الخميس، 4 أكتوبر 2018

المعلم القط


عشة من الصفيح فى حجم قبر ، بالكاد تسمح لساكنها بالجلوس او التمدد للنوم ، فرشت ارضيتها بطبقه من كرتون سميك ، مغطى ببطانية صوف بالية ،  فى الركن قطعه خشبية كالحة اللون ، فوقها وابور جاز وحله المنيوم وطبقان وبراد ، جميعها اكتست بلون الهباب ، ثلاثه اكواب قذرة بجوار جركن ماء بلاستيك اشد قذاره ، فى الركن الداخلى صرة ملابس تستخدم كوساده عند النوم ، اما برطمان الجوزه والفحم فقد ركنا عند مدخل العشه ، هذه هى مملكة المعلم القط ، شيدها بنفسه لتكون مقرا لاعماله نهارا ومخدعا لنومه ليلا ، اختار لعشته موقعا استراتيجيا على الرصيف الملاصق للسور الخلفى للمقابر.
المعلم القط فى الاربعين من عمره ، الشقاء والغلب والفقر جعله يبدو وكانه تعدى الستين ، ملابس رثه تغطى عظامه ، لايظهر منه إلا وجه ممصوص مملوء بدوائر جديرى قديم ، عيون غائرة تحيطها هالات سوداء ، شعيرات بيضاء متناثرة بذقنه المدبب ، انف كبير لا يتناسب مع حجم وجهه الصغير ، يغطى صلعته بطاقيه صوف طوال العام ، خطوط من العروق النافره تنبض بعنف فى رقبته ، يحمل هذه الراس هيكل عظمى مغطى بالجلد ، من فتحة قفطانه تظهر عظام الترقوه واضحه ، كانها جناحا صليب معلق عليه باقى جسده ، اما هزاله وضعفه يوحى بان الزمن اكل شحمه ولحمه و لم يستسغ طعم العظام فتركها مقوسه عند الظهر وملتويه عند الساقين.
تعود على التسول بالمقابر بمجموعة ادعيه لا يعمل بها ولا يعرف معناها ، يرددها بصوت مرتعش لكل من يمر امامه فينفحوه بعض المال ، إما صدقه على ارواح موتاهم او لمنظره الذى يرقق القلوب الرحيمه ، قبل ان تغيب الشمس وهو فى طريقه للعشه ، يمر على مقهى ومطعم المعلم شيحه ، يخرج حاملا ثلث كيلو كباب مشكل وزجاجة بيره مثلجه ، ومن الواد سامبو يشترى ربع قرش حشيش ، يقرفص وسط عشته يلتهم بلذه الكباب ويبلع بالبيره ، ليبدأ فى رص الحشيش على الجوزه ، يدخن الى ان يتخدر تماما فينام فى مكانه.
فى ليله من ليالى شهر فبراير القارصة البروده ، مر جوار عشته كلب وكلبه من النوع الشرس ، اشتما رائحه الكباب فدلفا يبحثان عن بقايا الطعام ، دفء العشه اهاج مشاعرهما ، بصعوبه فتح المعلم القط احدى عينيه فراى ما لا يتوقعه ، هب واقفا فاصطدمت راسه بسقف العشه التى لا تسمح بالوقوف فيها ، وهو فى وضع القرفصاء حاول ابعاد الدخلاء ، لم يستوعب ان الكلاب فى هذه اللحظات الحميميه لا تستسلم بسهوله ، فشلت عدة محاولات فى ابعادهما ،  سحب بسرعه سكين يحرص على وضعها قريبه منه ، ودارت معركه شرسه بين طرفين احدهما كلب وكلبه والطرف الآخر القط .
مر يومان لم يمر القط على مطعم المعلم شيحه ولم يشترى تموين الحشيش من السامبو ، كلف شيحه الواد السامبو بزياره خاطفه للاطمئنان على القط ، اقترب السامبو من العشه ، اشتم رائحه عفونه قذره ، ازاح الستاره الاماميه ليرى جثة المعلم القط وفى يده سكين صدئ ، قفطانه ممزق تماما وآثار نهش عند الرقبه والصدر ، الدم يغطى اجزاء كثيره من جسده ، بالقرب منه راى جثة كلبان فى فم احدهما جذء من رقبة القط.
عندما وصل الخبر للمعلم شيحه ، هرول مسرعا للعشه وخلفه السامبو ، بلهجه آمره "بص ياض يا شيحه عاوزك تقلب العشه لغاية ما تجيب الفلوس اللى محوشها ابن اللئيمه القط ، والسبوبه دى بالنص بينى وبينك ، دقائق وعادا حاملين كيس مخده متهالك مملوء نقديه ، اقتسما المبلغ واتفقا على نسيان هذا الموضوع.
صباح اليوم التالى اتصل شيحه بالبوليس "ايوه يا باشا فيه عندنا جريمه قتل" ، جاء رد الطرف الآخر "مين معايا؟؟" ، رد شيحه محاولا تغيير نبرة صوته "انا فاعل خير وعاوز ابلغ عن جريمه قتل ، الكلاب قتلت القط " ، سمع ضحكه من الطرف الآخر "انت مسطول ولا بتهزر يا روح امك" ، رد المعلم شيحه بسرعه " والله يا باشا انا مصحصح ومش باهزر" ، مرت لحظة سكون "اسمع يا اخينا ممكن افهم ان الكلاب تقتل قط ، لكن قط يقتل كلاب دى كبيره شويه ، والجريمه دى تمتم  فى انهى خرابه ، قالها وهو يضحك من قلبه" ، وصف شيحه له المكان وهو يقول يا باشا القط ده بنى آدم وانهى المكالمه.
لم يعر البوليس اى اهتمام بهذا البلاغ ، بمرور الايام اصبحت الرائحه لا تطاق ، بالاموال التى سرقها المعلم شيحه إقام حجره مسقوفه بدون ابواب او شبابيك تحيط بالعشه من جميع الجوانب ، وكتب على الجدار هنا يرقد القط ، بمرور الايام ظن بعض السذج ان هذه مقبرة واحد من اولياء الله الصالحين ، واليوم كثيرين ياتون خصيصا من اقاصى المعموره للتبرك بالشيخ القط.