الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

الله يخلى الريس









الله يخلى الريس .. الله يطول عمره
اغنيه خفيفة اللحن والايقاع ، غناها العراق لرئيسه صدام حسين ، تذكرتها يوم ان اعلن محمد مرسى يوم الاربعاء 4/7/2012 إنشاء ديوان التظلمات لاستقبال شكاوى المواطنين من امام القصر الرئاسى
===================================
استيقظ فجرا ، بهدوء انسل خارجا ، همه الوصول الى السوق لاستلام حصته من تاجر الخضار ، بعزيمه قويه تحمل لسعة البرد ، انكمش على نفسه امام باب احد المحلات ، رجل ستينى قصير ضعيف ، لحيه غير مشذبه ابيضها اكثر من سوادها ، غضون بطول الوجه توحى بصلابه ومثابره وقوة تحمل ، دقائق ووصلت فرحانه جارته بالسوق ، لم تتعد الخمسين ولكن مظهرها يوحى بانها فى السبعين ، ظاهره الطول ، ضعيفه حتى يخيل لمن يراها انها كومه من العظام يكسوها جلد كالح ، تهللت اساريره واخرج علبه من الصفيح ، سحب منها سيجاره ، سعل قبل ان يشعلها ، فكت صرة سوداء ، اخرجت منها رغيف قسمته نصفين ، "كل لك لقمه قبل ما تدخن ، الحلبه المعقوده تدفى الجسم" ، شكرها المعلم صابر وهو يقضم مافى يده ، عاوده السعال مع اول نفس من السيجاره ، ابتسم فى سخريه "انتى يا فرحانه اسم على مسمى ، فى الشتا فرحانه ، فى الصيف فرحانه ، جوزك يضربك بالجزمه فرحانه ، يآخد شقاكى يحشش بيه فرحانه" ، ضحكت فظهرت اسنانها الصدئه ، "ما انت برضه اسم على مسمى ، صرفت دم قلبك على علاج ام محمود وفى الآخر ماتت وصابر ، ولادك محمود وفتحى سابوك وسافروا ومسالوش فيك وبرضه صابر ، محلتكش اللضى واليوم اللى تريح فيه متلاقيش حق دخانك وصابر ، خايف تروح الاسبتاليه ليحجزوك وتموت هناك متلاقيش حد يدفنك وصابر" ، توقفت وصلة المعايره ونهضا فور ان لمحا سياره الخضار قادمه ، رمى العامل من فوقها مجموعه من حزم الجرجير والبقدونس والخس ، وناول فرحانه طشت المنيوم متوسط الحجم ملئ بالجبنه القريش ، وانصرفت السياره ، انهمك كل منهما فى تجهيز بضاعته ، كانا لا يتوقفان عن الحوار ليقضيا على ملل الساعات وقسوتها ، يشعر كل منهما انه انيس ونيس للآخر ، متآلفان متحدان امام اى مشكله تعترض احدهما ، دعا الله ان يكون يوم مبروك ويبيعا كل ما استلماه ، سيستمرا امام الفرش متجاوران على جنب الطريق حتى آذان المغرب ، ستمر عليهم السياره لاستلام البواقى والثمن .
مر عليهم جرجس القهوجى حاملا صينية عليها اكواب شاى يتصاعد دخانه ، ناول صابر واحده ، "الاولانى عشان متلغبطش فى الحساب آخر النهار" ، ثم نظر الى فرحانه وباسلوب ساخر "وانتى يا فرحانه امتى ييجى اليوم اللى تنفعينى فيه وتطلبى كوباية ميه" ، لم تنظر اليه وانشغلت بترتيب بضاعتها ، استكمل جرجس حديثه الى عم صابر ، مش ناوى تروح قصر الرياسه؟ ، رد عليه وهو يرش بيده بعض الماء على الخضار ، "اهبب ايه هناك ، متكنش فاكرنى وزير ولا عضو بالجماعه ، هوه اللى زينا وش قصور او رياسه" ، اكمل جرجس ، "انا واخد اجازه بكره ورايح اقدم شكوى ، الريس بتاعنا بنفسه هيستقبل الناس كلها واللى عنده مشكله هيحلها له فى الحال ، انت لو روحت تشتكى يمكن يحجز لك فى اجدعها مستشفى تعالج سدرك ببلاش ، ولو رأف بحالتك هيمد ايده فى جيبة يديلك ورقه بميه او بميتين" ، هنا تدخلت فرحانه ، "بطل هلوسه يا جرجس ، يظهر انك مبلبعتش برشامة الاصطباحه" ، رد عليها بحزم "والانجيل زى ما بقولكم كده ، دا انتى لو شافك هيحجزلك شهر عند بلبع بتاع الكباب ، وقليله ان ما صرفلك فلوس وهدوم بدل الهلاهيل اللى انتى لابساها" ، كشرت فرحانه وجهها وهى تقول "بطل مسخره واتلم "، تركهم وهم بالانصراف ، نادته فرحانه ، "بتتكلم بجد ولا بتهزر .. انا عارفاك مهياص وبكاش" ، اغلظ لها الحلفان موضحا لها ان الريس عمل حاجه اسمها ديوان مظالم ، ايتها بنى آدم عنده مشكله هيحلهاله فورا ، سالته بعفويه ، "اى مشكله؟؟" ، "ايوه اى مشكله مش هوه الريس اللى يقدر يعمل اى حاجه" ، قالت له "يعنى يقدر يشوف لجوزى شغلانه يآكل منها عيش ، بدل قعدته فى البيت طول النهار وعلى القهوه طول الليل".
اتفق ثلاثتهم ان يستغنوا عن يوميه باكر ويروحوا من بدرى على القصر ، كل منهم يمنى النفس ويحلم بما سوف يطلبه ويتحقق ، بصعوبه اقنعت فرحانه زوجها بالذهاب معهم ، تجمعوا فجرا حتى يلحقوا الخير بدرى بدرى ، اقترح عم صابر ان يستقلوا تاكسى ويقسموا الاجره على تلاته ، مش خساره طالما هيرجعوا بالخير كله وطلباتهم محققه ، فرحانه جنب السواق وثلاثتهم فى المقعد الخلفى ، كل شويه ينظر صابر الى جرجس قائلا "حق ياواد يا جرجس لو الريس شمطنى ميتين جنيه ، على النعمه من نعمة ربى لاديلك عشرين جنيه بقشيش ، لان انت مسيحى يمكن ميرضاش يديك إلا عشرين جنيه" ، نظرت فرحانه خلفها موجهة حديثها الى جرجس "وانا كمان طالع منى عشره جنيه ، مش خساره فيك يا جرجس" ، لم يرفض زوج فرحانه السيجاره التى اعطاها له صابر ، سمعوا ضحكة السائق على حوارهم ، استشاط زوج فرحانه غيظا "بتضحك على ايه يا اسطى ؟" رد وما زال يضحك " لما توصلوا هتشوفوا بعنيكم" ، سمعوا صياح واهازيج وافراح ، اوقف السائق سيارته "حمدا لله على السلامه" واستلم منهم الاجره وانصرف ، عشرات الآلاف مكدسه امام باب القصر ، يحمل كل منهم ورقه فى يده ، الجميع يزاحم ويغنى  " الله يخلى الريس ... الله يطول عمره" ، احتل الرصيف المقابل لسور القصر طاوله لبيع السجائر واخرى عليها بوتاجاز مسطح وبراد شاى وكوبايات واسفلها انبوبه وثالثة لسندويتشات الكبده واخرى لقلى الطعميه وقدرة الفول ، وبائع العرقسوس يشخلل بصاجاته ، اما الناصيه فيحتلها كاتب عجوز ينسخ الشكوى بجنيه ، نسخ لهم اربع شكاوى ، امسك كل منهم شكواه واندسوا وسط الجموع والزحام ، رددوا مع الجموع "الله يخلى الريس .. الله يطول عمره"
لا تمر دقيقه إلا ويزداد العدد ، طال الوقت وحل الاجهاد عليهم ، بح صوتهم من الغناء ، طرشت آذانهم من الضجيج ، "الصبر طيب يا مؤمنين" ، عباره كان يرددها جرجس كلما حاول احد زملاء رحلته ان يفتك به بسبب فكرته ، بعد آذان الظهر بساعه ظهر المنقذ ، شخص من داخل القصر ، امتطى سور الباب الحديدى ، الرجل اليمنى خارج القصر ، اما اليسرى فقد ظلت داخله ، هاجت الجموع ، تزاحمت ، كل رافعا يده بشكواه محاولا تسليمها للمنقذ ، تدافع الجميع فى اتجاه الباب ، التصقت الاجساد حتى اصبحت كتله واحده ، من تمكن منهم من تسليم شكواه لا يقدر على التحرر والخروج ، موجه مد تضغط فيها المجموعه الخلفيه محاوله الوصول للامام لتسليم شكواها ، الصف الامامى التصقت وجوههم واجسادهم بالباب الحديدى ، تقاوم لتتنفس فتدفع من يقف خلفها فى موجة جزر ، وسط هذا المد والجزر تعلق احدهم بالرجل اليمنى للمنقذ المدلدله ناحيتهم ، وقع المنقذ على الارض ، دهسوه ، مات ، استشهد ومازال الجميع فى صراع ، لا يدرون ان من سيستلم شكاواهم قد اختفى من فوق السور ، بصعوبه انسلت فرحانه من وسط الزحام ، لم تساعدها صحتها على استمرار المقاومه والزحام فقررت الانسحاب ، وقفت على الرصيف بجوار بائع العرقسوس ، ثيابها قطعت ، فقدت غطاء راسها وفردة شبشب ، الزحام مستمر ويزداد ، طال انتظارها لرفقاء الرحله ، عل احدهم يظفر بتسليم شكواه ، ملت ، يأست ، فقررت ان تعود لبيتها سيرا على قدميها ممنية نفسها ان ياتيها زوجها بالاخبار المفرحه.
لشهر كامل تاتى فجرا وتترك المكان مساءا ، وما زال زوجها وعم صابر وجرجس عالقين فى الزحام ، لا تدرى هل حققوا الحلم ام استشهدوا امام بوابة القصر ، من يومها لم يظهر منقذ جديد ، ولم يرى احدا من الجموع المحتشده وجه الرئيس ولو من بعيد ، ولم يتوقف الاعلان عن ديوان المظالم ، ولم يتحقق وعد الرئيس ، ولم يتسنى لاحد تحقيق حلم واحد من احلام المطحونين ، وما زال المغرر بهم فى جميع العصور وفى كل بلاد العالم الثالث يغنون  "الله يخلى الريس .. الله يطول عمره".


الاثنين، 15 أكتوبر 2018

البطل الذى قتل الفأر


رغم انه يعيش الحقبه الرمادية من عمره ، لكنه لا يعترف انه تعدى السبعين ، اعترته نشوى غامره عندما سمع زوجته تنادى عليه بصوت مرتعش " تعال بسرعه ، تعال بسرعه " ، توقع انها فى ورطه وسيكون هو الفارس الهمام الذى سينقذها ، هل هذه المره ستطلب منه تغيير لمبة الحمام المحترقه ، ام حمل مرتبة السرير لتشميسها على سور البلكون ، من نبرة استغاثتها توقع ان الامر اكثر تشويقا ، عندما اقترب منها مستفسرا ، بادرته قائلة "متفتحش باب المطبخ ، لحسن يهرب ، فأر ضخم فى حجم قط ذكر ، شوفته مستخبى ورا البوتاجاز ، قفلت الباب  وقلت ما حدش هيجيب اجله إلا انت".
 قال لنفسه "والله فرصه استرجع بها شجاعة سبع سنوات قضيتها بالخدمة العسكرية من ايام حرب الاستنزاف الى نصر اكتوبر 1973 ، فرصة ربنا ارسلها لى لاستعيد نجاحات زمان " ، احس بحماس افتقده منذ مدة طويله ، بسرعه ارتدى كاوتش رياضى ، وبنطلون جينز ، حشر رجل البنطلون داخل الشراب حتى إذا تجرأ الفار وهجم عليه لن يتمكن من الوصول الى ساقه ، سحب عصا خشبيه وانسل الى ارض المعركه واغلق خلفه باب المطبخ.
بحكم خبرته العسكريه يعرف ان خسائر المهاجم ثلاثة اضعاف المدافع فقرر الدفاع والسلامه ، سحب كرسى وجلس وسط المطبخ واشعل سيجاره ، خبط بالعصا على اجناب البوتاجاز عدة مرات لعل الفار يشعر بالمطارده فيجرى ليختبا فى مكان آخر ، هنا يمكن تحديد مكانه ومهاجمته وخبطه بالعصا على ام راسه فيخر صريعا ، كرر المحاوله عدة مرات ، لا حركه ولا حس ، انتهى من تدخين سيجارته ولم يقم العدو باى فعل او رد فعل ، اعاد الخبط بالعصا على النمليه والبوتاجاز ودولاب الخزين ، جميع المحاولات باءت بالفشل ولم يظهر العدو او يصدر عنه اى صوت او حركه.
قبل ان يتسرب الياس الى نفسه ، لمح العدو يجرى فى اتجاه الباب المغلق ، لا شعوريا هب واقفا على قدميه ثم عاد سريعا للجلوس رافعا قدماه لاعلى حتى كاد ان يقع من فوق الكرسى ، لحظات استقر فيها الفار فى مكانه وهو يرتعش من الخوف ، واستقر هو من جديد على الكرسى ، حمد الله كثيرا ان الفأر الذى امامه لا يزيد حجمه عن علبة السجائر التى فى جيبه ، صغير مسكين ضعيف ليس له تجارب سابقه فى مواجهة البشر ، واى بشر .. بشر مسلح بعصا طويله وفى مكان ضيق ومحدد ، استرجع ايام التجنيد وتذكر انهم فى ايام التدريب الاولى كانوا يتدربون على الطعن بالسونكى ، فيصنعوا من الخشب والخيش والقش هيكل على شكل نصف رجل ويصلبوه فى عامود من الخشب ، يقوم الجنود بتركيب السونكى على مقدمة البندقيه الآلية ومن مسافة عشرة امتار تقريبا يجرى واحد منهم بسرعه فى اتجاه العدو القش صارخا باعلى صوت آآآآآه ثم يطعنه بالسونكى ثلاث مرات مع تكبيره بصوت اعلى فى كل طعنه ، ويعود للطابور ليبدأ الجندى التالى تكرار ما فعله الاول ، استرجع فى ذاكرته هذه التدريبات ، بثقه فى النفس هب واقفا ، وقبل ان يهم بتنفيذ خطة الطعن التى يجيدها ، لاحظ ان الفأر الذليل ينظر برعب يمنه ويسره وهو يرتعد ، اشفق عليه وتمنى لو كان لهذا الفأر عقل وقدره على الفهم ، ليعقد معه اتفاق ، هو يفتح له شباك المطبخ ليهرب دون قتال ، شريطة الا يقع نظر زوجته علية مرة اخرى ، اعاد النظر اليه بتركيز شديد وابعد هذه الفكره عن راسه ، فزوجته لن تقتنع إلا برؤية جثة العدو امام عينيها ، لن تصدق ان زوجها مخبول ليعقد اتفاق مع فأر ، كما انه خشى ان تظن فيه الجبن والخنوع عن مقاتلة الاعداء ، هى خبطه عصا واحدة سريعه ودقيقه على راسه خر المسكين صريعا فكانت القاضيه.
فتح الباب بهدوء وثقه وقال لزوجته باسلوب ضاحك ، "شيلوا القتيل اللى جوه" ، اطمئنت عندما رات الجثه ، لمح  فى عينيها الرضا عنه والثقه فيه ، احضرت له كيس بلاستيك ليكون نعشا للمغدور ، وضع الجثه فى الكيس دون ان  يلمسها ، ووضع الكيس فى كيس آخر وفى صندوق الزباله خارج الشقه كانت نهاية هذا المسكين.
شعور الانتصار جميل ، اليوم انتصر بمفرده على فأر ، فى شبابه شارك فى انتصار حرب اكتوبر ، الآن يتمنى ان تكون الفتره الرمادية من عمره فترة انتصارات ، ولكنه على يقين انه فى النهاية سيهزم ، سيهزمه الزمن ، هذه سنة الحياة.

الأحد، 14 أكتوبر 2018

رحلة ابوقير البحريه




"أكدت التقارير والدراسات ومراكز الأبحاث ، أن نسبة الفقر فى الدولة قد فاقت الـ50% بعد قيام ثورة يناير 2011"

فى رحلته لعيادة صديقه المحجوز بمستشفى ابوقير ، وصل حمدى محطة قطار سيدى جابر ، بصعوبه قفز داخل العربة الاخيره من القطار المتحرك الى ابوقير ، قطار شعبى موحد الدرجه رخيص الاجره ، هى المره الاولى التى يستقل فيها هذا القطار ، ارتكن بظهره واقفا بجوار احد الابواب لانشغال جميع المقاعد ، فى مواجهتة وقف شاب سمين بقفطان ابيض نظيف ، فى جيبه العلوى محفظة  نقوده وقلم حبر ونظاره ، اما جاره الشاب الممسك بمقبض الباب ، شعره طويل غير مشذب ، فى قدميه كاوتش متهالك ، يدخن سيجاره بشراهه ، توقف القطار فى محطة الظاهريه ، لم ينزل احد ، اما من صعدوا فهم كثر ، بدأ القطار يتحرك ، وقبل ان يصل لنهاية رصيف المحطه ، بخفه فهد ومهارة لص محترف ، نزع الشاب ذو الشعر الطويل المحفظه من جيب الشاب ذو القفطان الابيض ، فى لمح البصر كان خارج القطار المتحرك وفى يده المحفظه والنظاره وجيب القفطان ، اما القلم فقد سقط منه على الارض ، حرامى .. حرامى صرخه اطلقها صاحب القفطان الابيض ، لم يجرأ على القفز خلفه وإلا كسرت عظامه ، بخجل التقط  قلمه من على الارض ، اختفى وسط الزحام بعد ان طيب خاطره بعض الركاب ، كثيرين لم تظهر على وجوههم اى دهشه او استغراب مما حدث وكانهم تعودوا على هذا الفعل ، قبل ان يصل القطار للمحطه التاليه كان الجميع قد نسى ما حدث .
تحسس حمدى جيب بنطلونه الخلفى ، ابتسم برضا عندما شعر بمحفظته فى مكانها ، سمع صوت امراه تستعطف الركاب ، الزحام حال بينه وبين رؤيتها ، حسنه قليله تمنع بلاوى كتيره ، اللى فى قلبه رحمه يعطف على ست مريضه ، اقسم بالله العظيم انا باصرف على اربع يتامى ، اقسم بالله العظيم انا محتاجه لعمليه فى قلبى ، ربنا ما يرميكم فى ضيق ، يشفيكم ويحنن قلوبكم على واحده غلبانه ، اقترب منه الصوت فشاهد امراه ضخمة الجثه ، معباه داخل عباءة سوداء كالحة اللون لا يظهر منها شيئ ، تذكر يوم فرح اخيه عندما راى امراه مغطاه بالسواد تهبط من التاكسى امام صالة الافراح ، بعد دقائق اكتشف انها راقصة الحفل ، ابتسم فى سخرية لشطحات عقله وسواد قلبه ، لم تمر دقائق إلا وتكرر الدعاء ولكنه بصوت رجالى هذه المره ، قال لنفسه "مكونش غلطت وبدل ما اركب قطر روحت المقابر" ، صوت دعاء الرجل يفتت الصخر ، انتابته حالة من الغثيان والقرف والرعب عندما راى صاحب الصوت يشق طريقه وسط الزحام وهو يزحف على ارضية العربه ، شاهرا امامه الرجل اليمنى ، منظرها مرعب ، اثماله بالية ، رائحته كريهه ، صوته كالبكاء ، كثيرين منحوه بعض النقود ، ليس اقتناعا وعطفا عليه ، لكن لابعاده عنهم وعن عيون اولادهم ، كثير من الفقراء تتآلف قلوبهم ويعطفون على من يطلب منهم العطف ، ربما لايهام انفسهم انهم افضل حالا من آخرين ، اكثرهم متاكد ان هؤلاء ممثلين مهره يحترفون هذه المهنه ، ورغم هذا لا يكسرون بخاطرهم ، وسط هذا الزحام والضجيج يمر الكمسارى بصعوبه بين الركاب ، ممسكا فى يده قلم ينتهى بقطعة نحاس ، يدق بها على اعمدة الالومنيوم المنتشره بسقف العربه ، ينظر فى عيون الركاب مناديا بصوت اجش تذاكر تذاكر ، لا يتاثر برجرة القطار يمنه ويسره وكان الجميع داخل قربة لتصنيع الاجبان.
وصل القطار الى المحطة التاليه ، حمد الله كثيرا ان اصبح المغادرين اكثر من الصاعدين ، تحرك حمدى الى وسط العربه عله يحظى بمقعد احد المغادرين ، تعب من الوقوف والضجيج والرجرجه والحر والانتباه لكل من يمر جوارة خشية سرقة محفظته ، اثار انتباهه صوت بكاء وصراخ طفل جائع ، لم تتوانى امه عن فتح الكبسوله العليا من عبائتها السوداء لتخرج ثديها تلقمه فم الرضيع ، بطرحتها حاولت تغطية ما ظهر منها ، فجأة صرخت بعلو صوتها " بتتفرج على ايه ياراجل يا ناقص" ، انكمش الجالس جوارها على نفسه ، رجل خمسينى العمر ، نظارته السميكه لا تمكنه من الرؤية ابعد من ربع متر امامه ، كاد الامر ينتهى عند هذا الحد ، لولا تدخل الواقف امامها " هوه عملك ايه يا وليه؟؟" ، لم تتوانى عن الرد بعصبيه "عمل ايه !! ، هوه عارف عمل ايه ، وبعدين انت مالك ، هوه جابك محامى ولا عينك محامى " ، بعفويه وسرعه  رد عليها بصوته الاجش "مالك يا مره هايجه علينا كده ، ودينى لو كنتى راجل كنت وريتك قيمتك" ، نهضت واقفه  فانزلق ما لقمته للرضيع فى مكانه وكانه فأر اختبئ فى جحره ، لم يوقفها صراخ الرضيع من محاوله الهجوم على الدخيل ، وقف شاب بينهما مهدئا الموقف ، طبطب على كتفيها وكاد ان يحتضنها محاولا إعادتها للجلوس "انتى باين عليكى بت حلال ، والراجل ميقصدش ، حصل خير" ، خلال هذه الاحداث انسل الجالس جوارها فى هدوء آثرا البعد عن المشاكل ، ترك مكانه للشاب المطبطباتى ، ظل الرضيع يصرخ الى ان اعادت تلقيمه من جديد ، هذه المره لم تهتم باسدال طرحتها وظهرت ابتسامه خبيثه فى عينيها وهى تتبادل الهمس مع جارها الجديد ، لحظات قليله ونسى الجميع خلالها ما حدث وانشغل كل منهم بما هو فيه.
مازال الطريق طويل للوصول الى ابوقير ، لا تمر دقائق إلا ويمر على سكان العربه واحد من الباعه ، يرمى فى حجر الجالسين عبوات نعناع او سكر نبات او باكو بسكويت بالشيكولاته ، لكل بائع اسلوب مختلف عن الآخر ، النعناع يمنع الدخان والتوهان ويجلى السدر وينضف القلب ، بائع آخر دى يا حضرات مسطره وجومه وعلبه الوان باستيل ، كل ده ياحضرات بجنيه ، تروح المكتبه يقولك المسطره بجنيه وعلبة الالوان بجنيه والجومه بنص جنيه ، اللى يشترى اتنين يآخد التالته ببلاش ، وآخر يحمل على راسه صندوق كرتون مليئ باعواد البخور ، يتغنى بانه بخور مبروك من السيده والحسين ، هذا غير كثيرين من باعة السودانى وكتب اطفال وكتيبات ادعيه ، لكل منهم اسلوب فى الترويج لبضاعته ، اما الركاب البسطاء قليل منهم يقع فى شراك ما يسمعه من شعر فيشترى ، البؤس والشقاء محفور فى ملامح الركاب والبائعين والمتسولين ، حتى الكمسارى تشعر انه واحد منهم.
لحسن حظ حمدى نزل احد الركاب فجلس مكانه ، اما حظه السيئ فقد كان الجالس جواره ذو رائحه نفاذه ، اهداه تفكيره للقضاء على هذه الرائحه ان يشعل سيجاره ، فور ان اقدم على هذه الخطوه حتى سمع من يقول له ، انت يا افندى اطفى السيجاره كفايه السم اللى بنشمه فى القطر ، رد حمدى بهدوء بعد ان سحب نفس عميق من سيجارته ، قلبك ابيض يا حاج ، انت بينى وبينك الف متر ، رد الآخر بعصبية ، طفيها بدل ما آجى اطفيها فى عينك ، اهينت كرامته ، نظر حوله ، فوجد بعض الركاب ينتظرون ردة فعله ، ران صمت على العربه إلا من صوت رجرجة القطار المعتاده ، تكهرب الموقف ، إما ان يكون او لا يكون ، سحب نفس آخر من سيجارته ، وبعد تفكير سريع ادرك انه ليس منهم ، رد بابتسامه ساخره عندك حق يا ريس ، رمى السيجاره على الارض ، داس عليها بعصبيه ، اكمل الرجل حديثه ، ناس تخاف متختشيش ، هنا جن جنون حمدى ، فى اول الامر اراد تقصير الشر لان هدفه هو زيارة صديقه المريض وليس الوقوع فى المشاكل ، عاد للنظر فى وجوه المحيطين ، احس انهم يحتقروه لجبنه ، حتى المراه التى كانت ترضع صغيرها ، نظرت اليه وكانها تبثق عليه وعلى رجولته ، استشاط غضبا ورد عليه ، تصدق بالله انت راجل قليل الادب ومحتاج تربيه ، عندما راى الرجل ينهض من كرسيه متجها ناحيته ، هب واقفا متخذا وضع الاستعداد للمعركه.
فتح حمدى عينيه بصعوبه ، وجد صديقه مريض ابوقير واقف عند راسه ، زوجته وابنه موجودين بالحجره وآثار دموع فى عيونهم ، لمح طبيب ياتى مهرولا وهو يردد "الحمد لله كويس انه فاق" ، سال صديقه عما حدث وما سبب وجوده بالمستشفى كمريض وليس كزائر ، اخبروه انه بمستشفى ابوقير يتلقى العلاج من شبه ارتجاج بالمخ نتيجه روسيه من احد ركاب القطار ، اقترب من السرير شخص ، عرفه بنفسه ، انه وكيل نيابه ابوقير وانه حضر لاخذ اقواله فيما حدث ، ساله حمدى باندهاش ، يعنى انا اخيرا وصلت ابوقير ، الف حمد وشكر لله عز وجل ، لم يتهم احد بالاعتداء عليه لانه لا يعرف احد ، على باب الخروج من المستشفى استلم متعلقاته ، والتى كان من ضمنها باكو نعناع تركه احد الباعة بالقطار ولم يسدد ثمنه.

الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

العرافه

  
  
    " وسترجع يوما ياولدى ، مهزوما مكسور الوجدان ، وستعرف بعد رحيل العمر ، بانك كنت تطارد خيط دخان"
على مائدة متطرفه بشاطئ البوسيت بمرسى مطروح ، جلسوا صامتين يتابعون لحظات الغروب ، قرص الشمس البرتقالى الكبير يذوب رويدا رويدا فى قبله حارة مع افق المياه الزرقاء ، بهدوء لذيذ اختفى قرص الشمس تاركا ضياء برتقالى رائع استمر دقائق.
على كراسى البحر المريحه تمدد ثلاثتهم متجاورين ، يسرى فى روحهم خدر لذيذ وهم يعيشون لحظة الغروب مع سيمفونية تكسر الامواج الكسوله على رمال الشاطئ ، يصل لمسامعهم صوت عبد الحليم واغنية قارئة الفنجان الحزينه.
وسط هذه الحاله من الشجن والهيام ، افاقا على سؤال صديقهم الثالث فتحى "يا ترى منظر الغروب ده بيفكركم بايه ؟؟ رد نبيل بصوته الاجش "العرافه ، العرافه .. منها لله"  ، سرت رجفه فى ابدانهم فاسرع جمال فى اشعال سيجارته وطلب من صديقاه قراءة الفاتحه على روح صديقهم المرحوم يسرى.
وقت الغروب وامام كابينه على بحر الاسكندرية منذ خمسون عاما مضت ، كانوا فى انتظار نتيجة امتحانات السنه الاولى بكلية التجاره ، جلسوا يتابعون غروب الشمس بعد يوم عامر بالمرح والسعاده والسباحه وكرة المضرب وادوار الكوتشينه ، مرت عليهم امراه غجريه عرافه تتشح بالسواد ، ردائها طرحتها حتى الشبشب البالى اسود ، متوسطة العمر ، تمسك فى يدها مجموعة من القواقع ، احتكاكها ببعضها يصدر صوتا مميزا ، اقتربت فى دلال وبصوت فيه غنج وميوعه .. ابين زين واشوف البخت واضرب الودع ، لمح نبيل فيها ملاحه وميوعه ، على كرسى منخفض وسط المجموعه اجلسها ، فرشت منديلها على الطاوله ، سلمت نبيل قوقعه ، امرته ان يوشوش الدكر ويرمى بياضه ، دست ما اعطاها فى مخباتها ، اما هو فقد كور القوقعه فى كفيه ، قربها من فمه ، همهم ببعض الكلمات وسلمها لها ، شخشختها مع مجموعه اخرى فى يدها ورمتها على المنديل ، نظرت فى عينية وهى تلقى ببعض كلمات سمعناها جميعا ، كررت مع فتحى ويسرى وجمال ما بداته مع نبيل ، اسرت لكل منهم عدة كلمات مسجوعه ولكنها تحمل دلالات كثيره ، انصرفت وبداوا يتندرون على ما قالته لكل منهم ، بضحكته المميزه قال يسرى "الوليه دى لو استحمت ولبست فستان شيك مع رشة بارفان ، كنت عطيتها كل اللى معايا .. يا جماعه دى دمها اخف من كل بنات الدفعه ، دى عليها صدر يرضعنا كلنا فى وقت واحد" ، مرت ايام نسوا فيها ما حدث.
يوم ان ظهرت النتيجة ونجح الجميع إلا نبيل تخلف فى مادتين ، تذكروا ان العرافه قالت له يومها ، قدامك نقطتين سود ، اما فى نهاية الصيف وقبل بدء العام الدراسى الجديد ، حدث ما جعلهم يتذكروها من جديد ، فبعد الانتهاء من مراسم دفن صديقهم يسرى اثر حادث سيارة اليم ، تذكرها ثلاثتهم لحظة ان امسكت يد يسرى ، قائلة بحزن وتاثر ، خط العمر فى ايدك قصير.
اليوم بعد عودتهم من شاطئ البوسيت ، استقر رايهم ان يتناولوا العشاء فى مطعم فخم ، لانه آخر يوم لهم بمطروح ،  كان محور حديثهم وهم يحتسون الشاى حول العرافه ، قال جمال "تصدقوا بالله .. موضوع العرافه ده كان شاغل تفكيرى من يوم نتيجة نبيل ووفاة يسرى وحتى اليوم" ، عقب فتحى ياعم بلاش السيره دى ، كل ما افتكرها احس انى متخلف ، ازاى اصدق حكاية عرافه مر عليها خمسين سنه ، دى وليه مجنونه ، وافقه نبيل على مضض ،واكمل : كذب المنجمون ولو صدقوا ،  بهدوء واكتئاب ، اكمل جمال حديثه مستفسرا "حد فيكم فاكر آخر كلمة قالتها وهيه ماشية ؟ " ، نظرا اليه ولم ينطقا ، فهما يعرفان ويحفظان ما قالته هذه العرافه فى هذا اليوم منذ خمسون عاما مضت  ، حاول جمال التسرية عن المجموعه ، دى ياحضرات تلاقيها كانت ضاربه نفسين حشيش مغشوش قبل ما تقعد معانا ، رد نبيل بصوته الاجش ، بس بت المجنونه ما قالتش حاجه الا وحصلت لكل منا ، حاجه واحده فقط لم تتحقق حتى اليوم اظنكم فاكرين انها ربطتنا احنا التلاته بنهايه واحده.
مرت ايام الاجازه سريعه سعيده ، استقل ثلاثتهم سيارة جمال فى طريق عودتهم الى الاسكندريه.
فى اليوم التالى لعودتهم ظهرت الجرائد وفيها خبر حادث تصادم مروع راح ضحيته ثلاثة اصدقاء.

فيمتو قصص

عاوز حقى :
سيب شغلك وتعال الحقنى يا ابومجدى ، ولادك هيجننونى ، الواد البكرى فتح الدرج واخد مصروف الشهر ولما قلتله يرجع الفلوس مكانها ، علا صوته وقاللى ده حقى والا انتم مش حاسين ان احنا فى ثوره ، والبت عاوزه تقلعنى الغويشتين اللى حيلتى وتصرخ وتقولى دول حق من حقوقى فى البيت ده ، ربنا ستر ولحقت آخر العنقود على باب الشقه وهو شايل التلفزيون نازل يبيعه ، ولما منعته قعد يعيط ويصرخ وهو بيقول حقى حقى ، هوه ايه اللى صاب الولاد بعد ثورة يناير ، رد عليها فى برود "ياوليه انا مش فاضيلك ، انا وزمايلى سايبين الشغل وواقفين قدام باب الشركه نهتف ونطالب بحقوقنا ونهدد الاداره إذا ما اخدناش اللى احنا عاوزينه هنولع فيها ، يللا يا وليه خلصى لانى شايف الوزير بنفسه جاى يدينا حقوقنا اللى ما نستحقهاش.


تاريخ :
تفوق فى دراسة التاريخ ، كان من اوائل دفعته ، عانى كثيرا الى ان حصل على وظيفة حارس ليلى ، من مكانه على باب الفيلا التى يحرسها ، تابع بشغف كلبه تتمختر بدلال ، خلفها ثلاث كلاب يتوددون اليها ، لا يدرى لماذا تذكر اصدقاء الشباب ، هو وصبحى وهانى كانوا يتنافسون على حب سوزى ، سوزى الآن مدرسه بجامعه الرياض ، وصبحى مهندس بشركة بترول بدوله خليجيه ، اما هانى فقد هاجر الى كندا فور تخرجه من كلية الطب ، هو الوحيد الذى فشل فى السفر للخارج ، كما فشل فى الحصول على وظيفه تتناسب مع تفوقه فى تخصصه الجامعى فى التاريخ ، فور ان اختفى مشهد الكلاب من امامه ، شعر بكآبة واحتقار لنفسه ، خلع اليونى فورم المسلم له ، اكمل ارتداء ملابسه الخاصه وهو يجرى مهرولا فى الشارع ، صارخا بالسباب للافراد والدول التى تعتمد على التاريخ فقط,


التحدى :
بصعوبه استدل مصطفى على القهوه ، وجد صديقه منزوى فى ركن يدخن الشيشه ، بادره بالتحيه ، ساله ساخرا " ملقتش قهوه انضف من دى نتقابل فيها" .. ابتسم صديقه وهو ينفث دخان الشيشه من انفه وفمه وكانه وحش النار الاسطورى ، "ماهو طلبنا مش موجود إلا هنا" ، اقترب منهم العامل مستفسرا عن الطلبات ، رد صديقه " هاتله قهوه مظبوطه كوبايه ولما يوصل المعلم اديله خبر إنى منتظره"  ، كاد مصطفى يقفز من فوق الكرسى ليهرب عندما سمع رجلا يصرخ  من خارج القهوه " انا عاوز راجل فى القهوه دى يتحدانى .. عاوز فيكم راجل جدع يقف قصادى" ، تخيل مصطفى ان شجار بالمطاوى او السيوف سوف يبدأ فورا ، طلب من  صديقه الغاء الطلب والانصراف ، فى اقل من دقيقه كان الرجل الصارخ فى وسط القهوه مكررا نفس التحدى وبصوت اشد ، تفرسه مصطفى فوجده هزيل نحيف ضعيف الجسد ، لم يجد فى يده بلطه او ساطور او مطواه ، تعجب ، ما لهذا الهزيل والتحدى ، نظر لصديقه قائلا "الراجل ده مجنون ؟ ده ميستحملش لطشه قلم ، ده ممكن يطير فى الهوا لو حد نفخ فى وشه ، بالذمه ده واحد مش لاقى حد يقف قصاده ويتحداه" ، قهقه صديقه قائلا "البنى آدم اللى انت شايفه ده ، فعلا مفيش حد يقدر يهزمه .. فى لعب الطاوله"


داعش :
 بالكاد ضبط نفسه فوق الكرسى المتهالك على سطح المنزل  ، اخرج من جيب القفطان العلوى علبة سجائر من النوع الردئ ، ثلاث محاولات وفى الرابعه امكنه إشعال عود الثقاب ليبدأ سيمفونية السعال ، انحنى ليلتقط بعض الحبوب من علبه صدئه اسفل كرسيه ، نثرها على الارض ، يتابع الدجاج والبط والاوز وهم يهرولوا ويتقافزوا فى سعاده وفرح لالتقاط القليل من الحب ، دمعت عيناه وهو يعرف مصيرها المحتوم.قليل من شبابنا يهرولوا ويتقافزوا فى سعاده وفرح يوم حصولهم على المقابل المادى السخى نظير انضمامهم الى داعش ، للاسف هم ايضا لا يعرفون مصيرهم المحتوم .


غفوه :
 استلقى على سريره يتابع فيلم كوميدى ، غفى قليلا فشاهد رحلة حياته تمر امامه وكانها شريط سينمائى ، انتبه من غفوته ليشاهد على شاشة التلفزيون اسماء المشاركين بالفيلم تتوالى هبوطا من اعلى الشاشه لاسفلها ، بحروف كبيره واضحة توسطت الشاشه ، ظهر اسم المخرج ، انتابته قشعريره ودهشه عندما لاحظ ان الاسم الظاهر على الشاشه هو اسمه الرباعى ، فى لحظة اختفاء الاسم وظهور كلمة النهاية ، هز راسه عدة مرات وهو مغمض العينين ليستوعب ما راى ، لم يفتح عينيه بعد ذلك ، لينتهى الفيلمان ، ويستمر التلفزيون فى عرض برامجه المعتاده.


تواصل :
 تسحب بهدوء وهو يمر امام باب حجرتها المغلق ، لايريد ازعاجها فى هذا الوقت الباكر من النهار ، كان قد اخذ حمامه وغير ملابسه ثم تناول فطوره بالمطبخ ، اجل تدخين سيجارته لحين خروجه من الشقه لانها تكره رائحة الدخان  ، وصل مكتبه وانشغل فى عمله ، عند سماعه آذان الظهر ، ابتسم واسند مرفقيه على المكتب متوقعا اتصالها التليفونى المعتاد لتساله "تحب احضر لك ايه على الغدا النهارده ؟" ، طال انتظاره ، لم يطق صبرا ، اتصل بالمنزل ، ردت عليه ابنته ، سالها "هيه الحاجه لسه مصحتش ؟؟ ، لما تصحى اساليها  لو محتاجه حاجه اجيبها وانا راجع " ، لم يستوعب ردها على سؤاله ، بهدوء انهى الاتصال ، فكر مليا فيما سمعه وتذكر ان زوجته  توفت منذ شهر مضى .


الزير:
 وهو صغير اطلق عليه اصدقائه اسم القله ، لطول رقبته وكبر وتباعد اذناه عن راسه بشكل ظاهر ، مع انتفاخ فى البطن ، وخلفيه ضخمه ، حبات العرق تملأ جبهته ووجهه عند اى ارتفاع فى درجة الحراره ، فكان الاسم على مسمى ، فى مرحلة الشباب اصبح مصدر إزعاج لبنات الحى ، يطاردهم ، يتحرش بهم ، وسط اصحابه كثرت احاديثه وحكاويه عن مغامراته الجنسيه وعلاقاته وولعه بالجنس الآخر ، فتحول لقبه من القله الى الزير ، قرر اهله تزويجه مبكرا درءا لمشاكله الكثيره ، لم يدم زواجه من فاتنة الحى اكثر من شهر واحد ، طلقها واختفى من الحى تماما ، عندما سالوها عن سبب الطلاق ، ابتسمت فى سخريه وهى تقول "عمره ما كان زير ، لكن من المؤكد انه كان  قله". 


الموتوسيكل:
 مش هتصدقنى لو قلتلك نفسى اركب موتوسيكل ، باستغراب نظر اليه صديقه فتحى قائلا "طول عمرك تافه وسطحى ، بس مش متوقع ان واحد فى سنك يحلم بركوب موتوسيكل ،انت تافه يا ابنى؟" ، بوقار رفع راسه ونظره لاعلى وكانه سيقول حكمه عمره "شوف يا تاحه باشا .. انا ما سبتش حاجه مركبتهاش .. وانا صغير ركبت مستعجله و كرنك ، ولما كبرت شويه اتعلمت ركوب العجل ، وطبعا ركبت تاكسى والترام والاوتوبيس والميكروباص والتروللى والمترو ، وطبعا ركبت القطر والسوبر جيت والمركب واللنش ، حتى الحصان والحمار ركبتهم ، وافتكر وانا مجند بالجيش ركبت دبابه ، ولما اديت فريضة الحج ركبت طياره ، مسبتش حاجه مركبتهاش حتى التوك توك ركبته ، بس للاسف عمرى ما ركبت موتوسيكل وطول عمرى نفسى اركبه" ، طال صمت حسنى الى ان استفزه فتحى بسؤاله "ايه يا عمنا ، انت نمت والا بتطلع فى الروح ، هوه ايه اللى خلاك بعد العمر ده كله تقول نفسى اركب موتوسيكل زى العيال الصغيره" ، ظهر الغضب على وجه حسنى ، رد بعصبيه "مش باقولك عمرك ما هتفهمنى ، ده انا من خمسين سنه من اول شهر استلمنا فيه العمل بالشركه ..آهو من يومها لغاية النهارده وانا باحلم اركب الموتوسيكل"  استغرب فتحى احوال صديقه فساله "مالك النهارده مش طبيعى .. متكنش عيان ولا تكون مبلبع حاجه وانا مش عارف؟ " ، بسرعه وحماس جاءه الرد "لا والله ، بس معرفش ايه اللى فكرنى الساعه دى بسكرتيره رئيس مجلس الادارة ، البت الموزه المتختخه ، فاكر كنا مسمينها ايه ؟" ، شهق فتحى وهو يطلق ضحكه مجلجله "يا ابن الايه ، دى تلاقيها دلوقتى بقت توك توك قديم بثلاث عجلات مش موتوسيكل ، قوم روح قبل ما اقول لمراتك اخليها تمنع عنك المصروف وتنسيك الماضى والحاضر ويمكن المستقبل كمان ، ومش بعيد تخليك تركب الهوا ، آل موتوسيكل آل" .. وانصرفا وهما يقهقان.


الحفيد :
 بصوت واهن نادى عليه "انت يا واد ياعكروت ، تعال فى حضن جدو حبيبك ، انت واحشنى جدا" ، تسمر الصغير عند باب الحجره ، فاكمل الجد "انت ببتفكرنى بابوك وهو فى سنك ، كان جميل زيك ، ومكنش يبطل شقاوه ، كان دايما ييجى ينام فى حضنى ، تعال يللا فى حضن جدو" ، تراجع الصغير قليلا "انت جدو حبيبى بس مش عاوز حضن" ، ساله الجد باستعطاف "ليه كده ، ده انا بحبك ، ولو كنت اقدر اقوم من السرير ، كنت قمت وشلتك على قلبى واخدت حضن كبير وبوسه جامده ، يللا خليك جدع وتعال فى حضن جدو ، بحزم  قال له الحفيد "مفيش حضن ، تعال اقعد فى الصاله وانا اديك حضن ، الاوضه دى ريحتها وحشه زى ريحة المستشفى اللى الناس بتموت فيها".مر يومان من اجازه الابن الزائر ، اما باقى ايام اسبوع الاجازه فقد قضاها فى اجراءات ومراسم دفن والده والعزاء.رباعيه : 
سبعين سنه من عمرى مرت كانها .. لمحه كثير منها كانت حلوه وقليلها ايام  .. مالحهدلوقتى عقارب الساعه كسلانه   تتحركنست ايام ما كانت تفر كالحصان  .. جامحه     ..... عجبى                             "كتبتها فى عيد ميلادى السبعين"


حمامة التيرو :
وهن محبوسات داخل القفص الكبير ، ينظرون بحسرة للفضاء الفسيح والسماء الصافيه ، وفى الافق القريب تطير نوارس البحر محلقه فى حرية وخفة ومهاره ، فور ان فتح باب القفص تدافعوا املا فى الحريه ، مد الحارس يده ممسكا بواحده ، قبل ان يقذف بها فى الفضاء اغلق الباب ، حسدها زملائها وهى ترفرف بجناحيها قدر ما تستطيع هربا من هذا السجن ، لم تذهب بعيدا عندما سمعوا طلقتان ناريتان متتاليان ، لتسقط المغدوره فى مياه البحر.فتح باب الصندوق وامتدت يد الحارس من جديد ، هذه المره انكمش الجميع فى اركان القفص هربا من اليد الممتده داخله ، بصعوبه قبض على التاليه ، حدث معها ما حدث مع الحمامة الاولى ، وتكرر الامر مره تلو اخرى.سأل عاقل نفسه ، الم يتعظ العرب بعد سقوط العراق وسوريا وليبيا واليمن ، ولولا ستر الله لكانت مصر الحمامه التاليه وياتى الدور على باقى الدول العربيه ، الا يوجد عاقل يوحدنا لنكون  صقورا نسورا او على الاقل نوارس بحر ننعم بحريتنا فى هذا الكون الفسيح.


النكسه :
فى شبابى حدثت نكستى الاولى فى 5 يونيو 1967 ، يوم هزمت مصر فى الحرب ضد العدو الاسرائيلى ، تم تجنيدنا بالقوات المسلحه ، وازلنا آثار النكسه بانتصارفى 1973 ، بعد ست سنوات تم التحرير.فى شيخوختى حدثت نكستى الثانيه فى 5 يونيو 2016 ، يوم فقدت اغلى ما لى فى هذه الدنيا ، شريكة حياتى زوجتى وام اولادى ، يوم اوصلتها الى مثواها الاخير ، ترى كم بقى لى فى هذه الدنيا على ان اقضيها فى وحدة وزكريات وشجن وعذاب ، اليوم ادعو الله الا تطول ايامى لاتحرر من هذه الدنيا ومن نكستى الثانيه.


جونيور:
تلك اول مباراة رسميه له مع الفريق الاول ، صال وجال محاولا إظهار موهبته ، اينما تتوجه الكره يتابعها بحماسه تزداد قوة كلما اذداد هدير الجماهير مرددة اسمه ، اقترب منه كابتن الفريق ناصحا اياه بتوزيع جهده على زمن المباراه ، لم يعره اهتمام ، مرت عشر دقائق لم يلتقط فيها انفاسه ، فى واحده من هجمات  الخصم على مرمى فريقه ، كان هو من تابع مهاجم الخصم كتفا بكتف ، لم يستطع مجاراة سرعته ، شعر بدوار ، توقف ، ذاغ بصره ، اغمى عليه والكره تدخل مرمى فريقه ، اثناء سقوطه على ارض الملعب مغشيا عليه ، تحول هتاف الجماهير له الى السباب باقذع الالفاظ ، وهو محمول على النقاله خارج الملعب ، سمع الكابتن يقول "مسكين ، عمره قصير فى الملاعب".كم تمنيت على شباب ثورة يناير ان يوزعوا مجهوداتهم لحين تحقيق كل ما ثاروا من اجله.

الجمعة، 5 أكتوبر 2018

اقوال ماثوره وامثال


من خرج من داره .. اتقل مقداره 
 رغم انه لم يؤدى فريضة الحج ، إلا ان اهل القرية لقبوه بالحاج شعبان، رجل سبعينى العمر ، قضى حياته لم يغادر قريته ، جسده الهزيل بالكاد يحمل راس صغير ، يميزه عيون واسعه حادة الذكاء ، اما جبهتة العريضه فقد خط عليها الزمن ثلاثة خطوط مستقيمه ، بروز عظام الوجنتين يضفى عزيمه وقوه على هذا الوجه المنحوت ، سبعون عاما قضاها الحاج شعبان بين الحقل والقريه ، يمتطى حماره فجرا فى طريقه للقيراطين اللى حيلته ، ليعود به عند الغروب ، متعته فى الحياة شرب الشاى وتدخين الشيشه مع اصحابه بعد صلاة العشاء.
على مقهى القريه ، اجتمع الحاج شعبان مع اصدقاءة ، وهو يضع ساق على الاخرى نادى بصوت عالى ، واد يا هريدى المشاريب النهارده قيدها على حسابى ، ابتسم واحد من المجموعه قائلا "من امتى الكرم ده يا حاج شعبان ؟" ،  بعصبية وبحركه لا اراديه حك بيده الشعيرات البيضاء فى ذقنه قائلا "انا يا طربش يا ناكر الجميل طول عمرى ابو الكرم كله" ، اشترك فى الحوار صديق آخر ، طيب معرفناش ايه مناسبه الكرم ده يا حاج؟ ، سحب نفس من الشيشه ، رفع راسه بخيلاء وهو ينفث ما سحبه من دخان الشيشه ، "الواد ابنى المهندس بالحجاز اتحايل على عشان ازوره واعمل عمره ، صمت قليلا وهو ينظر فى عيون اصدقائه ، "كمان بعتلى تذكرة الطيران وكارت الزياره متوثق ومختوم مع واحد من المهندسين اللى بيشتغلوا تحت ايده ، ما انتم عارفين الواد ابنى هوه المهندس الخصوصى للملك بتاع السعوديه" ، ساله واحد من زملائه "وامتى العزم ان شاء الله" ، بفخر وتكبر والفرحه تكسو وجهه "بكره باذن الله ، هيجينى مهندس يآخدنى من هنا لغاية ما يوصلنى لابنى" ، وفى الموعد المحدد تجمع الاهل والاصدقاء لتوديعه.
وصل المطار وبمساعدة المهندس انهى الاجراءات وصعد الطائره ، لم ينقطع عن تلاوة آيات من الذكر الحكيم علها تنقذه من الرعب الساكن فى عقله ، بدقه متناهيه نفذ تعليمات المضيفه ، اربط الحزام ، ارفع الطاوله الموجوده امامك عند الاقلاع والهبوط ، وممنوع التدخين طوال الرحله ، اذداد رعبا عندما شرحت للركاب الاجراءات التى يتبعوها فى حالة سقوط الطائرة ، عندما بدات الطائره فى التحرك والتسارع والاقلاع ، جحظت عيناه ، بقوه قبض بيديه مسند المقعد ، ثبت جسده بعنف بالكرسى الجالس عليه اما قدميه فقد تشنجتا بارضية الطائره ، حبس انفاسة واغمض عينيه وما زال يتمتم ببعض الآيات ، قبل ان تستقر الطائره فى وضعها الافقى ، شعر بارتجاج شديد بجسم الطائره ، زاد تشبسه بالكرسى ، علا صوت تلاوته ، برعب وخجل نظر للجالسين جواره ، رآهم جميعا فى رعب شديد وبعضهم يصرخ ، المضيفات متوترات ويطلبن من الركاب الهدوء واتباع الارشادات ، وجاء صوت قائد الطائره معلنا حدوث عطل فنى والعوده الى المطار وعلى الجميع الهدوء والالتزام بمقاعدهم .
فور ان عادت الطائره واستقرت على الارض ، لم ينتظر ما سمعه من قائد الطائره بانهم سيقومون باصلاح العطل ومواصلة الرحله خلال نصف ساعه ، تسحب خلسه وخرج من المطار ، استقل تاكسى للقريه ، تعجب الاهل من سرعة عودته.
على المقهى وسط اصدقائه حكى لهم دقائق الرعب التى عاشها ، ساله صديق "انت عارف يا حاج شعبان انت بالشكل ده هتاخد ثواب العمره كانك اديتها كامله ، بس دى تعتبر عمره تاك اواى" ، قال آخر "لا لا  ده راح القاهره اتفرج على العمره فيديو ورجع لنا ، الف سلامه ياحاج " ، بشموخ وضع ساق على الاخرى وهو يسحب نفس من الشيشه قائلا " مالى انا ومال السفر ، ده على راى المثل "من خرج من داره .. اتقل مقداره" وضج الجميع بالضحك.

خليهم يتسلوا ... "من اقوال الرئيس المخلوع حسنى مبارك"

ايه رايك يا حاجه ، ابنك المهندس محسن عاوزنا نقضى يومين عنده فى الشالية ، ردت بابتسامه رقيقه ، "وماله ياحاج ، آهى فرصه نريح اعصابنا ونشم هوا البحر ونشوف حبيبة قلبنا حفيدتنا باكينام" ، رد عليها الحاج وهو يطالع جريدته " اتمنى ان اللواء سعيد حما ابنك وعصابته ميكونوش موجودين" ، ردت بهدوئها المعتاد "وماله ياحاج ده حتى راجل طيب" ، قهقه بسخرية قائلا "هوه طيب بس ؟ ده امير الامرا كمان ، انا مش عارف ابنك محسن طايقه ازاى ؟ حماه ده راجل مزعج مغرور مبيبطلش كلام ، عموما عشان باكينام هتصل بمحسن ابلغه اننا هنكون عندهم بكره الصبح" .
بترحاب شديد استقبلهما ابنهما محسن وزوجته هايدى ، سالت الحاجه عن حفيدتها باكينام ، افادوها انها ذهبت للشاطئ مع جدها سيادة اللواء ومعهم اخت هايدى وزوجها الدكتور وابنهم هشام ، انزعج الحاج عندما سمع اسم هشام الذى يكبر باكينام بسنتان ومصدر دائم لازعاجها ، قال لنفسه اكيد الواد ده ورث الرزاله والغتاته من جده اللواء.
فور وصول اللواء ومن معه عند باب الشالية قادمين من الشاطئ ، جرت باكينام لترتمى فى احضان جدها وجدتها ، انشغلوا بالسلامات والاحاديث الثنائيه ، لم تمضى دقائق إلا وسمعوا صرخه من باكينام ، انزعج لها جدها الحاج ، جرى عليها ورفعها الى حضنه ، مسح دموعها وطيب خاطرها ، بصوتها الذى يذوب رقه ، "جدو .. هشام عاوز يبوسنى ، لما زقيته ، شدنى من شعرى وضربنى " ، بصعوبه كظم الحاج غيظه ، اما ما جعل الدم يفور فى شرايينه ، عندما سمع اللواء صدقى يقول له " ما تزعلش نفسك ياحاج .. دول عيال .. خليهم يتسلوا" .. نظر اليه بغضب وحمل باكينام الى جدتها الحاجه تطيب خاطرها.
قضوا جميعا فترة بعد الغداء على شاطئ البحر ، استمتعوا بغروب الشمس ، اكتفى الجدان وقررا العوده الى الشالية ، جلسوا فى ركن بالفراندة ، لم يضيئوا الانوار حتى لا يتكاثر عليهم الناموس ، لعدم انسجامهما سويا فآثرا الصمت وانشغل كل منهم بافكاره ، وسط هذا السكون والظلام ، لاحظا شبحان يتسللان من باب الشالية ليقفا بجوار سور الحديقه المحاط باشجار قصيرة ، التصقا  ذابا فى قبلة حارة لم تدم طويلا ، بحسه البوليسى نهض اللواء بهدوء ليضيئ الانوار فجأه ، راى شاب يرتدى لباس البحر يخرج جريا من باب الحديقه ، اختفى ، اما الواقفه فى ذهول وخجل غير قادرة على الحركه ، فقد كانت الابنه الصغرى لسيادة اللواء ، صرخ سياده اللواء وهو متجه نحوها يريد عقابها ، اعترضه الحاج وهو يضحك بسخرية "حلمك يا سيادة اللواء المحترم .. ما تفورش دمك .. دول عيال .. خليهم يتسلوا".
  

يا ظالم لك يوم  (فى جمعة الغضب 28 يناير 2011 حطم الشعب المصرى مقار الشرطة فى جميع محافظات مصر واحرق اكثرها)



على الرصيف المجاور للقهوه ، ركن عم فراج عربته الكارو المحمله بالفراوله الطازجه ، رصها بعناية على شكل هرم يتوسط العربه ، اما الاطراف فقد زينها بمجموعه علب بلاستيكيه معباه بكيلو فراوله ، سحب كرسى من القهوه وجلس يحتسى كوب الشاى بتلذذ ، ابتسم وانشرح صدره وهو ينظر الى بضاعته ونظافتها وشكلها المغرى ولونها الجميل  ، يمنى نفسه بمكسب يسدد به ثمن الفراوله وإيجار العربه للمعلم الكبير ويتبقى له مايكفى مصروف البيت وعلاج ابنته التى تحتاج لجلسة غسيل كلى مرتان اسبوعيا.
لم يياس من ركود حركة البيع ، فاليوم ما زال فى اوله ، ويمنى النفس بتبدل الحال فى فترة خروج الموظفين من اعمالهم ، طلب من القهوجى واحد شاى وكرسى معسل ، وهو يشد نفس عميق من الشيشه قال لنفسه " يا سلام يا واد لو ييجى اليوم اللى تبقى فيه معلم كبير تجهز العربات المحمله بالفاكهة وتسلمها للسريحه ، وقتها اعالج بنتى عند اكبر دكاتره فى البلد ، واشترى شقه تبص على الشارع ، بدل الجحر اللى ساكن فيه".
 ابتسامة رضا وامتنان ظهرت على وجهه ونهض سريعا يلبى طلبات زبون ، النقود التى استلمها قبلها ورفعها الى جبهته قبل ان يضعها فى جيبه ، حمد الله كثيرا على هذا الاستفتاح الطيب ، عاد يشد نفس شيشه ، لمح الواد سعد الصعيدى ماسح الاحذيه وهو ينظر الى الفراوله بشغف  ، نادى عليه وناوله اربع حبات قائلا له "بالهنا والشفا ، كان نفسى يا ابنى البس جزمه عشان انفعك وتلمعها لى " ، هنا تدخل عم غريب الواقف بعربة سندوتشات الكبده قائلا "صباح الفل يا معلم فراج ، اعملك سندويتشين خصوصى يا معلم " ، رد بعفويه "الوليه مرضتش تسيبنى انزل الصبح قبل ما افطر".
كلما مر الوقت كلما اذداد الطلب على الفراوله ، توقع انه على نهاية اليوم سينتهى من بيع كل ما يحمله ، دق قلبه بعنف وهو يرى سيارة شرطة المرافق قادمه من آخر الشارع  ، اختفى ماسح الاحذيه ، اما غريب بتاع الكبده جرعربته لاحد الشوارع الجانبيه ، لحظه واحده وكانت امامه سيارة الشرطه الربع نقل ، بخفة القطط قفز من صندوقها الخلفى ثلاث رجال مباحث ، هجما على عربته ، اخذوا الميزان والموازين ، نقلوها الى سيارتهم ، لم يكتفوا بذلك بل نقلوا ايضا العلب البلاستيك المعباه بالفراوله ، انخرس المعلم فراج ووقف مشلولا ، من نافذة السيارة اطل ضابط شرطه ، قائلا بعد ان سب عم فراج بابوه وامه واهله "اسمع يا روح امك ، انا نص ساعه وراجع ، لو لقيتك لسه واقف وشاغل الطريق هقلبلك الفراوله فى الشارع واعملك قضيه توديك فى ستين داهيه " ، باشاره من يده انطلقت السياره .
ران سكون كئيب على المكان ، علت اصوات بعض رواد المقهى ، قال احدهم "والله العظيم ده افترى" ، يرد آخر "ده ظلم وقلة ادب" ، الجميع تعاطف مع عم فراج وحاولوا تعويضه عما اصابه من ضرر ، لكنه رفض وشكرهم على مشاعرهم الطيبه ، عاد ماسح الاحذيه لنشاطه ، ظهرت عربة عم غريب مرة اخرى ، اما عم فراج فقد شل فى كرسية غير قادر على الحركة وهو يتقبل مواساة الجميع ، كادت الدموع تفر من عينيه وهو يفكر كيف سيرد للمعلم ايجار العربة وثمن الفراوله التى استولت عليها الشرطه ، كيف يواجه مطالب ابنته المريضه ومصروف البيت اليومى ، اخرج من جيبة عشرة جنيهات ، رفض القهوجى اخذها منه قائلا المعلم دفع حساب الشاى والشيشه ، ربنا يعوض عليك يا معلم.
وقف امام عربته فى خزى ، المراره والقهر والكآبه ملأت روحه ، حزن الدنيا تجمع فى قلبه ، عزة نفسه منعت تساقط الدموع من عينيه ، وبدأ يدفع عربتة عائدا ، تذكر انه حضر صباحا ممنيا نفسه برزق وفير ويوم مبروك ومعنويات مرتفعه ، الآن يدفع عربته امامه والحزن يعصر قلبه والالم يمزق روحه ، فرت دمعه من عينية حزنا على حالة ، ركن العربه امام بيته وصعد ، بحنان بالغ حضن ابنته المريضه ، نظر فى عينى زوجته طويلا وهو يحتضنها دون ان ينبس بكلمه ، تركهم و خرج هائما على وجهه .
تصدرت عناوين جرائد صباح اليوم التالى حادثة مقتل ضابط شرطه على يد إرهابى  اسمه صبحى.



الخميس، 4 أكتوبر 2018

المعلم القط


عشة من الصفيح فى حجم قبر ، بالكاد تسمح لساكنها بالجلوس او التمدد للنوم ، فرشت ارضيتها بطبقه من كرتون سميك ، مغطى ببطانية صوف بالية ،  فى الركن قطعه خشبية كالحة اللون ، فوقها وابور جاز وحله المنيوم وطبقان وبراد ، جميعها اكتست بلون الهباب ، ثلاثه اكواب قذرة بجوار جركن ماء بلاستيك اشد قذاره ، فى الركن الداخلى صرة ملابس تستخدم كوساده عند النوم ، اما برطمان الجوزه والفحم فقد ركنا عند مدخل العشه ، هذه هى مملكة المعلم القط ، شيدها بنفسه لتكون مقرا لاعماله نهارا ومخدعا لنومه ليلا ، اختار لعشته موقعا استراتيجيا على الرصيف الملاصق للسور الخلفى للمقابر.
المعلم القط فى الاربعين من عمره ، الشقاء والغلب والفقر جعله يبدو وكانه تعدى الستين ، ملابس رثه تغطى عظامه ، لايظهر منه إلا وجه ممصوص مملوء بدوائر جديرى قديم ، عيون غائرة تحيطها هالات سوداء ، شعيرات بيضاء متناثرة بذقنه المدبب ، انف كبير لا يتناسب مع حجم وجهه الصغير ، يغطى صلعته بطاقيه صوف طوال العام ، خطوط من العروق النافره تنبض بعنف فى رقبته ، يحمل هذه الراس هيكل عظمى مغطى بالجلد ، من فتحة قفطانه تظهر عظام الترقوه واضحه ، كانها جناحا صليب معلق عليه باقى جسده ، اما هزاله وضعفه يوحى بان الزمن اكل شحمه ولحمه و لم يستسغ طعم العظام فتركها مقوسه عند الظهر وملتويه عند الساقين.
تعود على التسول بالمقابر بمجموعة ادعيه لا يعمل بها ولا يعرف معناها ، يرددها بصوت مرتعش لكل من يمر امامه فينفحوه بعض المال ، إما صدقه على ارواح موتاهم او لمنظره الذى يرقق القلوب الرحيمه ، قبل ان تغيب الشمس وهو فى طريقه للعشه ، يمر على مقهى ومطعم المعلم شيحه ، يخرج حاملا ثلث كيلو كباب مشكل وزجاجة بيره مثلجه ، ومن الواد سامبو يشترى ربع قرش حشيش ، يقرفص وسط عشته يلتهم بلذه الكباب ويبلع بالبيره ، ليبدأ فى رص الحشيش على الجوزه ، يدخن الى ان يتخدر تماما فينام فى مكانه.
فى ليله من ليالى شهر فبراير القارصة البروده ، مر جوار عشته كلب وكلبه من النوع الشرس ، اشتما رائحه الكباب فدلفا يبحثان عن بقايا الطعام ، دفء العشه اهاج مشاعرهما ، بصعوبه فتح المعلم القط احدى عينيه فراى ما لا يتوقعه ، هب واقفا فاصطدمت راسه بسقف العشه التى لا تسمح بالوقوف فيها ، وهو فى وضع القرفصاء حاول ابعاد الدخلاء ، لم يستوعب ان الكلاب فى هذه اللحظات الحميميه لا تستسلم بسهوله ، فشلت عدة محاولات فى ابعادهما ،  سحب بسرعه سكين يحرص على وضعها قريبه منه ، ودارت معركه شرسه بين طرفين احدهما كلب وكلبه والطرف الآخر القط .
مر يومان لم يمر القط على مطعم المعلم شيحه ولم يشترى تموين الحشيش من السامبو ، كلف شيحه الواد السامبو بزياره خاطفه للاطمئنان على القط ، اقترب السامبو من العشه ، اشتم رائحه عفونه قذره ، ازاح الستاره الاماميه ليرى جثة المعلم القط وفى يده سكين صدئ ، قفطانه ممزق تماما وآثار نهش عند الرقبه والصدر ، الدم يغطى اجزاء كثيره من جسده ، بالقرب منه راى جثة كلبان فى فم احدهما جذء من رقبة القط.
عندما وصل الخبر للمعلم شيحه ، هرول مسرعا للعشه وخلفه السامبو ، بلهجه آمره "بص ياض يا شيحه عاوزك تقلب العشه لغاية ما تجيب الفلوس اللى محوشها ابن اللئيمه القط ، والسبوبه دى بالنص بينى وبينك ، دقائق وعادا حاملين كيس مخده متهالك مملوء نقديه ، اقتسما المبلغ واتفقا على نسيان هذا الموضوع.
صباح اليوم التالى اتصل شيحه بالبوليس "ايوه يا باشا فيه عندنا جريمه قتل" ، جاء رد الطرف الآخر "مين معايا؟؟" ، رد شيحه محاولا تغيير نبرة صوته "انا فاعل خير وعاوز ابلغ عن جريمه قتل ، الكلاب قتلت القط " ، سمع ضحكه من الطرف الآخر "انت مسطول ولا بتهزر يا روح امك" ، رد المعلم شيحه بسرعه " والله يا باشا انا مصحصح ومش باهزر" ، مرت لحظة سكون "اسمع يا اخينا ممكن افهم ان الكلاب تقتل قط ، لكن قط يقتل كلاب دى كبيره شويه ، والجريمه دى تمتم  فى انهى خرابه ، قالها وهو يضحك من قلبه" ، وصف شيحه له المكان وهو يقول يا باشا القط ده بنى آدم وانهى المكالمه.
لم يعر البوليس اى اهتمام بهذا البلاغ ، بمرور الايام اصبحت الرائحه لا تطاق ، بالاموال التى سرقها المعلم شيحه إقام حجره مسقوفه بدون ابواب او شبابيك تحيط بالعشه من جميع الجوانب ، وكتب على الجدار هنا يرقد القط ، بمرور الايام ظن بعض السذج ان هذه مقبرة واحد من اولياء الله الصالحين ، واليوم كثيرين ياتون خصيصا من اقاصى المعموره للتبرك بالشيخ القط.

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

الشهيد


"مساء الاحد 5 اغسطس 2012 هاجمت مجموعه ارهابية نقطة  تفتيش الشيخ زويد بشمال سيناء على الحدود المصرية الاسرائيلية ، قتلوا 16 وجرحوا 7 ونجا 2 من ضباط وجنود حرس الحدود اثناء تناولهم وجبة الافطار فى شهر رمضان "

تقابلا بالاحضان والقبلات ، ياااه تصدق بالله يا عماد انت واحشنى موت ، ايه يابنى شهر كامل ماشوفكش ، رد عليه بود : وانت كمان وحياة دينى يا مصطفى ، بس انت عارف الوحدة بتاعتى اتنقلت سيناء وبقت الاجازه كل شهر ، قاطعه مصطفى بتهكم : الوحده اتنقلت ولا انت كنت محبوس ، وسينا دى بقى سينا شرم ولا العريش ، زادت ابتسامه عماد ، طول عمرك متفائل ، سينا معبر ابوسالم ، عارف ابوسالم ؟ لا والله ياعمده اعرف ابواسماعيل وولاد ابواسماعيل ، هوه فين المعبر ده ؟ بحماس قال عماد : المعبر ده يا باشا على الحدود مع اسرائيل ، يعنى لو مجند اسرائيلى ايده طويله شويه ممكن لو حس انك نمت فى الخدمه يمد ايه فى جيبك ويقلب اللى معاك ، عموما انا مش قلقان منهم طول ما الاخوان مظبطين نفسهم معاهم ومع امريكا وغزه ، وانت يا درش عامل ايه ؟ تنهد مصطفى هعمل ايه يعنى ، كل يوم يتسمم بدنى وانا بآخد مصروفى من ابويا ، سيبك من وجع القلب ده وتعال نقابل الشله ، انا متفق نقابلهم سبعه ونص فى النادى ، دول هيتجنوا لما يشوفوك ، وكمان يمكن البت الموزه اللى كانت بتآخد معانا كورس محاسبه تكون موجوده ، الاسبوع اللى فات قابلتها صدفه ، المتخلفه بعد ما سلمت عليها سالتنى عنك ، من غيرتى قلتلها ده انتحر ، بغيظ نظر عماد الى مصطفى قائلا : ماشى ياعيل .. عموما ادينى خمس دقايق اطلع اغير هدومى واحلق ، ضحك مصطفى انت إذا غيرت هدومك وحلقت واستحميت ، الشله مش هتعرفك ، خليك بعبلك كده زى ايام الكليه يا معفن.
مصطفى وعماد تربطهم صداقه وحب وجيره منذ كانا بالابتدائى وحتى اليوم ، الشله كلها تعرف ذلك ، لو تواجد احدهم فى مكان ساله الاصدقاء عن توامه ، عماد ممشوق رياضى متفتح ضحوك بشوش طائش ، لا يخلو مجلسه من الضحك والانشراح ، اما مصطفى فيمتاز بالذكاء وسرعة البديهه وطيبة القلب ، ظاهر النحافه بسبب طوله المميز، ابتسامه دائمه تملأ وجهه ، استقلا تاكسى فى طريقهما للنادى ، وصلا مبكرا فلم يجدا احد من الشله ، قوللى ياعماد ، هيه سينا دى كلها مهربين ومخدرات وسلاح وارهابيين ، والانفاق اللى الغزاويه عاملينها ، عددها وصل كام دلوقتى ؟ رد عماد بدهشه .. انت فاكرنى خبير عسكرى ولا محلل استراتيجى ولا باشتغل بعد الضهر عداد للانفاق ، ياقفل ده انا حته عسكرى مجند ، كل اللى اعرفه انى اقف خدمه شنجى ، اصل عندنا نقيب غتت اسمه جلال مستقصدنى اقوله نفسى مره امسك خدمه برنجى يقولى لما تتظبط ياجندى يا بعكوك ، هى بعكوك دى شتيمه؟؟ .. وانطلقا فى ضحكه كلها سعاده .
اجتمعت شلة الجامعه ، اغلب حوارهم كان عن مستقبلهم الغامض ، والبطاله وميدان التحرير والثوره والاخوان والبلطجيه وانهيار الامن والريس مرسى والغلاء والمظاهرات والمطالب الفئويه ، نسوا حوارات زمان واحلام زمان ، نسوا البهجه والنجاح والبنات والفسح والرحلات والضحك والسعاده والحب والنوادر والمقالب والبحر والرياضه والسهر والسينما ، من تم تجنيده قرفان ومن تاجل تجنيده يعيش عاله على والده ، الغد مجهول والحاضر كئيب غير آمن ، عند منتصف الليل ودعوا بعضهم ، اقترح مصطفى على عماد ان يعودا للبيت سيرا على الاقدام للتوفير وليقضيا اطول فتره مع بعضهما ، وهما يفترقان تعانقا بحب وود وانصرفا على امل ان يلتقيا فى اجازة عماد التاليه.
شعر مصطفى بشوق لتوام روحه عماد ، مر عشرون يوما على سفره ، لم يتبقى إلا عشرة ايام ليلتقيه ، وهو مسترخى على سريره ، كعادته شغل الكاسيت ،  يهوى ام كلثوم ، الاوله فى الغرام ، يحفظها عن ظهر قلب ، يدندن معها كلمه كلمه ، وعندما وصلت الى (التالته من غير ميعاد راحوا وفاتونى) ، انهمرت دموعه  لم يحدث له ذلك من قبل ، لا يعرف السبب ، احس بخنقه وكابوس ثقيل على صدره ، نام وفى صباح اليوم التالى انتشر خبر ما حدث عند معبر كرم ابوسالم ، اغتال الارهابيون ستة عشر جندى وضابط اثناء تناولهم الافطار فى رمضان ، دعى الله ان يكون عماد واحد من الناجيان الوحيدان ، سيرضى لو كان واحد من السبعه المصابين ، نزل يجرى ، وصل بيت صديق عمره ، ابلغوه باستشهاده ، اغمى عليه ، لم يبكى إلا بعد ان وارى جسمان حبيبه التراب ،  لن يراه بعد اليوم ، صداقه وحياه واحداث ثلاثه وعشرون عاما ستصبح ذكرى.
 يااااه ياعماد الف رحمه ونور عليك يا صديق عمرى يا توام روحى ، الجنة مثواك يا شهيد ، حزنى على فراقك سيلازمنى من اليوم وحتى آخر عمرى.

الاثنين، 1 أكتوبر 2018

ابو الهول


أ – ابوالهول يبكى:
===========
ظاهره غريبة هزت جميع الاوساط العلمية والدوليه ، فلم يحدث من قبل ان تتدفق الدموع من عينى تمثال ، فماذا لو كان هذا التمثال هو ابوالهول ، اكد عالم فلك انها علامه من علامات الساعه ، اما خبير الجولوجيا الالمانى المشهور فسرها بارتفاع منسوب المياه الجوفيه فى باطن الارض فانفجرت من اضعف جذء بالتمثال وهو منطقة العينين ، اما اليونسكو فقد اجل إصدار تفسير لحين الانتهاء من تقرير البعثة العلمية المتخصصة فى الاثار التى طارت فورا للقاهره ، واكتفت الاذاعه والفضائيات المصرية باذاعة آيات من الذكر الحكيم.
خلال ساعه اصدر وزير الآثار تصريحا بان الوضع لا يستدعى كل هذا الانزعاج ، فالتمثال صامد وجسمه لا يتاثر بكمية المياه التى تتدفق منه ولا من البحيره التى تكونت حوله ، اما وزير الصحه فقد اعلن ان المياه نقيه ومطابقه للمواصفات القياسيه ، وكان اغرب التصريحات تلك الصادره من وزير الرى الذى ابدى سعادته بهذا الحدث ، حيث ستقوم وزارته بشق ترعه تستوعب هذه المياه لرى آلاف الافدنه فى المنطقه الصحراويه من الهرم حتى دهشور ، ولم يتوانى وزير السياحه من إعلان تفائله بمضاعفة الدخل القومى وزيادة كبيره فى اعداد السائحين المتشوقين لرؤية هذه المعجزه مما سيؤدى لزيادة الدخل القومى.
جموع الشعب المصرى لم تقتنع بكل هذه التفسيرات ، انتابهم شعور غامض بان ابوالهول يبكى حال مصر ، يبكى ثوره يناير 2011 التى ازاحت ديكتاتور وابنه ، فجاءت بديكتاتور ملتحى وجماعته ، يبكى فشل الاخوان المسلمين فى حكم البلاد ، وفشل خصومهم السياسيين فى المعارضه ، يبكى ديمقراطيه وعداله اجتماعية لم تتحقق ، يبكى مصر والمصريين بعد اخونه اجهزة الدوله ومؤسساتها وحصار الدستوريه العليا وارهاب الاعلاميين ومعاداة القضاه وتخويف الشعب ، اما الكآبة التى لاحظها الجميع على صور وجه ابوالهول فسروها بسبب الاعلان الدستورى الهتلرى الذى اصدره مرسى ويحصن جميع قراراته.
الحزن والخجل اصاب جميع الشباب وجاء بكاء ابوالهول ليزيدهم هما وحزنا ، تاكدوا ان ثورة يناير تحطمت وانتهت ، احلامهم وامانيهم سرقت منهم ، انقض ذوى الذقون على انتصارات ثورتهم ووزعوها على محاسيبهم واهليهم والموالين لهم فقط ، الدستور ومجلس النواب ومجلس الشورى اصبحوا اداه فى ايديهم يتصرفون فيها كيفما شاءوا ، على استحياء قام مجموعه من الشباب الحر بتصميم استماره عنوانها تمرد ، فى حركة اجتماعية ثورية وقع عليها ملايين الغاضبين ، حددوا 30 يونيو 2013 للنزول للميادين ، اكثر من ثلاثين مليون وقعوا الاستماره ، ملأوا ميادين مصر المحروسه ، اجتمعوا على قلب رجل واحد متمرد ، شباب وشيوخ ورجال ونساء حتى الاطفال تمردوا ، بسلميه رائعه وصوت هادر طالبت باسقاط النظام ، انحازت القوات المسلحه لصوت الشعب ، امهلت جميع القوى السياسية اربع وعشرون ساعه للاستجابه لمطالب هذا الشعب العظيم.
فى الثالث من يوليو 2013 تم الاعلان عن انتهاء حكم مرسى وجماعته ، تولى رئيس المحكمه الدستورية العليا إدارة شئون البلاد ، انشغل الشعب بفرحته وانتصاره ، القلوب الفرحانه تهنأ بعضها ، شعور الطمانينه حل مكان الشعور بالاختطاف ، انتهى زمن تكفيرنا لاننا لا ننتمى لافكارهم الارهابيه ، لن نعود لعصور البداوه والتخلف المجتمعى ، لن تفرض علينا ولايه الفقيه ، ولن تنقسم مصر او تهدى اراضيها لاخرين ، سنظل متمسكين بايماننا الوسطى المسالم الغير متطرف ، قبضنا على حاضرنا بايدينا .
مساء هذا اليوم التاريخى ، اذاعت وكالات الانباء ان الشعب المصرى نجح فى الاطاحه بحكم مرسى وجماعته ، اما ما اثار الاهتمام العالمى هو توقف دموع ابوالهول ،وظهور ابتسامه ساحره على وجهه.







ب- ابوالهول رئيسا لمصر :
===============
نبأ عاجل فى جميع محطات الاذاعه والتلفزيون المصرية والعالمية ، قطعوا برامجهم العادية لإذاعة هذا الحدث الجلل ، تضاربت الانباء بين حدوث إنفجار فى راس ابو الهول ، وبين اقوال شهود عيان عن خروج عمود دخان كثيف من انف ابو الهول فتكونت سحابة صفراء فوق منطقة الاهرامات ، بمرور الوقت انتشرت السحابة حتى غطت القاهرة والجيزة وضواحيها ، وما زال عمود الدخان يتصاعد وينتشر على قطر مصر.
استدعت الامم المتحده خبرائها للتوجه مباشرة للقاهرة ، وكانت البعثة العلمية المتخصصة فى الاثار التابعه لليونسكو اول من وصل الى مصر ، قبل آذان العشاء غطت السحابة جميع سماء مصر ، بادر مجلس الشعب بعقد جلسة طارئه لدراسة الظاهرة حضرها مجلس الوزراء والمجلس العسكرى ، حاله من الفزع انتابت الجميع ، قام التجار باغلاق محالهم ، العاملين تركوا اعمالهم وهرعوا جميعا للاحتماء ببيوتهم ، اغلقت النوافذ والشبابيك والجميع يتابعون بهلع كل ما يبثه التلفاز ، توقفت الحياة فى ربوع مصر ، الاخبار المذاعه متضاربه تغلفها إحتمالات ، منها ما يعتقد انها علامه من علامات الساعة ، اخرى تعتقد انه سلاح جديد تقوم امريكا بتجربته فى مصر ، الجميع يدعو الله ان يفك هذه الغمة ، مشاعر الايمان والصدق دبت فى قلوب المصريين ، الكل عاهد الله ان يكون صالحا ، ظلوا يدعون الله ويسالوه العفو والمغفره والتوبه ، عند الفجر هطل مطر غزير ، توقف تصاعد الدخان من موقع ابوالهول ، شعر الناس بضوء الشمس يتسلل من شيش نوافذهم ، خرجوا من بيوتهم فرحين مستبشرين وهم برون نور الشمس واضحا ، ويحمدون الله على عودة حياتهم لطبيعتها.
ظل الخبراء والعلماء يدرسون هذه الظاهرة ، لم يصلوا الى حقيقة ما حدث ، افادت اللجنة التى شكلتها هيئة الآثار بسلامة ابوالهول ولا توجد آثار إنفجار فى اى من اجزاءه ، اصابت الجميع حيره لعدم وصول الخبراء لتعليل مقنع لهذه الظاهره الغريبه ، وهنا قال الحكماء ، لعل الآتى من الايام يحل لنا هذا اللغز.
ملاحظه غريبه غشت مصر والمصريين ، الناس من يومها اصبحوا اكثر سعاده وسلام وهدوء ، توقفت المظاهرات والمليونيات من جميع ميادين مصر ، ظهرت الابتسامه على وجوه المصريين بعد غياب طويل ، انتشرت بين الناس عبارات لو سمحت .. انا آسف .. اتفضل .. صباح الفل ، الباعة الجائلون جمعوا بضاعتهم التى كانت تسد الارصفه والطرق ، فاصبحت الارصفه للمشاه والطرق للسيارات ، توقفت عمليات البناء المخالف وبدون تصاريح ، لم يعد احد يعتدى على الاراضى الزراعية بالبناء عليها ، الخبز متوافر .. كل عشرة ارغفه فى كيس بلاستيك ، بدون طوابير ، البنزين بجميع انواعه متوافر فى المحطات ، اجرة التاكسى كما يحددها العداد ، لا يرفض السائق توصيلك للمكان الذى تطلبه ، ولا يحمل معك آخرين ، اختفت الرشوة وتفتيح المخ والفهلوه ، العمال فى مصانعهم يعملون ، لا إضرابات ومطالب فئوية ، حالة من الرضا عمرت القلوب ، الموظفين يتعاملون مع الجمهور بود وحب ، جرسون المطعم اكتفى بابتسامه رضا ، لم يعد يطاردك لابتزاز بقشيش ، احترام اشارات المرور رغم عدم وجود شرطى مرور بيده دفتر مخالفات ، اختفى المتسولين وماسحى زجاج السيارات وبائعى مناديل الورق والفل والملصقات ، اختفت السيارات المركونه تحت العمارات تسد نصف الطريق ، مسئولى النظافه بجميع الاحياء اجتهدوا فى جمع القمامه من الشوارع ، بدات سيارات المياة تغسل الشوارع الرئيسية ، تسابق التجار واصحاب المحلات والمصانع فى سداد ضرائبهم المتاخره ، لم يعد احد يفكر فى التهرب منها ، اصحاب العمارات خصصوا البدروم جراج لسيارات السكان ، توقف المزارعين عن رى محاصيلهم بمياه المجارى ، من استولى على ما لا يستحقه .. اعاده بكامل رضاه ، اهتمت المستشفيات الحكوميه بتقديم افضل رعاية للمرضى ، الانباء التى يبثها مقدمى البرامج التلفزيونيه اصبحت صادقه وموثقه ، التلاميذ والطلبه عادوا لاحترام مدرسيهم ، انتهت الدروس الخصوصية ، تضاعف  عدد طلبة القسم العلمى عن القسم الادبى ، اهتمت الجامعات بالابحاث العلمية ، ورعاية المتفوقين ، رجال الحكومه ورجال الاعمال واهل الخير ركزوا مجهودهم للقضاء على العشوائيات ، لم يتوقف اهتمام الاقتصاديين على المشاريع الكبيرة فقط ، بل تواصل مع المشاريع الصغيرة ، تبنوا افكار العلماء فى الاستفادة من الطاقة الشمسية ، زراعة الصحراء ، خلت الصحف من اخبار البلطجية والسرقه والخطف والفتنة الطائفيه ، تفجر الخير فى كل شيئ .. الانسان والجماد .. الزمان والمكان.
مر عام .. اصبحت مصر جنة خضراء ، الحب يعمر قلوب الجميع ، فى اليوم المحدد للانتخابات الرئاسية ، اجمع المصريين على اختيار ابوالهول رئيسا لمصر.