الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

العرافه

  
  
    " وسترجع يوما ياولدى ، مهزوما مكسور الوجدان ، وستعرف بعد رحيل العمر ، بانك كنت تطارد خيط دخان"
على مائدة متطرفه بشاطئ البوسيت بمرسى مطروح ، جلسوا صامتين يتابعون لحظات الغروب ، قرص الشمس البرتقالى الكبير يذوب رويدا رويدا فى قبله حارة مع افق المياه الزرقاء ، بهدوء لذيذ اختفى قرص الشمس تاركا ضياء برتقالى رائع استمر دقائق.
على كراسى البحر المريحه تمدد ثلاثتهم متجاورين ، يسرى فى روحهم خدر لذيذ وهم يعيشون لحظة الغروب مع سيمفونية تكسر الامواج الكسوله على رمال الشاطئ ، يصل لمسامعهم صوت عبد الحليم واغنية قارئة الفنجان الحزينه.
وسط هذه الحاله من الشجن والهيام ، افاقا على سؤال صديقهم الثالث فتحى "يا ترى منظر الغروب ده بيفكركم بايه ؟؟ رد نبيل بصوته الاجش "العرافه ، العرافه .. منها لله"  ، سرت رجفه فى ابدانهم فاسرع جمال فى اشعال سيجارته وطلب من صديقاه قراءة الفاتحه على روح صديقهم المرحوم يسرى.
وقت الغروب وامام كابينه على بحر الاسكندرية منذ خمسون عاما مضت ، كانوا فى انتظار نتيجة امتحانات السنه الاولى بكلية التجاره ، جلسوا يتابعون غروب الشمس بعد يوم عامر بالمرح والسعاده والسباحه وكرة المضرب وادوار الكوتشينه ، مرت عليهم امراه غجريه عرافه تتشح بالسواد ، ردائها طرحتها حتى الشبشب البالى اسود ، متوسطة العمر ، تمسك فى يدها مجموعة من القواقع ، احتكاكها ببعضها يصدر صوتا مميزا ، اقتربت فى دلال وبصوت فيه غنج وميوعه .. ابين زين واشوف البخت واضرب الودع ، لمح نبيل فيها ملاحه وميوعه ، على كرسى منخفض وسط المجموعه اجلسها ، فرشت منديلها على الطاوله ، سلمت نبيل قوقعه ، امرته ان يوشوش الدكر ويرمى بياضه ، دست ما اعطاها فى مخباتها ، اما هو فقد كور القوقعه فى كفيه ، قربها من فمه ، همهم ببعض الكلمات وسلمها لها ، شخشختها مع مجموعه اخرى فى يدها ورمتها على المنديل ، نظرت فى عينية وهى تلقى ببعض كلمات سمعناها جميعا ، كررت مع فتحى ويسرى وجمال ما بداته مع نبيل ، اسرت لكل منهم عدة كلمات مسجوعه ولكنها تحمل دلالات كثيره ، انصرفت وبداوا يتندرون على ما قالته لكل منهم ، بضحكته المميزه قال يسرى "الوليه دى لو استحمت ولبست فستان شيك مع رشة بارفان ، كنت عطيتها كل اللى معايا .. يا جماعه دى دمها اخف من كل بنات الدفعه ، دى عليها صدر يرضعنا كلنا فى وقت واحد" ، مرت ايام نسوا فيها ما حدث.
يوم ان ظهرت النتيجة ونجح الجميع إلا نبيل تخلف فى مادتين ، تذكروا ان العرافه قالت له يومها ، قدامك نقطتين سود ، اما فى نهاية الصيف وقبل بدء العام الدراسى الجديد ، حدث ما جعلهم يتذكروها من جديد ، فبعد الانتهاء من مراسم دفن صديقهم يسرى اثر حادث سيارة اليم ، تذكرها ثلاثتهم لحظة ان امسكت يد يسرى ، قائلة بحزن وتاثر ، خط العمر فى ايدك قصير.
اليوم بعد عودتهم من شاطئ البوسيت ، استقر رايهم ان يتناولوا العشاء فى مطعم فخم ، لانه آخر يوم لهم بمطروح ،  كان محور حديثهم وهم يحتسون الشاى حول العرافه ، قال جمال "تصدقوا بالله .. موضوع العرافه ده كان شاغل تفكيرى من يوم نتيجة نبيل ووفاة يسرى وحتى اليوم" ، عقب فتحى ياعم بلاش السيره دى ، كل ما افتكرها احس انى متخلف ، ازاى اصدق حكاية عرافه مر عليها خمسين سنه ، دى وليه مجنونه ، وافقه نبيل على مضض ،واكمل : كذب المنجمون ولو صدقوا ،  بهدوء واكتئاب ، اكمل جمال حديثه مستفسرا "حد فيكم فاكر آخر كلمة قالتها وهيه ماشية ؟ " ، نظرا اليه ولم ينطقا ، فهما يعرفان ويحفظان ما قالته هذه العرافه فى هذا اليوم منذ خمسون عاما مضت  ، حاول جمال التسرية عن المجموعه ، دى ياحضرات تلاقيها كانت ضاربه نفسين حشيش مغشوش قبل ما تقعد معانا ، رد نبيل بصوته الاجش ، بس بت المجنونه ما قالتش حاجه الا وحصلت لكل منا ، حاجه واحده فقط لم تتحقق حتى اليوم اظنكم فاكرين انها ربطتنا احنا التلاته بنهايه واحده.
مرت ايام الاجازه سريعه سعيده ، استقل ثلاثتهم سيارة جمال فى طريق عودتهم الى الاسكندريه.
فى اليوم التالى لعودتهم ظهرت الجرائد وفيها خبر حادث تصادم مروع راح ضحيته ثلاثة اصدقاء.