" وسترجع
يوما ياولدى ، مهزوما مكسور الوجدان ، وستعرف بعد رحيل العمر ، بانك كنت تطارد خيط
دخان"
على مائدة متطرفه بشاطئ البوسيت بمرسى مطروح ، جلسوا
صامتين يتابعون لحظات الغروب ، قرص الشمس البرتقالى الكبير يذوب رويدا رويدا فى
قبله حارة مع افق المياه الزرقاء ، بهدوء لذيذ اختفى قرص الشمس تاركا ضياء برتقالى
رائع استمر دقائق.
على كراسى البحر المريحه تمدد ثلاثتهم متجاورين ، يسرى
فى روحهم خدر لذيذ وهم يعيشون لحظة الغروب مع سيمفونية تكسر الامواج الكسوله على
رمال الشاطئ ، يصل لمسامعهم صوت عبد الحليم واغنية قارئة الفنجان الحزينه.
وسط هذه الحاله من الشجن والهيام ، افاقا على سؤال
صديقهم الثالث فتحى "يا ترى منظر الغروب ده بيفكركم بايه ؟؟ رد نبيل بصوته
الاجش "العرافه ، العرافه .. منها لله" ، سرت رجفه فى ابدانهم فاسرع جمال فى اشعال سيجارته
وطلب من صديقاه قراءة الفاتحه على روح صديقهم المرحوم يسرى.
وقت الغروب وامام كابينه على بحر الاسكندرية منذ خمسون
عاما مضت ، كانوا فى انتظار نتيجة امتحانات السنه الاولى بكلية التجاره ، جلسوا
يتابعون غروب الشمس بعد يوم عامر بالمرح والسعاده والسباحه وكرة المضرب وادوار
الكوتشينه ، مرت عليهم امراه غجريه عرافه تتشح بالسواد ، ردائها طرحتها حتى الشبشب
البالى اسود ، متوسطة العمر ، تمسك فى يدها مجموعة من القواقع ، احتكاكها ببعضها
يصدر صوتا مميزا ، اقتربت فى دلال وبصوت فيه غنج وميوعه .. ابين زين واشوف البخت
واضرب الودع ، لمح نبيل فيها ملاحه وميوعه ، على كرسى منخفض وسط المجموعه اجلسها ،
فرشت منديلها على الطاوله ، سلمت نبيل قوقعه ، امرته ان يوشوش الدكر ويرمى بياضه ،
دست ما اعطاها فى مخباتها ، اما هو فقد كور القوقعه فى كفيه ، قربها من فمه ، همهم
ببعض الكلمات وسلمها لها ، شخشختها مع مجموعه اخرى فى يدها ورمتها على المنديل ، نظرت
فى عينية وهى تلقى ببعض كلمات سمعناها جميعا ، كررت مع فتحى ويسرى وجمال ما بداته
مع نبيل ، اسرت لكل منهم عدة كلمات مسجوعه ولكنها تحمل دلالات كثيره ، انصرفت
وبداوا يتندرون على ما قالته لكل منهم ، بضحكته المميزه قال يسرى "الوليه دى
لو استحمت ولبست فستان شيك مع رشة بارفان ، كنت عطيتها كل اللى معايا .. يا جماعه دى
دمها اخف من كل بنات الدفعه ، دى عليها صدر يرضعنا كلنا فى وقت واحد" ، مرت ايام
نسوا فيها ما حدث.
يوم ان ظهرت النتيجة ونجح الجميع إلا نبيل تخلف فى مادتين
، تذكروا ان العرافه قالت له يومها ، قدامك نقطتين سود ، اما فى نهاية الصيف وقبل
بدء العام الدراسى الجديد ، حدث ما جعلهم يتذكروها من جديد ، فبعد الانتهاء من
مراسم دفن صديقهم يسرى اثر حادث سيارة اليم ، تذكرها ثلاثتهم لحظة ان امسكت يد
يسرى ، قائلة بحزن وتاثر ، خط العمر فى ايدك قصير.
اليوم بعد عودتهم من شاطئ البوسيت ، استقر رايهم ان
يتناولوا العشاء فى مطعم فخم ، لانه آخر يوم لهم بمطروح ، كان محور حديثهم وهم يحتسون الشاى حول العرافه ،
قال جمال "تصدقوا بالله .. موضوع العرافه ده كان شاغل تفكيرى من يوم نتيجة
نبيل ووفاة يسرى وحتى اليوم" ، عقب فتحى ياعم بلاش السيره دى ، كل ما افتكرها
احس انى متخلف ، ازاى اصدق حكاية عرافه مر عليها خمسين سنه ، دى وليه مجنونه ، وافقه
نبيل على مضض ،واكمل : كذب المنجمون ولو صدقوا ، بهدوء واكتئاب ، اكمل جمال حديثه مستفسرا "حد
فيكم فاكر آخر كلمة قالتها وهيه ماشية ؟ " ، نظرا اليه ولم ينطقا ، فهما
يعرفان ويحفظان ما قالته هذه العرافه فى هذا اليوم منذ خمسون عاما مضت ، حاول جمال التسرية عن المجموعه ، دى ياحضرات
تلاقيها كانت ضاربه نفسين حشيش مغشوش قبل ما تقعد معانا ، رد نبيل بصوته الاجش ،
بس بت المجنونه ما قالتش حاجه الا وحصلت لكل منا ، حاجه واحده فقط لم تتحقق حتى
اليوم اظنكم فاكرين انها ربطتنا احنا التلاته بنهايه واحده.
مرت ايام الاجازه سريعه سعيده ، استقل ثلاثتهم سيارة جمال فى طريق عودتهم
الى الاسكندريه.
فى اليوم التالى لعودتهم ظهرت الجرائد وفيها خبر حادث تصادم مروع راح ضحيته
ثلاثة اصدقاء.
