ويفتح لك الابواب المقفوله".
وصل مصطفى الى المقهى ، وجد صديقه نبيل قد سبقه ، سحب
كرسى وجلس قبالته متسائلا : ايه يا بلبل لقيت شغل ولا زى حالاتى ؟ ، سحب نبيل نفس
من سيجارته قائلا : يظهر اننا محسودين او معمول لنا عمل ان احنا عمرنا ما هنلاقى
شغل ، اكمل حديثه بغضب ، انا اللى مضايقنى فى الدنيا دى ابويا ، كل ما يشوفنى
يقوللى " لغاية امتى هفضل اعلف فيك يا بغل" ، بالذمه يا مصطفى فيه بغل
وسيم وسكر زى حالاتى ، ران الصمت على الجلسه ، سرح مصطفى الفاشل ونبيل البغل كل فى
افكاره وهما يشربا الشاى.
سال مصطفى صديقه نبيل عن سر اختفاء ثالثهم سعيد المنحوس
، ايكون صدرت اوامر ابوه بحبسه فى البيت لغاية ما يجيله العدل ويجوزوه ، ضحكا
بمراره ، ليفاجئوا بوصول المنحوس ، تصدقوا بالله انا نحسى اتفك ، اصبروا هقولكم
القصه وما فيها ، انا يا بغال يا فشله جبت عقد عمل للكويت ، وانا بابحث عن شغل
لقيت مكتب سفريات بيآخد خمسميت جنيه ويسلمك عقد عمل بالكويت ، ساله الفاشل
"وانت هتجيب منين الفلوس وابوك ابخل واحد فى الدنيا ، رد سريعا : ما انا روحت
لاخويا اللى فى الاسماعيليه اخدتهم منه ومضيت له على ورقه امانه ، وسلمت الفلوس
النهارده الصبح للمكتب ودى صورة العقد ، واخرج من جيبه العقد ، دى صوره وخلال
اسبوع هكشف طبى واستلم تذكرة الطيران والعقد الاصلى موثق يعنى بالكتير اسبوع واكون
فى الكويت ، انبهر مصطفى ونبيل ، وسالا سعيد المنحوس ، طيب هوه لسه عندهم عقود ولا
خلصوا خلاص ؟ ، افادهم بانهم محتاجين ناس كتير ، بس كل ما استعجلتم يكون اضمن. وافترقوا
بصعوبه اقنع مصطفى الفاشل امه بضرورة تدبير خمسمائة جنيه ، وكذلك فعل نبيل
البغل مع والديه ، ويوم ان تقابلا لاجراء الكشف الطبى واستلام تذاكر الطيران كانت
سعادتهم بالغه لان حجز الطيران توافق مع حجز صديقهم سعيد.
غمرت السعادة ثلاثتهم ، كانت سعادة مصطفى ونبيل اكثر ، ستنمحى كلمة فاشل من
قاموس والد مصطفى ، وكلمة البغل من قاموس والد نبيل ، اتفق ثلاثتهم على ان يجتمعوا
صباح كل يوم على المقهى ليذهبوا الى مكتب السفريات لاستلام عقودهم الموثقه فور
وصولها ، من يومها اصبح محور حديثهم يدور حول المستقبل الزاهر الذى ينتظرهم والايام
الجميله السعيده التى سيعيشوها بالكويت وايام الرخاء التى سينعمون بها واحلام
ورديه كلها امل وثقه فى المستقبل.
اليوم وهم مجتمعين صباحا بالمقهى ، سمعوا من خلال المذياع خبر نزل عليهم
كالصاعقه ، كاد الشلل يصيب ثلاثتهم ، كان اليوم هو يوم الخميس الثانى من اغسطس سنه
1990، يوم اسود ، يوم غزو العراق للكويت ، يوم تحطمت فيه احلام مصطفى ونبيل وسعيد
، نهضوا ركضا كالمجانين الى مكتب السفريات ، وجدوه مغلق وحتى لو مفتوح فالكويت لم
يعد هناك مجال للسفر اليها ، عادوا منكسرين للمقهى ، قال مصطفى : يظهر انه مكتوب
عليا افضل فاشل فى نظر ابويا ، رد نبيل : وانا ابويا هيفضل يقولى يا بغل لغاية ما
هنسى الكلام وانهق ، اما سعيد المنحوس نطق بالحكمه البليغه "قليل البخت يلقى
العضم فى الكرشه" انفجروا ثلاثتهم فى ضحك كالبكاء ، وضاعت احلام ثلاثة شباب
انهوا دراستهم الجامعيه بتفوق ولكن ليس لهم واسطه ليعملوا فى بلدهم ، ولا يوجد
حكام عرب راشدين يعرفون ان اختلافاتهم ستقضى على آمال شباب يريد الحياة حتى ولو
خارج اوطانهم.