الاثنين، 23 ديسمبر 2019

نوادر رجل عجوز:                                                                         لما الواحد يوصل للسبعين من عمره وربنا كارمه بشوية صحه يفتكر انه يقدر يعمل اللى كان بيعمله فى شبابه ، وباى طريقه عاوز يظهر للى بيتعامل معاهم انه الشاب الروش الرياضى بتاع الثلاثينيات ، اللى يسلم عليه ينشف ايده ، ابتسامه مرسومه يطبعها على وجهه دليل التفائل ، المحادثات التليفونيه يحاول يحشر فيها كلمه خارجه وكانه لسه له فى الشقاوه ، فى الصيف يشوفله اى شاطئ عشان يتصور سيلفى وهو بالمايوه ، وفى الشتا والبرد قميص نص كم او بلوفر خفيف على اساس ان قلبه مدفيه ، ودايما يفتخر انه بيحب الاكل الدسم واللحمه والتدخين والقهوه ، ده غير انه فى اى نقاش هوه اللى فاهم كل حاجه فى اى حاجه وياويل اللى يعترض او يكون له راى غير رايه ، وواحده من مواهبه التى لا تعد ولا تحصى انه اثناء تصفحه للايميل الخاص به على الكمبيوتر ومشغل اغنية الاوله فى الغرام وامامه التلفزيون يعرض مباراة كرة قدم والراديو مثبت على اذاعة القرآن الكريم كل هذا ولديه القدره على تصفح جريدته بين الحين والآخر وهو متابع لكل هذا فى نفس الوقت.
بفضل الله ده حال الحاج مصطفى ابويا المحترم بعد وفاة امى واحالته على المعاش ، اقنعت نفسى بانه طالما لا يشتكى ويؤدى فروض الله كامله فلا داعى لنصيحته حتى لا اغضبه ، الى ان حدث يوم اتصل بى وبصيغه آ مره "تعال لى فورا .. سيب كل اللى فى ايدك وتعال حالا .. حالا .. فاهم يعنى ايه .. حالا" ، استاذنت من عملى وفور ان فتحت باب الشقه ، وجدته ممدد على الارض والمكتب مقلوب فوقه والكمبيوتر والشاشه عند صدره والكرسى ذو العجلات محشور تحت المكتب وعلى يمينه كوب شاى محطم وبقايا الشاى على الارض ، تخيلت فى البدايه ان لص حاول اقتحام الشقه وقام بالاعتداء عليه ، قبل ان اصرخ وجدته يقهقه ضاحكا بصوت عالى "شوفت اللى حصل لابوك" ، ازحت المكتب والاجهزه من فوقه وساعدته على النهوض مع الحرص الا نصاب بجروح من زجاج الكوب المهشم ، نقلته للانتريه بنفس الصاله وطلبت منه تفسير لما حدث وما السبب فى كل هذا ومن هذا الشخص الذى تجرأ وهجم عليك وعمل فيك كده ، وكلما سالته سؤال ازدادت ضحكته ، وبدأ الشرح وما زال يضحك.
انا قلت اعمل لنفسى كوباية شاى محترمه قبل ما اقعد على المكتب اشوف الايميل بتاعى ، قبل ما آخد شفطه من الشاى قلت ازود الاضاءه واشغل اللمبه اللى فى السقف ورا المكتب ، ما اشتغلتش ، قلت لسه هتروح تجيب السلم وتغيرها ، انا رياضى وممكن اقف فوق الكرسى ابو عجلات واوزن نفسى ، المهم وقفت فوق الكرسى ولسه باحاول امسك اللمبه لقيت الكرسى الملعون اتزحلق ودخل تحت المكتب وجابنى على الارض والمكتب اتقلب فوقى والكمبيوتر بالشاشه لقيتهم فى حجرى والحمد لله لحقت بايدى الشمال التليفون بالعده قبل ما يقع على البلاط يتكسر ، ولمحت بحزن شديد كوبايه الشاى وهيه نازله تدشدش ، بصراحه كان نفسى الحقها ، على الاقل استمتع ببوق واحد منها ، لما لقيت الوضع بتاعى وصل للمرحله المضحكه دى ، قولت والله ما انا قايم ولا متحرك الا لما اتصل بيك تيجى تشوف اول معركه ابوك يتهزم فيها من كرسى.
 هذه واحده من نوادر ابويا الكثيره والغريبه المضحكه ، اما الاكثر إثاره يوم ان جاء لزيارتى بالمكتب وهو يرتدى فردة حذاء وفردة شبشب ، "ايه يا حاج اللى انت لابسه ده ؟؟ "، انطلق ضاحكا "مش هتصدقنى  لو قلت لك انى امس كنت فى معركه مع كلب ، امس يظهر انى تقلت فى العشاء ونمت على طول ، حلمت انى ماشى فى شارع طويل ، ابص قدامى الاقى كلب جاى يجرى وهاجم على باقصى سرعه ، ورغاوى نازله من بوقه المفتوح على آخره وقاصدنى انا بالذات ، ما هو مفيش حد فى الشارع غيرى ، قلت لو جريت اكيد هيلحقنى ويهبرنى وممكن يقضى على ، ده وحش مش كلب عادى وشكله شرس من الكلاب الغبيه اللى شكلها يرعب ، استجمعت شجاعتى كالعاده وهدانى تفكيرى بسرعه ان انا كمان اهجم عليه ، عشان تعرف ان ابوك بيفكر حتى وهو نايم ، المهم قررت المواجهه وجريت باقصى سرعه فى اتجاهه ، لما قربنا من بعض لقيته بيقفز عشان يفترسنى ، وقبل ان يصل الى كنت انا كمان باقفز واسدد له شلوت بقدمى اليمنى فى وشه بكل ما املك من قوه ، استيقظت وانا اصرخ من الالم ، اتارى الشلوت اللى ضربته كان فى الحيطه اللى جنب السرير واظفر الاصبع الكبير فى قدمى بينزف ومخلوع من مكانه ، وتاكدت ان الحلم تحول الى حقيقه بس بدل ما اضرب الكلب ضربت الحيطه ، طول الليل باعمل اسعافات اوليه لاصبعى ، عرفت ليه لبست فردة شبشب  فى قدمى اليمنى ، الحمد لله ان الحلم انتهى على كده بدل ما كنت كملت على الكلب ببوكس فى خلقته كان زمانى مجبس ايدى ولابس فيها فردة الشبشب التانيه ... هوه ده ابويا اللى مش عاوز يعترف انه كبر وده سر حبى واعجابى به.

السبت، 16 مارس 2019

المشروع

 المشروع :
 استقبله ابنه فى فزع متسائلا "مين يا بابا اللى عمل فيك كده ، ايه اللى قطع هدومك وسيح دمك ، وايه الهاله الزرقا اللى حوالين عينك ، وقميصك مبلول من ايه ، قوللى مين عمل فيك كده وانا امسحه من على وش الدنيا" ، رد عليه بعصبيه "خلاص خلاص بطل دوشه دى حكايه بسيطه هحكيها لك بس روح الاول اعمل لنا كوبايتين شاى على ما اغير هدومى وآخد حمام" ، عندما خرج الاب من الحمام وجد ابنه ينتظره وامامه كوبا الشاى ، بلهفه ساله ابنه "هوه اللى بهدلك كده حد اعرفه ؟" ، لم يتمالك الاب نفسه ورد عليه بعصبيه "ما عاش اللى يبهدل ابوك وبعدين يا تتكلم بادب يا تغور من قدامى وتشوفلك مصيبه تعملها بعيد عنى ، ده سوء تفاهم بسيط فى الميكروباص مع ناس بقر وسواق مبرشم كان مشغل باعلى صوت اغنية مهرجانات اسمها لأ لأ ، طبعا انت واصحابك الصيع عارفين الاغانى المهببه دى ، وياريت سايق وهوه قاعد ثابت ، ده عمال يترقص وطاير كانه داخل سباق سرعه" ، قاطعه ابنه "يعنى هوه اللى عمل فيك كده" ، يا ابنى اصبر متلهوجنيش ، مش هوه ، دى كانت عركتين فى عركه قصدى تلاته فى واحد ، الاول البنت اللى قاعده قدامى ، قاعد جنبها راجل كبير ومحترم ، البنت من ساعة ما ركبنا وهيه بتتكلم بصوت عالى فى الموبايل مع واحده صاحبتها ، من الحوار كل اللى فى الميكروباص سمع ازاى صاحبتها قضت ليلة امبارح مع عرفه الكهربائى بالتفصيل الممل ، وكل شويه تقولها احييه كل ده يطلع منه ، ده شكله طيشه يالهوى يا لهوى.. ولما المحادثه تكون من طرف صديقتها لا نسمع ما تقوله ولا يصلنا إلا صوت الكاسيت واغنية لأ لأ ، طبعا انا كنت باتخيل اللى صاحبتها بتحكيه ، ويظهر ان جارها هوه كمان متابع ومتخيل زى حالاتى ، والسواق طاير ولأ لأ انتهت وبدات حاجه كده اسمها مفيش صاحب بيتصاحب ومفيش راجل بقى راجل والبيه السواق مش واخد باله من المطبات ، فى واحدة من هذه المطبات الكثيره اخرجت الرجل المحترم عن شعوره ، صرخ بصوت جهورى "انت يا اسطى مش تآخد بالك من المطبات ، وكمان لو سمحت وطى الزفت اللى خرم ودانا" ، طبعا ده معجبش السواق ، بعد ان سبنا جميعا وجه كلامه للراجل المحترم ، لو مش عاجبك انزل شوفلك مشروع تانى او اركب تاكسى وإذا كان الصوت مش عاجبكم سدوا ودانكم متقرفوناش فى عيشتنا ، شعر الرجل المحترم باحراج ولم يرد عليه ، كانت جارته وصلت فى حوارها مع زميلتها لمرحله حاسمه بينها وبين عرفه الكهربائى ، تدخل الرجل المحترم موجها كلامه هذه المره لجارته ، ناصحا اياها ان تكمل حديثها مع صديقتها عندما تقابلها ، تفتكر سكتت ، فورا  ردت عليه بصوت عالى ، "وانت مالك اكلمها دلوقتى ولا بعدين انا حره ، وبعدين انت طول السكه وانت عمال تتلزق فيا وانا ساكتالك ، لولا انك قد ابويا انا كنت وريتك قيمتك"  ، هنا ثار ثوره عارمه ، وكل واحد من الركاب طلع بكلمه وانا ساكت ومتابع فقط للاحداث وكانى اشاهد فيلم سينمائى وانتظر اللحظه الدراميه فى الفيلم ، مجددا لم ينتبه السائق لمطب بالطريق ، لكنه هذه المره مطب مرتفع ومع السرعه الزائده لم يستقر احد على مقعده وكادت رؤوسنا تصطدم بسقف السياره ، فجأه سمعت صرخه عاليه صادره من المقعد خلفى "الحقونى هموت يا ولاد الكلب" ، نظرت خلفى لارى فتاه وبجوارها امراه متشحه بالسواد والتى اتضح فيما بعد انها ام الصارخه ، وايدت الام صرخة ابنتها بصرخه اعلى منها "الحقونا يا ولاد الكلب ، البت هتولد" ،  لم يستغرق الامر ثوانى معدوده لاجد البنت الصارخه والمنتظر ان تاتى بمولودها بالميكروباص قد استفرغت كل ما فى معدتها ، ولانى انا الجالس امامها فقد نالنى النصيب الاكبر مما خرج من معدتها ، بسرعه تركت مكانى وانا اسبها والعنها هى وامها ، ولم انتبه ان زوجها مستقر فى المقعد الاول ، وكان قد نهض ليستقبلنى اثناء هروبى من الاستفراغ ببوكس شديد فى وجهى ، افقدنى الوعى واجلستنى الضربه على حجر بنت الموبايل ، التى شنفت اذنى بوابل من السباب والصراخ وهى تدفعنى بعيدا عنها ، لم يستغرق هذا الهرج اكثر من ثوانى معدوده جعل السائق يتخذ قرار ايقاف سيارته بضغطه شديده على المكابح فوقفت السياره فورا ليصرخ كل من فى السياره نتيجة تخبطنا فى بعضنا البعض ، واصبت بجرح بسيط فى جبهتى نتيجة اصطدامى بمسند احد الكراسى ، بفضل الله ورحمتة فتح احدهم باب الميكروباص فقفزت خارجا واختفيت بعيدا ، عند اقرب مقهى غسلت وجهى وراسى لازيل ما لصق بها مما استفرغته الحامل وقررت عودتى للبيت بتاكسى.
 شعر براحه بعد ان حكى لابنه ما حدث ، وسال ابنه "انا اللى شاغل بالى البت اللى استفرغت ، يا ترى اتمت ولادتها فى الميكروباص؟ وهل رزقها الله بمولود ذكر ام انثى ؟ وهل هذا المولود بكى عند ولادته ككل الاطفال ام كان يردد واحده من اغانى المهرجانات؟

السبت، 16 فبراير 2019

الست فتحيه

الست فتحيه:
عصر احد ايام يونيو وصل مصطفى الى بيته بعد اداء آخر امتحانات الترم الثانى ، نادته امه ليسلم على جارتهم الجديده الساكنه من شهر مضى بالدور الارضى ، سبق ان سمع عنها ولكنها المره الاولى التى يراها وجها لوجه ، امراه تعدت الخمسين من عمرها ، سمينه ذات لحم وشحم ، وجهها الطفولى المستدير يميزه عيون ضيقه مع فم كبير وشفايف غليظه وعدم تناسق واضح فى معالمها وتضاريسها ، سلم عليها فى عجاله وتركهما ، لا يدرى السر فى الشعور نحوها بعطف وليس عاطفه ، انطبع فى مخيلته انها امراه مهزومه  مغلوبه على امرها ، ضعيفه رغم مظهرها وجسدها الذى يوحى بالقوه ، عرف كثير من النساء عاشوا حياتهن مهزومات ، تعددت اسباب هزيمتهن ولكنهن فى رايه مقهورات مهزومات ، كثيرا ما كان الفقر والعوز والحاجه هو سبب الهزيمه ، احيانا اخرى يكون السبب هو الجهل وضيق الافق ، بعض النساء كان سبب هزيمتهن طول اللسان والجدال فيما لا جدوى منه وسوء تصرفاتهن ، اما الست فتحيه فقد كانت عيونها المنكسره وصوتها الخفيض الغير مناسب لحجمها دليله فى الحكم عليها ، لعل هزيمتها نشات لعدم تمتعها باى مسحة من الجمال وحيوانية هيئتها الجسديه وابتسامتها البلهاء التى توحى بسذاجه وضيق افق وفقدان الامل ، خلال ايام تاكدت وجهة نظره فى هذه المراه المهزومه ، فقد علم من امه ان الست فتحيه هى الزوجه الاولى لابن عمها الاستاذ محمد ذلك الرجل الهزيل الجسد المهتم بمنظره وهندامه والذى يقضى معها يومان وباقى ايام الاسبوع يقضيها مع زوجته الثانيه ام اولاده.
كان عذاب مصطفى فى دنياه ان يرى امراه مهزومه ، اما ما يقتله إذا كان هذا المهزوم ضعيف لا حول له ولا قوه ، لمشاعره الفياضه وفراسته فى قراءة الوشوش والعيون تسببت الست فتحيه فى تفكيره فيها والحكم عليها بانها امراه مهزومه ، تاكدت مشاعره نحوها عندما علم من امه ان زوجها اصبح يحضر عندها لساعات معدوده كل اول شهر يترك لها المصروف ويمضى ، تاثر كثيرا وتعاطف معها وتمنى ان يكون من نصيب هذه المهزومه رجل يقدرها ويقدر عليها ، يحبها رغم بشاعة تقاطيعها ، يحول الانكسار الواضح فى نظراتها الى اشراق وتفتح ، يعلمها كيف تحب الحياة وكيف تعيشها ، يمسح عنها هذا الحزن ليحل محله سعاده وفرح ، هى تستحق من وجهة نظره هذا واكثر ، تستحق حياة جديده طازجه مع شخص يجيد العزف على هذا الجسد الضخم ، شخص يعيد لها رعشة الحب وارتباك لحظات اللقاء ، تمنى لها هذا فى خياله ولم ينسى انها متزوجه من ابن عمها ضعيف البدن والجوهر الغير قادر على اسعادها واكتفى باسعاد نفسه بالزواج من اخرى وتركها تتجرع الهزيمه بمفردها.
لم يصدق اذنيه عندما سمع من امه ان الاستاذ محمد قام بتطليق الست فتحيه ، ولم تصدق امه فرحته بهذا الخبر ، حتى انها عاتبته على سعادته بهذه المصيبه ، لاسابيع كثيره ظل يفكر كيف ينقذ هذه المراه البائسه المهزومه ، كيف يجعلها تنتصر فى ايامها الباقيه لها فى هذه الدنيا ، يعرف صعوبة من يرضى بزوجه عاقر ليس فيها اى مسحه من الجمال ، اوليس لقليلى الجمال حظ فى هذه الدنيا ، اليس فى الامثال ان لكل فوله كيال ، سال نفسه ومن اين ياتى هذا الكيال وهى لا تخرج الا عصر يوم الاربعاء لحضور درس بالمسجد المجاور للبيت مع امه ، كثيرا ما شجعها على الخروج لشراء مستلزماتها بنفسها ، ولكنها ترفض وتفضل ان تطلب من امه ان تكلف احد ابنائها بشراء ما تحتاج اليه ، كان يهدف من وراء خروجها ان يراها شعبان الفران فهو ضخم الجثه فحولته واضحه وشهوانيته ظاهره على ملامحه ، اليس رجل بهذه المواصفات قد تغريه مواصفات الست فتحيه التى فيها كل مبتغاه ، او ربما يعجب بها فاروق البقال فهو رجل ارمل ومؤكد ان لياليه تمر عليه بطيئة يجتر فيها زكريات ليالى حميميه مرت عليه من قبل ويشتهى تكرارها ، لكنها لا تخرج من بيتها الا نادرا ولا تستمع لنصيحته بالخروج لعلها تقابل من يتمناها كما هى ، وامانى الرجال متعدده ومتنوعه فى النساء.
عصر يوم وهو عائد الى بيته وجد سيارة نقل والعمال ينقلون عليها اثاث شقة الست فتحيه ، لم يكن قد مر عام واحد على سكن هذه المراه المهزومه ، صعد بسرعه ليسال امه عن السبب فى هذا العزال ، هل استاذ محمد ردها لعصمته ثانية ووفر لها سكن فى شقة جديده ايجارها اقل من هذه ، اخرسته امه بصوت حاسم "متجيبش سيرة الست دى على لسانك تانى ، لان لو ابوك سمعك مش هيحصلك كويس " تعجب من ردها وقبل ان يسالها عن السبب انطلقت قائله "اخوك الكبير اللى بنقول عليه العاقل اللى فيكم ، طلب من ابوك النهار ده الصبح انه عاوز يتجوز الست فتحيه اللى هيه فى ضعف عمره ، اتارى الوليه الناقصه رسمت على اخوك ووعدته انها هتوريه اللى عمره ما شافه ، وانت عارف اخوك ملوش فى لوع النسوان وكهنهم ، اتارى الوليه دخلت على اخوك بالحنجل والمنجل وعملت له البحر طحينه ، والله اعلم عملت له ايه كمان ، دى طلعت مايه من تحت تبن ، وانت عارف اخوك وسذاجته واللى بنقول عليه الكبير ، ده مطلعش بيفهم نصك ولا ربعك ولا طلع زيك خالص ، وابوك حلف عليها لو رجع مساء اليوم ولقاها لسه معزلتش هيرمى عفشها فى الشارع "  ، ابتسم فى بلاهه قائلا لنفسه "بالذمه ده انا كمان طلعت ساذج وبرياله ، بصراحه الراجل اللى يقول انا بافهم فى الحريم يبقى بيضحك على نفسه ، دول حريم يا با " .. وانطلق يضحك فى انتظار الايام السوداء التى ستعيشها الاسره بعد ما عزلت ست فتحيه المفتريه ويصبح اخوه الاكبر هو المهزوم الحقيقى الذى يستحق منه العطف ، ولكن لن يكلفه بشراء خبز من شعبان الفران.

الأربعاء، 13 فبراير 2019

غروب

غروب
   تعود الجلوس فى الفراندة ليتابع تحرك الشمس الحثيث نحو المغيب ، الفرق بين غروب الشمس وغروب العمر ان الشمس ستجدد شروقها اما غروب العمر فليس له شروق جديد ، كثيرا ما سال نفسه عن سر هذا اللون البرتقالى الذى تصبغ به السماء عند غروبها ، احيانا يتخيله دماء تنزفها لحزنها على وداع يومها واحيانا اخرى يراه انوار فرحه تختزنها لاشراقه يوم جديد ، هو على يقين ان لكل شيئ وقت للغروب ، هل سيكون غروبه النهائى حزين لفراق الاحباب ام مفرح لامله فى الجنه ونعيمها ، ام لكليهما ، لا يدرى لماذا اصبح اسير هذه الجلسه التى تتزاحم فيها خيالات وزكريات واحداث كثيرها جميل لا يدخل فى تفاصيله وقليلها حزين ولكن تفاصيله مؤثره ، غالبا لا يتحكم فى اتجاهات افكاره بل يترك عقله حرا يهيم فيما يريد ان يسترجعه.
     جلسة اليوم لها مذاق خاص ، فقد قرر ان تشاركه حبيبة قلبه التى فضل ان يجلسها على ركبته ، واختار جلوسها على ركبته اليسرى حتى يكون قلباهما اقرب ما يكونا لبعضهما ، عندما مالت براسها على كتفه واحاطط عنقه بيدها اليمنى وتركت يدها اليسرى تستريح على صدره وانفاسها الدافئه تخدر رقبته ، اغمض عينيه واخذ نفسا عميقا ليزداد احساسه بانه ملك الدنيا وما فيها ، تمنى لو توقف الزمن عند هذه اللحظه الرائعه ولكنه لم ينسى متابعة حركة الشمس فى رحلتها للغروب.
    لا يدرى لماذا فاضت احاسيسه بشعور حزين ، شعور بان هذه الايام ليست ايامه ولا هذا الزمن زمنه هل اصبح صفحه فى آخر الكتاب ، هل فى السطر الاول فى هذه الصفحه ام اقترب من السطر الاخير ، كل ما يعرفه ان عدد الكلمات الباقيه فى هذه القصه قليل قليل ، هل كانت قصه شيقه محبوكة التفاصيل ام كانت قصه عبثيه ليس لها معنى ، من المؤكد انها قصه ممله خاصة قرب نهايتها ، السطور اصبحت مكرره والافعال والتصرفات مكرره ، اصبح هذا الزمن غير مناسب له ولا ينتمى له ، يوميا تاتيه اخبار القبض على مسئولين كبار للرشوه او الاختلاس ، لاعب كره غير موهوب يحصل على ملايين الجنيهات ، اعلاميين يصيبوه بالغثيان من تفاهتهم وتضليلهم وسطحية معلوماتهم وافكارهم حتى اختياراتهم للضيوف كلها عبث ، سليط اللسان يخشاه الجميع ولا يجد من يحاسبه ، نواب الشعب لا يمثلون سوى مصلحتهم ، يغتالون كل من يخالف رايهم الموالى للسلطه ، مستثمرين محتكرين يملأ الجشع نفوسهم ، راقصات ومطربين وممثلين موهبتهم الوحيده هى التفاهه والعرى ، زمن عجيب غريب ابن يقتل ابوه وام تبيع اطفالها ، بلطجيه ونصابين ومخدرات علنا فى الاحياء الشعبيه والراقيه على حد سواء.
    تنبه انه يجب ان يكون سعيد بهذه الجلسه فى حضرة حبيبة قلبه ، نظر لها بطرف عينه حتى لا يحرك راسها من فوق كتفه فوجد ابتسامه صافيه رقيقه تملأ وجهها الصبوح ، ضمها الى صدره اكثر حتى انه شعر بدقات قلب لا يعرف ان كانت دقات قلبه ام قلبها ، نظر فى الافق متخيلا نفسه سلطان من سلاطين الاساطير القديمه ، بصوت كله هدوء وثقه معتبرا ما سيقوله اخيرا هو الحكمه التى لن يجود الزمان بمثلها ، "تصدقينى لو قلت لك انى شبعت من كل حاجه فى الدنيا ، شبعت سعاده وحزن وتجارب ومغامرات وافكار وصداقات ومناصب ولا انتظر المزيد" ، ملس بيده على راسها واكمل حديثه بصوت مسموع "تصدقى بالله يا ست الكونتيسه .. انتى اجمل حاجه فى دنيتى ، انتى حبى الكبير الجديد  اللى جعل لايامى الحاليه معنى وهدف اتحمل فى سبيله ما لا يعجبنى فى هذا الزمن التعيس" ، لم ترد عليه وظلت هادئه ساكنه وهى تحتضنه ، عندما نظر اليها وجدها قد راحت فى سبات عميق وكانها حوريه من حوريات الجنه ، خشى ان تصدر منه حركه او صوت يزعجها او يوقظها ، نادى على ابنته "تعالى خدى بنتك ، الكونتيسه نامت وانا باحكى لها قصة البنى آدم اللى مش عاجباه حاجه فى زمانكم" ،   حضرت ابنته مسرعه وابتسامه كبيره تملأ وجهها وهى تقول "انت يا بابا الوحيد اللى العسوله الصغيره دى بتنام على صدره ، دى ما بتعملش كده معايا " ، حملت بنتها ذات الثمانية اشهر من عمرها وغادرت ، تركته وحيدا يستكمل متابعته لغروب الشمس ، هل حقيقى كان يتابع غروب الشمس ام كان يجتر زكريات حياته التى اوشكت هى الاخرى على الغروب.


الجمعة، 11 يناير 2019

الطريد

الطريد
باقى على امتحانات الترم اقل من شهر ، فقرروا ثلاثتهم بدء الاجتماع اليومى من بعد صلاة المغرب الى صباح اليوم التالى فى بيت احدهم بالتناوب ليراجعوا ما درسوه حتى الصباح ، ولان هذا اليوم هو يوم التواجد عند خميس الخبيث فقد قرر حسنى ونبيل ان يكون الاجتماع بعد صلاة العشاء ، فهم يعرفون ان عائلة خميس بخيله لا يقدمون غير الشاى ولمره واحده فقط  طوال الليل ، تاكدوا من بخلهم فى نهاية العام الماضى ، فبعد ظهور النتيجه بالنجاح قررت عائلة خميس عزيمة اصدقائه على الغداء ، من الواحده ظهرا كان حسنى ونبيل فى بيت خميس على امل ان يكون نجاح ابنهم قد ازال منهم طابع البخل ،  فى الثالثه عصرا تم دعوتهم للطاوله المنصوبه وسط الصاله ، ليجدوا ثلاثة اطباق فارغه فجلس كل منهم امام احداها ، دخلت ام خميس بعد دقائق ترحب بهم  وتهنئهم بالنجاح وفرحه كبيره تملأ وجهها فاستبشروا خيرا ، عادت بعد دقائق وفى يدها صينيه عليها ثلاث سلطانيات صغيره مملوءه بالشوربه  ولم تنسى ان ترحب بهم مرة اخرى ،  فى المره الثالثه كان فى يدها صينيه مملوءة بالارز ، بيد مرتعشه افرغت فى طبق كل منهم بعض من الارز ، استفسر حسنى : اومال فين البروتين ؟ ،  قبل ان يسمع الرد دخل ابو خميس فخورا بما يحمله بين يديه ، وضع الطبق المغطى وسط الطاوله قائلا بصوت آمر بالهنا والشفا ، لم يصبر نبيل فقام برفع الغطاء ليصدر منه شهقه كالتى تشهقها النساء اثناء طش الملوخيه ، اما حسنى فقد اصيب بنوبة ضحك عندما راى كائن ضعيف فى حجم عصفور صغير يتوسط الطبق الكبير ، كتما ضحكهما خشية ان يصل صوتهما لمسامع ابوخميس العصبى المزاج فتكون مصيبه ، بصوت خفيض سال نبيل : هوه ابوك يا خميس عنده بندقيه رش ؟ استغرب السؤال مستفسرا ، قال له اكيد ابوك كان طول اليوم فوق السطوح عشان يصطاد هذه العصفوره  المسكينه ، رد عليه حسنى دى مش عصفوره دى فرخه محترمه بس كانت لسه راجعه من الجيم لان بقالها شهرين بتعمل دايت ، توقفا عندما نهرهما خميس يللا اطفحوا ولا انادى على ابويا ييجى يطفحكم ، انهمك حسنى فى توزيع هذا المسكين الضعيف بالعدل فيما بينهم ولكن باسلوب فيروز وهى توزع قطعة الجبن مع انور وجدى.
اليوم اغلقوا زجاج البلكون حيث البرد شديد والريح عاصف ، كلما قرءوا احد فصول الكتاب جلسوا يدخنون ويتناقشوا فيما فهموه ، حلموا بكوب شاى آخر ولكن بخل اهل البيت جعلت احلامهم احلام وتخيلات دونكشوتيه ، على الثانيه صباحا كانت الحجره معباه بدخان سجائرهم ، فقام حسنى بفتح باب البلكون لدقيقه يجدد الهواء ، كان آخر نفس فى السيجاره التى يدخنها فقذف بها من البلكون واقفل الباب وعاد لمكانه ، مرت عدة دقائق  شموا بعدها رائحة حريق ، بحثوا عنه داخل حجرتهم ولا اثر ، خرج خميس من الحجره يبحث عن حريق بالشقه وعاد ليقول الشياط جاى من هنا ، اعادوا البحث ولا اثر لاى حريق داخل الحجره ، فتح خميس باب البلكون فاصدر صرخه مكتومه ، قفز حسنى ونبيل ليروا ما الذى افزع خميس بهذه الطريقه ، كانت النار قد شبت فى الغسيل المنشور محدثه فجوه محترقه وحوافها ما زالت مشتعله كانها بدر فى ليله مظلمه ، عندما رمى حسنى عقب سيجارته وقعت على الغسيل الذى التف على نفسه بفعل الرياح التى جففته تماما فجعلته سريع الاشتعال ، قاموا بلم الغسيل بعد ان اطفاوا النار وجلسوا يسجلوا ويجردوا الخسائر ، ملائة سرير بيضاء محروقه من وسطها وقميص ازرق خاص بابيه العصبى محترق من اعلى الكم الايمن وكيس مخده الوان تاثر من الحراره فقط ، اختلفت الاراء فى الخروج من هذه المشكله ، اقترح حسنى ان يعاد نشر الغسيل وندعى ان جارنا بالطابق الاعلى منا هو من القى عقب السيجاره ، رد خميس جيراننا اللى فوقنا ست كبيره ومش بتدخن ومفيش حد فوقها ، رد نبيل طيب احنا اولا نقطع حبل من حبال الغسيل ونرمى شوية هدوم على الشجره اللى تحت البيت وباقى الهدوم ننشر السليم ونلم المحروق نآخده وانا نازل ارميه فى اى صندوق زباله بعيد عن البيت ، رد خميس انا عارف ان ليله ابويا سوده ويمكن اتكرش من البيت بسببكم ، لم يدم النقاش طويلا فقد ادعى حسنى ان حالة اسهال شديد اصابته وبطنه مكركبه ولازم ينزل فورا اما نبيل فاقترح ان ينزل معه لانه لن يمكنه التركيز بعدما حدث.
انتظر حسنى ونبيل صديقهم خميس بالكليه الذى حضر متاخرا ، سالوه عما حدث ، طمانهم بان لا شيئ ذو بال ، كل ما فى الامر انى حكيت لامى ما حدث ، فنقلت ما حكيته لها الى ابى ، الذى ابتسم وطلب منى الم هدومى واشوف لى اى مصيبه تلمنى ، وكان تحذيره الاخير لى وانا عند باب الشقه ، لو شفت وش واحد من صحابك هضربه بالجزمه اما بقى لو شفت وشك انت انا هطلق امك يا ابن ستين تيت تيت تيت ، واكمل خميس حديثه مع صديقاه ، عموما النهارده المذاكره عندك يا نبيل مش كده ، وبكره عندك يا حسنى ، اما بقى بعد بكره عند عمتى اللى ابخل من ابويا ، يعنى كل واحد يجينى وهوه متعشى وشارب شايه يا ولاد التيت تيت.


ابو الشهيد

 ابو الشهيد
=========== 
ضعيف الجسم بدون مرض ، متقد الذهن من غير تعليم ، ترك صبحى المدرسه وهو فى العاشره لمساعده ابوه فى صف سيارات الطلبه وتنظيفها امام سور الكلية ، خلال سنوات اصبح بعدها خبير فى صف السيارات والاهتمام بها ، ابتسامته واسلوبه المهذب جلب له وفرة فى المال وحب جميع زبائنه من الطلبة والطالبات.
عند حدوث متغيرات .. هناك اطراف فائزه واخرى خاسرة ، قامت ثورة 25 يناير فتوقفت الدراسة بالجامعه واصبح صبحى عاطلا ، لعن الثوره والثوار ، ساقته الاقدار الى محطة الرمل امام مسجد القائد ابراهيم فوجد عشرات الآلاف من الثوار ترفرف فى ايدى كثيرين منهم اعلام مصر ، لمعت فى ذهنه فكره ، لماذا لا يشترى بجذء من مدخراته مجموعة من اعلام مصر ليبيعها ، اشترى وباع مرات ومرات ، كسب اكثر مما كان يحصل عليه  من تنظيف سيارات الطلبه ، بدأ يحب الثوره التى كرهها فى البداية ، الجموع الهادرة تردد  .. ارحل .. عيش حريه عداله اجتماعية ، لم يهتم ابدا بما يرددوه ، جل همه هو بيع اعلام مصر ، يشترى ويبيع ويكسب ، المكسب كثير وفى زياده مستمره ، فدعى ربه ان تستمر تلك الحاله الثوريه الى الابد.
لم يمر اسبوع واحد ، إلا وتعاقد مع مطبعة تطبع لحسابه الخاص ، لم يكتف بالاعلام ، طبع ايضا صور الزعيم جمال عبدالناصر ، وتفنن فى تصميم نموذج للوحة سياره مكتوب عليها  (25 يناير) ، وبدأ فى صنع بوسترات كبيره عليها شعار الثوره ، راج نشاطه فاستعان بآخرين للتوزيع وعين ابوه مشرفا عليهم ، اما هو فقد تفرغ للحساب والطباعه وتوزيع المهام واماكن انتشار الموزعين ، انشأ صداقات مع قيادات الثوار ليطبع لهم المنشورات واللوحات الاعلانيه والبوسترات والصور باسعار مميزه.
من ارباحه الكثيره اشترى قهوه بلدى فى الحى الشعبى الذى يسكنه ، ولم ينسى فتح حساب بالبنك وشراء شقه فخمه تحت التشطيب فى ارقى احياء الاسكندرية ، اما سيارته الخاصة فقد اشتراها آخر موديل ، ولم ينسى ابوه فاهداه سياره اخرى ، شعر باهمية الاهتمام بمظهره وملبسه ليتناسب مع وضعه الجديد وعلاقاته التى توطدت مع شباب الثوار ، اغرته الاعداد الكبيره من ثوار القاهره بفتح سوق جديده فى ميدان التحرير ، ترك إدارة اعمال الاسكندرية لابيه ، وسافر مع مجموعه منتقاه من صبيانه الى القاهره على ان يعود كل ثلاثة ايام لمراجعة ارباح الاسكندريه وتحميل بضاعه جديده الى القاهره.
صباح اليوم الثانى من شهر مايو 2012 ، وصلته انباء باجتماع كبير للثوار بميدان العباسيه ، اصطحب  بسيارته اثنين من اكفأ الموزعين لدية لتوزيع بضاعتهم هناك ، اثناء وقوفه يراقب الجموع ويحلم بمكسب كبير فى هذا اليوم ، مر من امامه حشد من الثوار اصطحبوه معهم ، فشلت محاولاته للتخلص منهم واستمروا فى التقدم ليلتحموا بالحشد الكبير الذى كان يتابعه ، سمعهم ينددون بحكم العسكر ، لم يكن يعنيه كثيرا هتافاتهم ولا يهمه معرفة السبب الذى من اجله ينددون ولم يشغل باله يوما بمن يحكم وكيف يحكم ، كل همه هو عدم انتهاء هذه الحالة الثورية التى فيها رزقه ومكسبه ، وهو منساق وسط الثوار تبادر الى ذهنه عدة اسئله  لم يعرف لها إجابة ، هل كل الموجودين بالمظاهره ثوار حقيقيين ، لماذا يحمل ذوى الذقون المحناه الشوم والحجاره وادوات اخرى ، ما الذى يحركهم وماهى اهدافهم ، فى البدايه كان هدف الثوار إسقاط مبارك ، فسقط ، اليوم النداء مختلف ، هل يؤمنون بما ينادوا به ام لهم مآرب واهداف اخرى لا يفهمها ، يكفيه انه حدد تماما هدفه ويسعى دائما لتحقيقه ، تنبه وهو يقول لنفسه ياعم خليك فى حالك ودور على اكل عيشك ، مالك انت ومال غيرك ، كرر محاولة الخروج من هذا الجمع فلم يتمكن وفى لحظه فارقه وجد واحد من الملتحين يحمله فوق كتفيه والجميع يحثونه على الهتاف ، وقبل ان يكمل اول جمله فى هتافه سمع ازيز طلقه بندقيه ، ولسوء حظه اصابت الطلقه راسه فاردته قتيلا.
خلال اسابيع قليله ، حصل ابوالشهيد على كامل حقوق ابنه صبحى ، اقام له سرادق عزاء يليق بمقامه ، وفى ذكرى الاربعين كان ابوه يحتفل بزواجه من فتاه فى عمر ابنه وخصص لها عش الزوجيه فى الشقه الجديده ، اما هدية زواجها فكانت سيارة الشهيد.


الدور الثالث

     الدور الثالث / بطيخ عم رمزى
فى موسم البطيخ يهل عم رمزى بعربته المتهالكه المحمله بالبطيخ ويجرها حمار غبى لا يتوقف عن النهيق ، ومن خلال ميكرفون مزعج يشدو "حمار وحلاوه يا بطيخ " يرددها بنغمه وكانه فى مسابقه لاختيار مطرب اذاعى فيصل نداءه الى كل سكان الحى ، فى منطقتنا لا صوت يعلو على صوت عم رمزى.
عندما سمع حسنى جارته فاتن تنادى على عم رمزى جرى نحو نافذة حجرته بالدور الرابع بالعماره المقابله لبلكونتها بالدور الثالث ، هو طالب فى الصف الثانى الثانوى ، اما هى فقد اقتربت من الثلاثين وزوجها عم الضوى فى ضعف عمرها ويزيد ولم يرزقا باولاد رغم انوثتها الطاغيه التى لم يقلل منها قصر قامتها  ، تعود حسنى ان يرى جارته فاتن تخرج لبلكونتها  بقميص نوم واسع ذو حمالات من خيط رفيع ، بحس الانثى المدربه تعرف ان الشاب حسنى يراقبها وتعرف ما يدور فى عقله دون ان ترفع نظرها ناحيته ، بحنكه بالغه تجعل واحده من الحمالات تنسدل من على كتفها ، اليوم نادت بغنج على عم رمزى ، عندك بطيخ كبير ، نقيلى واحده وحطها فى السبت ، انزلته بعد ان وضعت فيه عشرون جنيها وامسكت بطرف الحبل المربوط به وهى واقفه على كرسى حمام حتى تتابع عم رمزى وهو ينتقى لها واحده ، ترجرج صدرها وهى ترفع السبت وبه البطيخه ، متاكده ان عيون جارها ستنخلع عليها ، ارادت اثارته اكثر ، شبت على اطراف اصابعها ، ارتكزت بنصفها العلوى على سور البلكون فظهر من تضاريسها اكبر مساحه تثير هذا الحسنى ، لسوء حظها كانت البطيخه اثقل مما توقعت فاختل توازنها من فوق كرسى الحمام لتهوى من الدور الثالث على عربة البطيخ ، ارتعب حسنى واختفى بعيدا عن النافذه وهو مشغول بنظرية نيوتن فى الجاذبيه فقد راى تطبيق عملى لصحتها ، اما سكان الحى فكانت دهشتهم من الصرخة التى اطلقتها فاتن وهى تهوى للارض ، فقد لاحظوا ان صوت صرختها اعلى من صوت عم رمزى وهو ينادى حمار وحلاوه.
 
    الدور الثالث / مقهى عم رمزى
مقهى عم رمزى هو مكان تجمع شلة اصدقاء الحى ، يتوافدون مساءا وحتى منتصف الليل ، جميعهم انهوا تعليمهم الجامعى ولم يوفقوا فى الحصول على عمل كباقى شباب هذا الجيل فاصبحت القهوه هى ملاذهم الوحيد ، يتسامرون ، يحكون مشاكلهم الاسريه والعاطفيه ، لا يوجد ما يخفونه عن بعض ، الجميع يعرف قصة الحب التى تربط بين صديقهم ممدوح وجارته فاتن ، كانا يتقابلان يتبادلان بث عبارات الحب والغرام واحيانا قبلات خاطفه ، تجرأ بجسده الهزيل وامكانياته الماديه المعدومه ان يتقدم لخطبتها ، فرفضوا طلبه ولم يراعوا مشاعر ابنتهم نحو ممدوح  ، عندما تقدم لها استاذ طناحى المدير المرموق فى شركه كبيره ، والذى يملك شقه بالدور الثالث فى العماره امام قهوة عم رمزى ، لم توافق لانها لا تعرفه ولا تشعر نحوه باى عاطفه ، فهو رغم وسامته وجسمه الرياضى وعضلاته المنفوخه ، كل هذا لم يحرك مشاعرها نحوه وما زالت مشاعرها مرتبطه بممدوح.
لم تمر شهور حتى تغيرت معاملة هذا الطناحى لها ، اصبح يقسو عليها ولا يحترمها لتكتشف انه على علاقه بزميله له فى العمل ، بسبب هذه العلاقه بدأ يغيب عن البيت ويتحجج بالعمل بالشركه ، اشتكت لاهلها فلم يعيروها اى اهتمام وعليها ان تتحمل زوجها ، احيانا تفكر فى حالها لو كانت قد تزوجت من حبيبها ممدوح ، الرقيق الشاعرى الذى ادمن الجلوس على القهوه ليلمحها لحظات وجودها فى البلكون ، عندما تقابلا مصادفة ، لم يتمالك ممدوح نفسه وبكى لانه لم ينسى حبه لها ، اخذته فى احضانها ووعدته بانها ستجد طريقه يتقابلا فيها ، تغتق ذهنها على خطه بان تقوم بنشر فوطه بيضاء على حبال البلكون فى حالة غياب زوجها عن البيت.
اليوم عند العاشره مساءا رفع عينية لاعلى ، وصلته كلمة السر ، استاذن لشعوره بصداع ، تسحب وصعد الى فاتن ، لم تمضى نصف ساعه حتى سمع كل من فى الحى صراخ وشتائم صادرة من الدور الثالث من العماره المقابله للقهوه ، فى لحظه فتحت البلكونه بعنف ، شاب يقفز من الدور الثالث ، ارتطم بشده باسفلت الشارع ،  تجمع الناس حول الجثه الممدده على الارض ، سمعوا من يقول ده حرامى غبى ، ميعرفش ان ده بيت الطناحى ابو عضلات ، اقترب الاصدقاء من الجثه ، بهتوا عندما عرفوا انه صديقهم ممدوح ، بسخريه قال احدهم ده سابنا قال لنا ان عنده صداع شديد ، بس المرحوم مقلناش هوه صداع فين بالضبط .


الأحد، 6 يناير 2019

احلام صغير

احلام صغير

عندما فتح لها باب الشقه مساء هذا اليوم ، لم يتمالك نفسه وهم باحتضانها ، لم تنحنى لتقبله ، بل رفعته بين يديها لتضمه الى صدرها الضخم بحنان بالغ تمطره بالقبلات وهو متشعلق فى رقبتها ، كان الصغير هو محسن ابن اخيها الذى تكن له حب خاص دون اخواته الخمسه.
هذه هى اول اجازه صيفيه له بعد ان امضى بنجاح سنته الاولى بالتعليم الحكومى ، جسدة النحيل وعيونه التى تشع بالذكاء وروحه المتوثبه للتحدى كانت هى مقومات تميزه بين افراد الاسره ، بفضل امه الطيبه حفظ الكثير من قصار سور القرآن الكريم فكان محل فخرها امام ضيوفها ، اما عمته التى تسكن فى المنزل المقابل لهم ، فقد كانت ذات روح مرحه تسعد كل من حولها ، ربما هى طبيعة فى النساء السمينات ، فقد كان عرضها اقل قليلا من طولها ، عيونها ضيقه تكحلهما بطريقه تظهرهما اكثر اتساعا ، اما صدرها الضخم فكان يشع الدفء فى كل من تحتضنه ، حكاويها الشيقه واسلوبها الجميل يشع البهجه والسعاده على من حولها خاصة على عقل وروح محسن ابن اخيها.
طلبت منه امه ان يقرأ امام عمته سورة الضحى الى ان تنهض لتجهيز العشاء وقبل ان تتركهم اوصته ان يجيد التلاوه كعادته ، استحسنت عمته تلاوته وسالته هوه انت يا محسن بتحب البرتقال والقرص اللى بالسمنه البلدى ، اجابها بحماس طبعا ، فاكملت وهو مشدود لحديثها ، ايه رايك ما دام انت بقيت راجل وكبرت انا عاوزاك تيجى معايا المقابر تقرأ قرآن والناس بقى تدينا قرص وبرتقال وفلوس كتير واللى هنلمه نقسمه بالنص ، وانا هجيب معانا كياس مخدات واحد نحط فيه القرص والتانى نحط فيه البرتقال والتالت نحط فيه الفلوس ، كان يسمعها وكانه منوم مغناطيسيا ، اكملت مكيدتها بان قالت له وبصوت منخفض وكأن هناك من يسترق السمع لخطتها ، انت بكره الفجر تجينى البيت وانا عندى قفطان قديم مقطع تلبسه ونروح المقابر ، وشوف انت بقى هنجيب ايه والا ايه.
عندما نادته امه لتناول العشاء اجابها باقتضاب من فوق سريره بانه شبعان ، حاول ان يكون وحيدا ليسترجع احلام المكاسب التى سيجنيها مع عمته ، استرجع كل ما سبق له حفظه من القرآن الكريم وتمنى لو ان يغمض عينيه ويفتحهما فيجد الفجر حاضرا ، وهو سارح بافكاره بعيدا طرات عليه فكره جميله ، لماذا لا يرتدى عصابه من القماش على عينيه وكانه ضرير فيزداد تعاطف الناس عليهما وتزداد الغله والمكاسب ، وسيحرص على يؤكد على عمته ان تكون القسمه بينهما امام امه لتزداد فخرا بابنها حافظ القرآن وبالثروه الضخمه التلى سيجنيها.
قبل صلاة الفجر نهض وهو فى قمة نشاطه وحيويته والبشر والسعاده تملأ وجدانه ، فاليوم هو اول يوم عمل بمكاسبه الكثيره ، خرج من الحمام وارتدى شبشب قديم يتناسب مع القفطان البالى الذى سيرتديه عند عمته ، وتسحب ببطء وهدوء حتى لا يشعر به احد من اهل البيت واتجه الى باب الشقه دون ان يضيئ الانوار ، وكما هى عادة السكن فى المناطق الشعبيه ان يكون للباب الواحد اكثر من ترباس ، تحسس الباب الى ان تمكن من تحديد مكان الترباس الاول بهدوء وحذر تمكن من فتحه ، حمد الله كثيرا انه لم يقلق احد من النائمين ، وهو فى محاولته فتح الترباس الثانى إذ بنور الصاله يضاء ليجد ابوه من خلفه يساله ، انت واقف ليه عند باب الشقه فى الضلمه دى ؟؟ تلجلج ورد وهو مرعوب ، انا رايح لعمتى ، عمتك عمتك مين يا ابن ال.... فى الساعه دى ؟ ، رد محسن بصوت خفيض انا رايح اشتغل مع عمتى ، سمع ابوه يسبه وهو يمسكه من قفاه خش اتخمد دا احنا الفجر يا ابن ال... ،وهيه عمتك بتشتغل عشان تشغلك معاها ، وهتشتغلوا ايه بالصلاة على النبى ؟؟ حكى لابيه القصه بالتفصيل وهو يبكى ويتوسل له ان يتركه يشوف شغله وحاول اقناعه ان عمته هتزعل منه لو لم يذهب لها ، كلما حاول ابوه ان يقنعه ان عمته بتهزر معاه ، ازداد بكاءا ، ولم يقتنع إلا عندما قام ابوه بلطشه قلما على قفاه وهو يصرخ فيه خش اتخمد بدل ما اخرب بيتك وبيت عمتك ، انسحب وخلع شبشبه البالى واتجه الى سريره وهو يبكى وغير مصدق ان عمته ضحكت عليه ، وسمع ابوه وهو يضحك قائلا الولا ابن ال.. عاوز يشتغل شحات ، ابنى انا عاوز يشتغل شحات ، استيقظت امه لصلاة الفجر وعرفت القصه فاخذته فى احضانها ، يا ابنى انت عارف عمتك بتحب الهزار وعموما الصبح يطلع وهنروح لها ، لم تغمض عينيه وظل يبكى الى ان واجهته عمته بالحقيقه ليقول لها انا مش بحبك لان انتى ضحكتى عليا ولو قولتيلى تعال اشتغل معايا حاجه تانيه مش هصدقك
"ونحن صغار تترائى لنا الاحلام وكانها حقيقه ، وكل ما نراه او نسمعه هو اكتشاف جديد لمداركنا حتى ولو كان خارج المعقول والمنطق"

اختلاف الاجيال

اختلاف الاجيال

فى طريقى للفرانده رايته بشعره المنكوش يفرك عينيه بظهر كفيه ، بصوت لا يتناسب مع جسده الضعيف ، سالنى : جدو فين الآى باد بتاعى ، كنت قد وصلت للفرانده ، رفعته لاقبله من رقبته التى يشع منها دفئ ورائحه مميزه ، ذكرتنى بابوه وهو فى سنه ،  جلست واجلسته فوق ركبتى ، سالته ايه رايك يا زعيم اعملك سندويتش وكوب حليب نفطر سوا ؟ رد بعصبيه .. اى بادى .. قالها وهو ينظر فى عينى ليرى تاثير طلبه ، كنت انوى ان احتفل بشروق اول شمس لى بعد ان وصلت للسبعين ، ولكن ستتغير خطتى هذا الصباح  بسبب الآى باد الملعون ، قلت له وانا فى سنك مكنش عندنا آى باد ولا آى جوود ، ابتسم بخبث ، نفس ابتسامه ابوه ، بعفويه سالنى ، هوه انت يا جدو كنت صغير ومكنش عندك آى باد ؟ ضحكت وفرحت لانه بدأ يتجاوب معى ولن ابحث له عن هذا الملعون فتفوتنى متابعة شروق الشمس ، ايوه يا سيدى كنت فى يوم من الايام صغير ، بس على ايامى مكنش فيه آى باد ، كان عندنا غطيان القازوزه والبلى والشرايط والمراجيح ، اندهش مما اقوله ، فاكملت بسرعه ، كنا نلعب فى الشارع السبع طوبات وعنكب يا عنكب وعسكر وحراميه والكوره الشراب والنحله والكعب وملك ولا كتابه ونشان القصب وكيكا على العالى ، ازدادت دهشته وسالنى ، ليه تلعبوا فى الشارع مش بتروحوا النادى او مدينة الالعاب تلعبوا فيها ، لم اجد ما ارد به عليه فحولته للموضوع الاساسى ، شوف يا بطل انا مستعد اجيبلك الآى باد لو عرفت يعنى ايه بابور جاز او اللمبه الجاز .. وضع يده فوق فمه يدارى ضحكه بريئه ، اكملت .. طيب تعرف القبقاب ، ضحك وهو يقبلنى ، قلت له طيب يعنى ايه  الزير ، القله ، هزنى من ذقنى صارخا جدو قول حاجه سهله ، انت بتقول حاجات معرفهاش.
   بدأ ضياء الشمس يملأ السماء ، تذكرت اننى لم ادخن سيجارة الصباح ، قلت له روح دور على الآى باد بتاعك فى الصاله ، نزل من فوق ركبتى واختفى ، عندما تاخرت عودته ، تاكدت انه وجده وبدا يندمج معه ونسى جده والدنيا كلها ، وانا ادخن سيجارتى سرحت فيما يفعله الزمن من فروق بين الاجيال ، كان طهور الاولاد باستخدام مشرط صدأ وبمعرفة حلاق الحى اما الآن مستشفى وطبيب وتخدير، كان المشروب الرئيسى للاطفال صباح كل يوم جمعه هو شربة الملح او شربة الزيت لتطهير المعده ليصاب الطفل باسهال شديد قادر على تنظيف معدة حمار او امعاء جمل ، الآن الطب تطور واصبحت حبه صغيره بطعم الشيكولاته كفيله بتحقيق نفس الغرض ، كنا اول كل شهر لابد من زيارة الحلاق ، يسلمك ابوك للحلاق ويتركك له ليقوم بازالة اى اثر للشعر من الراس مستخدما موس صدأ ، ظننت يوما انه نفس الموس المستخدم فى طهورى ، وعندما تستعطفه للابقاء على سنتيمتر واحد من الشعر ، يرفض معللا ذلك بانها تعليمات الحاج ، هذه الايام غيروا اسم محل الحلاق الى صالون ، واستبدلوا الدكه الخشب التى يجلس عليها الزبون بفوتيه جلد فخم ، ومنشة الذباب بالمكيفات ، والسبرتو اصبح بارفان ، والمعجون بدلا من الصابون الفنيك ، وبدل الحلاقه الجلط التى تجعل الراس مثل الزلطه الملساء اصبحت كانيش او ما يشبه عرف الديك ، كنا نخرج من عند الحلاق نلعنه ونسبه والآن يخرجون مبتسمين فرحين بالنيولوك.
الكهرباء والثلاجه والبوتاجاز والتلفزيون والكمبيوتر والتليفون والانترنيت والسخان والغسالة والفريزر لم تكن على ايامنا وكنا سعداء رغم قلة الامكانيات ، كان الوالدان هما المعلم والمربى والمثل والقدوه ، دائما تجد من يحميك ، يعلمك ، يرشدك ، يراعيك ، كانت امى اول من يستيقظ لصلاة الفجر ، وآخر من تغمض جفونها ، وكنت اطرب لصوت عمتى وهى تغنى بشجن مؤثر عن المسافر الذى لن يعود او العزيز الذى مات وتنجلى فى مديح النبى المصطفى وتتشوق لحج بيت الله ، الآن نادرا ما يجتمع شمل الاسره ، وإذا اجتمعوا جلسوا وفى يد كل منهم هاتفه النقال يتابعه ومشغول به وفيه عن كل ما حوله ،  حقيقى كانت طفولتنا فيها حميميه وحب وسعاده اكثر من احفادنا رغم رغد عيشهم وكثرة امكانياتهم ولكنهم للاسف يعيشون فى جزر منعزله بفضل الملعون الهاتف النقال.
    وانا فى نشوة استمتاعى بشروق شمس يوم جديد فى عامى الجديد ، اذ بالحاجه تهل على بابتسامتها الدائمه وتقبلنى وهى تقول كل سنه وانت فوق راسنا جميعا وبخير وصحه طول العمر ، فكان اجمل صباح واحلى هديه فى عيد ميلادى السبعين.

الجمعة، 4 يناير 2019

شوية فرفشه

شوية فرفشه

  الحمام :
 الجهاز مغلق او خارج منطقة التغطيه ، هذه الرساله سمعها وهو يحاول الاتصال بزوجته ليبلغها بتاخره فى العمل هذا اليوم ، كرر المحاوله وكانت نفس النتيجه ، فقرر الاتصال بالبنك الذى تعمل به سكرتيره للمدير ، لم يتمالك نفسه عندما ابلغه عامل البداله ان زوجته مع المدير فى الحمام ، بعصبيه استفسر منه ، انت بتقول ايه ؟؟ ، باقول لحضرتك الاستاذه ثريا مع مصطفى بيه فى الحمام ، جن جنونه وكاد يحطم الهاتف وهو ينهى المكالمه ، خرج يجرى من شركته القريبه من البنك ، شعر انه يحلم بكابوس رهيب ، رسم فى مخيلته مجموعة سيناريوهات متضاربه ، هل يخنقها ليمسح عاره ، ام يقتل المدير باى آله حاده يجدها على مكتبه ، ام يرمى عليها يمين الطلاق امام الموظفين ، وصل الى باب حجرة المدير ، نهض الساعى من كرسيه يمنعه من الدخول ، دفعه بعنف فاعاده للجلوس مره اخرى ، فتح الباب فلم يجد احد داخل الحجره ، بصوت جهورى ، هوه فين ، مين يا افندم ، المدير بتاعكم ، ده فى الحمام مع استاذه كوثر ، امسكه من ياقة بدلته وهزه عدة مرات بعنف وهو يقول ، وفين ام الحمام ده ؟؟ ، ارتعب الساعى ، رد عليه وهو يتهته .. الحمام ..الحمام ده .. اللى قبل العلمين ، يا باشا الحمام اللى فى الطريق بتاع الساحل الشمالى ، البيه المدير واستاذه كوثر ومدير الائتمان ركبوا سيارة البنك وراحوا يقابلوا عميل البنك اللى هناك ، فى هذه اللحظه شعر بان احدهم دلق عليه جردل ماء مثلج ، عاد لشركته وهو يردد الله يلعن ابو كل الحمامات اللى فى الدنيا.  

  انقطاع التيار:
 اجمل ايام العمر هى ايام الدراسه الجامعيه ، فيها من النوادر والمقالب الكثير ، واجمل الاوقات هى التىى نجتمع فيها نسترجع دروسنا فى بيت احدنا ، لتنقلب بعد سندويتشات العشاء وشرب الشاى الى عشره كوتشينه والغالب مستمر ، هذا طبعا فى بداية العام الدراسى فقط.
اجتمعنا فى بيت صديقنا محمد وقرب العاشره مساء سمعنا صوت شراره كهربيه انقطع بعدها التيار الكهربائى ، دقائق سمعنا ابوه بصوته الجهورى ، انت يا زفت تعال امسك الكرسى ، هب واقفا فاصطدم بالطاوله التى عليها اكواب الشاى لتنقلب وما عليها محدثه ضجة شديده ، اشعل احدنا عود ثقاب ، وآخر خلع صفحتان من كراسته وجعلها على شكل عمود اشعل مقدمته فانار المكان ، راينا من خلال الباب المفتوح ابوه القصير جدا يقف على كرسى مواجه للحائط الذى فيه صندوق الكهرباء وهو يرتدى سلب وجاكت بيجامه ، بصعوبه شديده كتمنا ضحكتنا ، ولكن ما جعلها تنفجر عندما رايناه يشب باطراف اصابع قدميه ليطول مكان الصندوق ، جن جنونه عندما سمع ضحكنا ، وبدء فى السباب ، وعلى ضوء قرطاس الورق المشتعل فتحنا باب الشقه وركضنا على السلالم والسباب ينهال علينا ونحن لا نتوقف عن الضحك وكان شياطين الكون تزغزغنا حتى نستمر فى ضحكنا الهستيرى ، عندما وصلنا الى الشارع ، اقترح احدنا ان ننتظر محمد لان ابوه اكيد هيكرشه من البيت ومن واجب الصداقه ان ننتظره ، الحمد لله عندما قابلناه فى اليوم التالى لاحظنا احمرار خده الايسر الذى برره انه كان نايم عليه ، فصدقناه على اساس ان ابوه لو حب يضربه بالقلم لازم يكون واقف على كرسى. ولم نذاكر فى بيت محمد بعد ذلك حتى تخرجنا من الجامعه.

  الشياطين الحمر :
 صباح كل يوم جمعه ، نجتمع نحن صبيان الحى فى الساحه القريبه من مساكننا ، نتنافس فيما بيننا فى مباريات الكره الشراب ، كان فريقنا الخماسى دائم الفوز على اى مجموعه اخرى من صبيان الحى ، كنا اصدقاء متجانسين متفاهمين ، زادت شهرتنا وطارت خارج الحى ، حتى ان بعض الفرق من احياء اخرى كانت تحضر خصيصا لتنافسنا وتنهزم لتعود بخيبتها لمنطقتها ، قررنا ان نطلق اسم على مجموعتنا ولم نجد افضل من الشياطين الحمر تيمنا بالنادى الاهلى ، لم نفكر كثيرا عندما عرض واحد منا ان يكون لنا الزى الخاص بنا ، واقترح ان يحضر كل منا فانله داخليه بيضاء نصف كم وايضا سروال داخلى يشبة الشورت من البفتا البيضاء ، ليقوم بصبغها ونرتديها بالمباريات ، تسلمها منا وقام بصبغها باللون الاحمر ، فى يوم صيفى حار وبعد مباراة حاميه قررنا الذهاب لشاطئ البحر جريا بالطقم الجديد ، ما ان وصلنا حتى تسابقنا فى رمى انفسنا فى مياه البحر المنعشه ، لم تمر عدة دقائق حتى تحول الماء المحيط بنا الى اللون الاحمر ، حتى ان الغطاس ظل يصفر لنا يامرنا بالخروج من الماء ، فقد خشى ان يكون احدنا قد اصيب بجرح بليغ او ان سمكة قرش ضلت طريقها فالتقمت فخد واحد منا ، ارتعبنا وخرجنا بسرعه من الماء ليلتف حولنا الموجودين بالشاطئ يتفحصونا ، وعندما عرفوا ان اللون الاحمر من الصبغه التى صبغنا بها طقمنا الرياضى ، ظلوا يسبونا ونحن نغادر الشاطئ الذى لم نستمتع بالسباحه فيه.
عدنا للحى منكسى الرؤوس بفانلات وشورتات لونها برتقالى باهت ، من يومها لم يعد لنا زى موحد نلعب به ، حتى اننا اصبحنا محل تريقه اصدقاء الحى وبعد ان كنا فريق الشياطين الحمر اصبحنا فريق الصبغه.

  امنا الغوله :
 فى ستينيات القرن الماضى وعلى ضوء اللمبه الجاز ، جلسوا ثلاثتهم امه وعمته وخالته فى شبه دائرة ، يتوسطهم بابور جاز ، فوقه براد مملوء بالماء على وشك الغليان ، بجوارهم صينيه عليها ثلاث اكواب فارغه وبرطمان للشاى وآخر للسكر، ليله من ليالى يناير شديدة البروده وكان ابوه فى وردية عمل ليليه ، تناولوا جميعا العشاء فانسحب اخواته للنوم فى حجرات اخرى ، اما هو آخر العنقود ذو الخمس سنوات فقد وضع راسه على فخد امه ليستمتع باحاديثهم التى تبدأ بحكايات واخبار عاديه تنتهى دائما باخبار الجن والعفاريت التى تستهويه وينتظرها ليتخيلها ويعيشها ليحكيها لاقرانه.
ثلاثتهم يلبسون الاسود كعادة اهل هذا الزمن ، كلما مر الوقت تزداد سخونه الحكى لتصل فى النهاية الى ابورجل مسلوخه للنداهه للعفاريت لامنا الغوله ، ما ان تنتهى احداهن من سرد قصه مرعبه حتى تكمل الاخرى بقصه اكثر رعبا ، احيانا يتخيل خالته هى زعيمة الغيلان الثلاثه ، كان يخشى ان يغمض عينيه حتى لا ينقضوا عليه ينهشون لحمه قبل عظمه ، كان يركز كل احاسيسه ومشاعره فى حركاتهم من ترفع يدها تهرش فى راسها يتخيلها مرفوعه لتطبق على رقبته لتخنقها ، من توجه نظرها ناحيته يشيح بنظره بعيدا عنها حتى لا تسخطه قرد او تشل حركته قبل التهامه ، عندما سمع صوت امه الحنون تساله انت بتعيط ليه انت خايف ، رد عليها بصوت منكسر حزين "عاوز اطر وخايف" شجعته بانه رجل والرجال لا يخافون ، رفعت لمبة الجاز عاليا لتنير له طريق الحمام ، نهض وهو متوجس خيفه خشية ان تكون حيله ليهجموا عليه وظهره لهم ، ما ان وصل الى باب الحمام واثناء تركيزه فى انزال سرواله سمع صوت انفجار رهيب فصرخ وكانت قفزه واحده اوصلته من الحمام الى السرير ، صباح اليوم التالى عرف ان خالته ارادت اختبار شجاعته فقذفت فردة قبقاب فى باب الحجره فاحدث هذا الدوى الرهيب ، ضحكت امه وهى تصف له ما قام به ، عارف احنا لقيناك طاير من فوقنا والماء يشرشر منك لانك لم تستكمل رفع سروالك ، وقد نال خالتك كثيرا من هذا الفيض ، تستاهل لانها خوفتك ، يللا بقى خد غيار وخش استحمى ، فاقسم لها انه مش داخل الحمام إلا لما خالته ترجع بيتها.

"نصيحه لامهات هذا الزمان ، لا تقصوا على اولادكم الصغار ما يرعبهم حتى لا يصيروا مثل صديقى الذى ظل يخاف من ظله ويكره خالته الى يومنا هذا"