"أكدت
التقارير والدراسات ومراكز الأبحاث ، أن نسبة الفقر فى الدولة قد فاقت الـ50% بعد
قيام ثورة يناير 2011"
فى رحلته لعيادة صديقه المحجوز بمستشفى ابوقير ، وصل حمدى محطة قطار سيدى جابر ، بصعوبه قفز داخل العربة الاخيره من القطار المتحرك الى ابوقير ،
قطار شعبى موحد الدرجه رخيص الاجره ، هى المره الاولى التى يستقل فيها هذا القطار ،
ارتكن بظهره واقفا بجوار احد الابواب لانشغال جميع المقاعد ، فى مواجهتة وقف شاب سمين
بقفطان ابيض نظيف ، فى جيبه العلوى محفظة نقوده وقلم حبر ونظاره ، اما جاره الشاب الممسك
بمقبض الباب ، شعره طويل غير مشذب ، فى قدميه كاوتش متهالك ، يدخن سيجاره بشراهه ،
توقف القطار فى محطة الظاهريه ، لم ينزل احد ، اما من صعدوا فهم كثر ، بدأ القطار
يتحرك ، وقبل ان يصل لنهاية رصيف المحطه ، بخفه فهد ومهارة لص محترف ، نزع الشاب
ذو الشعر الطويل المحفظه من جيب الشاب ذو القفطان الابيض ، فى لمح البصر كان خارج
القطار المتحرك وفى يده المحفظه والنظاره وجيب القفطان ، اما القلم فقد سقط منه
على الارض ، حرامى .. حرامى صرخه اطلقها صاحب القفطان الابيض ، لم يجرأ على القفز
خلفه وإلا كسرت عظامه ، بخجل التقط قلمه
من على الارض ، اختفى وسط الزحام بعد ان طيب خاطره بعض الركاب ، كثيرين لم تظهر
على وجوههم اى دهشه او استغراب مما حدث وكانهم تعودوا على هذا الفعل ، قبل ان يصل
القطار للمحطه التاليه كان الجميع قد نسى ما حدث .
تحسس حمدى جيب بنطلونه الخلفى ، ابتسم برضا عندما شعر
بمحفظته فى مكانها ، سمع صوت امراه تستعطف الركاب ، الزحام حال بينه وبين رؤيتها ،
حسنه قليله تمنع بلاوى كتيره ، اللى فى قلبه رحمه يعطف على ست مريضه ، اقسم بالله
العظيم انا باصرف على اربع يتامى ، اقسم بالله العظيم انا محتاجه لعمليه فى قلبى ،
ربنا ما يرميكم فى ضيق ، يشفيكم ويحنن قلوبكم على واحده غلبانه ، اقترب منه الصوت
فشاهد امراه ضخمة الجثه ، معباه داخل عباءة سوداء كالحة اللون لا يظهر منها شيئ ،
تذكر يوم فرح اخيه عندما راى امراه مغطاه بالسواد تهبط من التاكسى امام صالة
الافراح ، بعد دقائق اكتشف انها راقصة الحفل ، ابتسم فى سخرية لشطحات عقله وسواد
قلبه ، لم تمر دقائق إلا وتكرر الدعاء ولكنه بصوت رجالى هذه المره ، قال لنفسه "مكونش
غلطت وبدل ما اركب قطر روحت المقابر" ، صوت دعاء الرجل يفتت الصخر ، انتابته
حالة من الغثيان والقرف والرعب عندما راى صاحب الصوت يشق طريقه وسط الزحام وهو يزحف
على ارضية العربه ، شاهرا امامه الرجل اليمنى ، منظرها مرعب ، اثماله بالية ،
رائحته كريهه ، صوته كالبكاء ، كثيرين منحوه بعض النقود ، ليس اقتناعا وعطفا عليه
، لكن لابعاده عنهم وعن عيون اولادهم ، كثير من الفقراء تتآلف قلوبهم ويعطفون على
من يطلب منهم العطف ، ربما لايهام انفسهم انهم افضل حالا من آخرين ، اكثرهم متاكد
ان هؤلاء ممثلين مهره يحترفون هذه المهنه ، ورغم هذا لا يكسرون بخاطرهم ، وسط هذا الزحام
والضجيج يمر الكمسارى بصعوبه بين الركاب ، ممسكا فى يده قلم ينتهى بقطعة نحاس ، يدق
بها على اعمدة الالومنيوم المنتشره بسقف العربه ، ينظر فى عيون الركاب مناديا بصوت
اجش تذاكر تذاكر ، لا يتاثر برجرة القطار يمنه ويسره وكان الجميع داخل قربة لتصنيع
الاجبان.
وصل القطار الى المحطة التاليه ، حمد الله كثيرا ان اصبح
المغادرين اكثر من الصاعدين ، تحرك حمدى الى وسط العربه عله يحظى بمقعد احد
المغادرين ، تعب من الوقوف والضجيج والرجرجه والحر والانتباه لكل من يمر جوارة
خشية سرقة محفظته ، اثار انتباهه صوت بكاء وصراخ طفل جائع ، لم تتوانى امه عن فتح
الكبسوله العليا من عبائتها السوداء لتخرج ثديها تلقمه فم الرضيع ، بطرحتها حاولت
تغطية ما ظهر منها ، فجأة صرخت بعلو صوتها " بتتفرج على ايه ياراجل يا ناقص"
، انكمش الجالس جوارها على نفسه ، رجل خمسينى العمر ، نظارته السميكه لا تمكنه من الرؤية
ابعد من ربع متر امامه ، كاد الامر ينتهى عند هذا الحد ، لولا تدخل الواقف امامها "
هوه عملك ايه يا وليه؟؟" ، لم تتوانى عن الرد بعصبيه "عمل ايه !! ، هوه
عارف عمل ايه ، وبعدين انت مالك ، هوه جابك محامى ولا عينك محامى " ، بعفويه
وسرعه رد عليها بصوته الاجش "مالك يا
مره هايجه علينا كده ، ودينى لو كنتى راجل كنت وريتك قيمتك" ، نهضت واقفه فانزلق ما لقمته للرضيع فى مكانه وكانه فأر
اختبئ فى جحره ، لم يوقفها صراخ الرضيع من محاوله الهجوم على الدخيل ، وقف شاب
بينهما مهدئا الموقف ، طبطب على كتفيها وكاد ان يحتضنها محاولا إعادتها للجلوس "انتى
باين عليكى بت حلال ، والراجل ميقصدش ، حصل خير" ، خلال هذه الاحداث انسل
الجالس جوارها فى هدوء آثرا البعد عن المشاكل ، ترك مكانه للشاب المطبطباتى ، ظل
الرضيع يصرخ الى ان اعادت تلقيمه من جديد ، هذه المره لم تهتم باسدال طرحتها وظهرت
ابتسامه خبيثه فى عينيها وهى تتبادل الهمس مع جارها الجديد ، لحظات قليله ونسى الجميع
خلالها ما حدث وانشغل كل منهم بما هو فيه.
مازال الطريق طويل للوصول الى ابوقير ، لا تمر دقائق إلا
ويمر على سكان العربه واحد من الباعه ، يرمى فى حجر الجالسين عبوات نعناع او سكر
نبات او باكو بسكويت بالشيكولاته ، لكل بائع اسلوب مختلف عن الآخر ، النعناع يمنع
الدخان والتوهان ويجلى السدر وينضف القلب ، بائع آخر دى يا حضرات مسطره وجومه
وعلبه الوان باستيل ، كل ده ياحضرات بجنيه ، تروح المكتبه يقولك المسطره بجنيه
وعلبة الالوان بجنيه والجومه بنص جنيه ، اللى يشترى اتنين يآخد التالته ببلاش ، وآخر
يحمل على راسه صندوق كرتون مليئ باعواد البخور ، يتغنى بانه بخور مبروك من السيده
والحسين ، هذا غير كثيرين من باعة السودانى وكتب اطفال وكتيبات ادعيه ، لكل منهم اسلوب
فى الترويج لبضاعته ، اما الركاب البسطاء قليل منهم يقع فى شراك ما يسمعه من شعر
فيشترى ، البؤس والشقاء محفور فى ملامح الركاب والبائعين والمتسولين ، حتى
الكمسارى تشعر انه واحد منهم.
لحسن حظ حمدى نزل احد الركاب فجلس مكانه ، اما حظه السيئ
فقد كان الجالس جواره ذو رائحه نفاذه ، اهداه تفكيره للقضاء على هذه الرائحه ان
يشعل سيجاره ، فور ان اقدم على هذه الخطوه حتى سمع من يقول له ، انت يا افندى اطفى
السيجاره كفايه السم اللى بنشمه فى القطر ، رد حمدى بهدوء بعد ان سحب نفس عميق من
سيجارته ، قلبك ابيض يا حاج ، انت بينى وبينك الف متر ، رد الآخر بعصبية ، طفيها بدل
ما آجى اطفيها فى عينك ، اهينت كرامته ، نظر حوله ، فوجد بعض الركاب ينتظرون ردة
فعله ، ران صمت على العربه إلا من صوت رجرجة القطار المعتاده ، تكهرب الموقف ، إما
ان يكون او لا يكون ، سحب نفس آخر من سيجارته ، وبعد تفكير سريع ادرك انه ليس منهم
، رد بابتسامه ساخره عندك حق يا ريس ، رمى السيجاره على الارض ، داس عليها بعصبيه
، اكمل الرجل حديثه ، ناس تخاف متختشيش ، هنا جن جنون حمدى ، فى اول الامر اراد
تقصير الشر لان هدفه هو زيارة صديقه المريض وليس الوقوع فى المشاكل ، عاد للنظر فى
وجوه المحيطين ، احس انهم يحتقروه لجبنه ، حتى المراه التى كانت ترضع صغيرها ،
نظرت اليه وكانها تبثق عليه وعلى رجولته ، استشاط غضبا ورد عليه ، تصدق بالله انت
راجل قليل الادب ومحتاج تربيه ، عندما راى الرجل ينهض من كرسيه متجها ناحيته ، هب
واقفا متخذا وضع الاستعداد للمعركه.
فتح حمدى عينيه بصعوبه ، وجد صديقه مريض ابوقير واقف عند
راسه ، زوجته وابنه موجودين بالحجره وآثار دموع فى عيونهم ، لمح طبيب ياتى مهرولا
وهو يردد "الحمد لله كويس انه فاق" ، سال صديقه عما حدث وما سبب وجوده
بالمستشفى كمريض وليس كزائر ، اخبروه انه بمستشفى ابوقير يتلقى العلاج من شبه ارتجاج
بالمخ نتيجه روسيه من احد ركاب القطار ، اقترب من السرير شخص ، عرفه بنفسه ، انه
وكيل نيابه ابوقير وانه حضر لاخذ اقواله فيما حدث ، ساله حمدى باندهاش ، يعنى انا
اخيرا وصلت ابوقير ، الف حمد وشكر لله عز وجل ، لم يتهم احد بالاعتداء عليه لانه
لا يعرف احد ، على باب الخروج من المستشفى استلم متعلقاته ، والتى كان من ضمنها
باكو نعناع تركه احد الباعة بالقطار ولم يسدد ثمنه.
