عشة من الصفيح فى حجم قبر ، بالكاد تسمح لساكنها بالجلوس
او التمدد للنوم ، فرشت ارضيتها بطبقه من كرتون سميك ، مغطى ببطانية صوف بالية ، فى الركن قطعه خشبية كالحة اللون ، فوقها وابور
جاز وحله المنيوم وطبقان وبراد ، جميعها اكتست بلون الهباب ، ثلاثه اكواب قذرة
بجوار جركن ماء بلاستيك اشد قذاره ، فى الركن الداخلى صرة ملابس تستخدم كوساده عند
النوم ، اما برطمان الجوزه والفحم فقد ركنا عند مدخل العشه ، هذه هى مملكة المعلم القط
، شيدها بنفسه لتكون مقرا لاعماله نهارا ومخدعا لنومه ليلا ، اختار لعشته موقعا
استراتيجيا على الرصيف الملاصق للسور الخلفى للمقابر.
المعلم القط فى الاربعين من عمره ، الشقاء والغلب والفقر
جعله يبدو وكانه تعدى الستين ، ملابس رثه تغطى عظامه ، لايظهر منه إلا وجه ممصوص مملوء
بدوائر جديرى قديم ، عيون غائرة تحيطها هالات سوداء ، شعيرات بيضاء متناثرة بذقنه
المدبب ، انف كبير لا يتناسب مع حجم وجهه الصغير ، يغطى صلعته بطاقيه صوف طوال
العام ، خطوط من العروق النافره تنبض بعنف فى رقبته ، يحمل هذه الراس هيكل عظمى
مغطى بالجلد ، من فتحة قفطانه تظهر عظام الترقوه واضحه ، كانها جناحا صليب معلق
عليه باقى جسده ، اما هزاله وضعفه يوحى بان الزمن اكل شحمه ولحمه و لم يستسغ طعم
العظام فتركها مقوسه عند الظهر وملتويه عند الساقين.
تعود على التسول بالمقابر بمجموعة ادعيه لا يعمل بها ولا
يعرف معناها ، يرددها بصوت مرتعش لكل من يمر امامه فينفحوه بعض المال ، إما صدقه
على ارواح موتاهم او لمنظره الذى يرقق القلوب الرحيمه ، قبل ان تغيب الشمس وهو فى
طريقه للعشه ، يمر على مقهى ومطعم المعلم شيحه ، يخرج حاملا ثلث كيلو كباب مشكل وزجاجة
بيره مثلجه ، ومن الواد سامبو يشترى ربع قرش حشيش ، يقرفص وسط عشته يلتهم بلذه
الكباب ويبلع بالبيره ، ليبدأ فى رص الحشيش على الجوزه ، يدخن الى ان يتخدر تماما
فينام فى مكانه.
فى ليله من ليالى شهر فبراير القارصة البروده ، مر جوار
عشته كلب وكلبه من النوع الشرس ، اشتما رائحه الكباب فدلفا يبحثان عن بقايا الطعام
، دفء العشه اهاج مشاعرهما ، بصعوبه فتح المعلم القط احدى عينيه فراى ما لا يتوقعه
، هب واقفا فاصطدمت راسه بسقف العشه التى لا تسمح بالوقوف فيها ، وهو فى وضع
القرفصاء حاول ابعاد الدخلاء ، لم يستوعب ان الكلاب فى هذه اللحظات الحميميه لا
تستسلم بسهوله ، فشلت عدة محاولات فى ابعادهما ،
سحب بسرعه سكين يحرص على وضعها قريبه منه ، ودارت معركه شرسه بين طرفين
احدهما كلب وكلبه والطرف الآخر القط .
مر يومان لم يمر القط على مطعم المعلم شيحه ولم يشترى
تموين الحشيش من السامبو ، كلف شيحه الواد السامبو بزياره خاطفه للاطمئنان على
القط ، اقترب السامبو من العشه ، اشتم رائحه عفونه قذره ، ازاح الستاره الاماميه
ليرى جثة المعلم القط وفى يده سكين صدئ ، قفطانه ممزق تماما وآثار نهش عند الرقبه والصدر
، الدم يغطى اجزاء كثيره من جسده ، بالقرب منه راى جثة كلبان فى فم احدهما جذء من
رقبة القط.
عندما وصل الخبر للمعلم شيحه ، هرول مسرعا للعشه وخلفه
السامبو ، بلهجه آمره "بص ياض يا شيحه عاوزك تقلب العشه لغاية ما تجيب الفلوس
اللى محوشها ابن اللئيمه القط ، والسبوبه دى بالنص بينى وبينك ، دقائق وعادا حاملين
كيس مخده متهالك مملوء نقديه ، اقتسما المبلغ واتفقا على نسيان هذا الموضوع.
صباح اليوم التالى اتصل شيحه بالبوليس "ايوه يا
باشا فيه عندنا جريمه قتل" ، جاء رد الطرف الآخر "مين معايا؟؟" ، رد
شيحه محاولا تغيير نبرة صوته "انا فاعل خير وعاوز ابلغ عن جريمه قتل ، الكلاب
قتلت القط " ، سمع ضحكه من الطرف الآخر "انت مسطول ولا بتهزر يا روح امك"
، رد المعلم شيحه بسرعه " والله يا باشا انا مصحصح ومش باهزر" ، مرت
لحظة سكون "اسمع يا اخينا ممكن افهم ان الكلاب تقتل قط ، لكن قط يقتل كلاب دى
كبيره شويه ، والجريمه دى تمتم فى انهى
خرابه ، قالها وهو يضحك من قلبه" ، وصف شيحه له المكان وهو يقول يا باشا القط
ده بنى آدم وانهى المكالمه.
لم يعر البوليس اى اهتمام بهذا البلاغ ، بمرور الايام اصبحت
الرائحه لا تطاق ، بالاموال التى سرقها المعلم شيحه إقام حجره مسقوفه بدون ابواب او
شبابيك تحيط بالعشه من جميع الجوانب ، وكتب على الجدار هنا يرقد القط ، بمرور
الايام ظن بعض السذج ان هذه مقبرة واحد من اولياء الله الصالحين ، واليوم كثيرين ياتون
خصيصا من اقاصى المعموره للتبرك بالشيخ القط.
