الاثنين، 24 ديسمبر 2018

خير اللهم اجعله خير

خير اللهم اجعله خير
"في يوم 22 نوفمبر 2012 أصدر الرئيس محمد مرسى إعلانا دستوريا مكملا يحصن الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية من الطعن عليها امام اية جهة قضائية ، اعتبره الكثيرين انه إعلان كارثى"

تنهد مصطفى بحسره وهو يتابع الدخان المتصاعد من كوب الشاى ، تذكر اول يوم استلم فيه العمل بالمؤسسه ، بابتسامه طيبه استقبله عم شعراوى رئيس الارشيف ، رجل طيب بشوش خمسينى العمر ، ما زالت اول عباراته تطن فى اذنه ، الشغل هنا يا ابنى زى الشغل فى المقابر ، التربى بيحرس الاموات ، واحنا فى الارشيف بنحرس الملفات  اللى ماتت ، سأله فى جلسه صفاء .. هوه ليه يا عم شعراوى محدش بيزورنا من الموظفين ، عم خليل الساعى يمر صباحا بصينية وكوبايتين شاى ، ينضف السرداب ، ومنشفش وشه إلا آخر اليوم وهو بيآخد الكوبايات الفارغه ، يومها شرد ذهنه من رد عم شعراوى ، مش هتصدقنى لو قلت لك ، الكل يظن ان السرداب ده مسكون بالعفاريت ، عارف يا مصطفى يا ابنى ، رئيس الشركه والمفتشين بيخافوا يجونى هنا ، بالتليفون يطلبوا الملفات اللى عاوزينها انما محدش يجرأ يجينى هنا ، هز مصطفى راسه ورسم ابتسامه الغير مصدق ، اكيد انت بتهزر ياعم شعراوى ؟ وانتابته قشعريره عندما اجابه .. لا والله يا ابنى ، انا باقولك حاجه متاكد منها تماما ، صمتا ولم يعاودا الحوار فى هذا الموضوع .
لم تدم عشرتهما الطيبه الا سنوات قليله ، توفى بعدها عم شعراوى ، الملل والكآبة سيطر على مصطفى ، كان المرحوم انيس له فى هذا السرداب الرطب ، فشل فى استماله عم خليل ليمر عليه مرتين ثلاثه فى اليوم يؤنس وحدته ، الوقت طويل والعمل معدوم والوحده والضوء الخافت تصيب النفس بالافكار المرعبه ، قرر ان يحضر معه بعض الكتب وراديو صغير ، فى احد الايام وهو مندمج فى قراءة روايه ، احس بحركه شدت انتباهه ، نظر امامه ، وجد عم شعراوى جالس على مكتبه القديم ، نظر فى عينيه ولم ينطق ، تسمر، شل فى مكانه ، انتفض شعر راسه واراد ان يصرخ فانحبس صوته فى حلقه ، فرك عينيه بيده ، دقق نظره فلم يجد شيئا ، دقائق كانها ساعات تمكن بعدها من استعادة السيطره على نفسه ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، اقنع نفسه بان ما حدث نتيجة إجهاد او تفكير عميق ووحشة لعم شعراوى ، مرهذا اليوم بصعوبه ،  قبل انصرافه حدث ما اكد له خوفه ، فقد تعود قبل انصرافه ان يطفئ الانوار وهو بجوار الباب الخارجى ، اليوم عندما اطفأ الانوار وهو يهم بغلق الباب ، احس بانفاس قريبه من وجهه ، وخيال ينسل خارجا ، ترك الباب مفتوحا وجرى صارخا وهو يصعد السلالم للدور الارضى.
التف حوله موظفى الشركه ، يساعدوه على الوقوف ، اجلسوه على كرسى ، ناولوه كوب ماء ، سالوه ، حكى لهم ما حدث ، استغربوا قصته ، كيف هذا ولم يعين بالشركه موظف باسم شعراوى ، قال لهم طيب اسالوا عم خليل الساعى ، ضحكوا .. خليل مين يا استاذ مصطفى ، الشركه فيها ساعى واحد هو سمير الدمياطى ، ظل يقسم لهم ان عم شعراوى هوه من علمه الشغل ، وعم خليل هو اللى بيجيب الشاى كل يوم الصبح ، طيبوا خاطره وسمح له المدير باسبوع اجازه ، على وعد ان ينقله من العمل بالارشيف.
عاد الى الشركه بعد ان قضى اسبوعا عصيبا  ، حاول خلاله العثور على عنوان عم شعراوى ولكنه فشل ، لم يجرؤ النزول للارشيف وطلب مقابله المدير لنقله لقسم آخر ، وقف امام المدير ناظرا الى الارض سائلا عن الادارة التى سينقل اليها ، رد عليه المدير .. انا عارف يا بنى ان الشغل فى الارشيف زى شغل التربى ، التربى بيحرس الاموات وموظف الارشيف بيحرس الملفات الميته ، تفاجأ من نبرة الصوت ومن العباره التى قالها المدير ، رفع مصطفى راسه ناظرا الى المدير ، دقق فى ملامحه ، انتفض ، نفس الملامح ، نفس الهيئة ، طريقة الكلام ، انه عم شعراوى ، بعطف بالغ ساله المدير ، مالك يا مصطفى يا ابنى ؟ رد وهو يرتعد مفيش ياعم شعراوى ، وسقط مغشيا عليه .
افاق مصطفى ليجد نفسه ممددا على سريره ، وامه بجواره تملس على راسه وهى تقرأ آيات من الذكر الحكيم ، فتح عينيه ببطء ، تاكد انها امه ، ادام النظر اليها ، خشى ان تتحول هى الاخرى لتصبح عم شعراوى ، عندما اخذته فى حضنها تاكد انها امه ، طبطبت عليه ، ابتسمت فى طيبه وحنان ، حمدا لله على سلامتك يا ضنايا ، انت يابنى من ساعة ما رجعت من مظاهرات ميدان التحرير ، وبعد خطاب مرسى بتاع الاعلان الدستورى ، لقيتك يا حبة قلبى حرارتك مرتفعه وعلامات الحمى ظاهره عليك ، لم احاول ازعاجك عندما وجدتك ممدا على سريرك تغط فى نوم عميق ، لم تمر ساعه لقيتك بتهلوس وتقول اسماء غريبه ، خير اللهم اجعله خير ، خير ان شاء الله يا امه ، اصل انا حلمت براجل افتكرته طيب ، طلع عفريت او شيطان .. مش متاكد ان كان اسمه شعراوى ولا مرسى .
"اخشى ان يصاب مصطفى وكل الشعب بهذا الكابوس إذا فكر احد فى تعديل الدستور لمدد رئاسيه اخرى"