الجمعة، 5 أكتوبر 2018

اقوال ماثوره وامثال


من خرج من داره .. اتقل مقداره 
 رغم انه لم يؤدى فريضة الحج ، إلا ان اهل القرية لقبوه بالحاج شعبان، رجل سبعينى العمر ، قضى حياته لم يغادر قريته ، جسده الهزيل بالكاد يحمل راس صغير ، يميزه عيون واسعه حادة الذكاء ، اما جبهتة العريضه فقد خط عليها الزمن ثلاثة خطوط مستقيمه ، بروز عظام الوجنتين يضفى عزيمه وقوه على هذا الوجه المنحوت ، سبعون عاما قضاها الحاج شعبان بين الحقل والقريه ، يمتطى حماره فجرا فى طريقه للقيراطين اللى حيلته ، ليعود به عند الغروب ، متعته فى الحياة شرب الشاى وتدخين الشيشه مع اصحابه بعد صلاة العشاء.
على مقهى القريه ، اجتمع الحاج شعبان مع اصدقاءة ، وهو يضع ساق على الاخرى نادى بصوت عالى ، واد يا هريدى المشاريب النهارده قيدها على حسابى ، ابتسم واحد من المجموعه قائلا "من امتى الكرم ده يا حاج شعبان ؟" ،  بعصبية وبحركه لا اراديه حك بيده الشعيرات البيضاء فى ذقنه قائلا "انا يا طربش يا ناكر الجميل طول عمرى ابو الكرم كله" ، اشترك فى الحوار صديق آخر ، طيب معرفناش ايه مناسبه الكرم ده يا حاج؟ ، سحب نفس من الشيشه ، رفع راسه بخيلاء وهو ينفث ما سحبه من دخان الشيشه ، "الواد ابنى المهندس بالحجاز اتحايل على عشان ازوره واعمل عمره ، صمت قليلا وهو ينظر فى عيون اصدقائه ، "كمان بعتلى تذكرة الطيران وكارت الزياره متوثق ومختوم مع واحد من المهندسين اللى بيشتغلوا تحت ايده ، ما انتم عارفين الواد ابنى هوه المهندس الخصوصى للملك بتاع السعوديه" ، ساله واحد من زملائه "وامتى العزم ان شاء الله" ، بفخر وتكبر والفرحه تكسو وجهه "بكره باذن الله ، هيجينى مهندس يآخدنى من هنا لغاية ما يوصلنى لابنى" ، وفى الموعد المحدد تجمع الاهل والاصدقاء لتوديعه.
وصل المطار وبمساعدة المهندس انهى الاجراءات وصعد الطائره ، لم ينقطع عن تلاوة آيات من الذكر الحكيم علها تنقذه من الرعب الساكن فى عقله ، بدقه متناهيه نفذ تعليمات المضيفه ، اربط الحزام ، ارفع الطاوله الموجوده امامك عند الاقلاع والهبوط ، وممنوع التدخين طوال الرحله ، اذداد رعبا عندما شرحت للركاب الاجراءات التى يتبعوها فى حالة سقوط الطائرة ، عندما بدات الطائره فى التحرك والتسارع والاقلاع ، جحظت عيناه ، بقوه قبض بيديه مسند المقعد ، ثبت جسده بعنف بالكرسى الجالس عليه اما قدميه فقد تشنجتا بارضية الطائره ، حبس انفاسة واغمض عينيه وما زال يتمتم ببعض الآيات ، قبل ان تستقر الطائره فى وضعها الافقى ، شعر بارتجاج شديد بجسم الطائره ، زاد تشبسه بالكرسى ، علا صوت تلاوته ، برعب وخجل نظر للجالسين جواره ، رآهم جميعا فى رعب شديد وبعضهم يصرخ ، المضيفات متوترات ويطلبن من الركاب الهدوء واتباع الارشادات ، وجاء صوت قائد الطائره معلنا حدوث عطل فنى والعوده الى المطار وعلى الجميع الهدوء والالتزام بمقاعدهم .
فور ان عادت الطائره واستقرت على الارض ، لم ينتظر ما سمعه من قائد الطائره بانهم سيقومون باصلاح العطل ومواصلة الرحله خلال نصف ساعه ، تسحب خلسه وخرج من المطار ، استقل تاكسى للقريه ، تعجب الاهل من سرعة عودته.
على المقهى وسط اصدقائه حكى لهم دقائق الرعب التى عاشها ، ساله صديق "انت عارف يا حاج شعبان انت بالشكل ده هتاخد ثواب العمره كانك اديتها كامله ، بس دى تعتبر عمره تاك اواى" ، قال آخر "لا لا  ده راح القاهره اتفرج على العمره فيديو ورجع لنا ، الف سلامه ياحاج " ، بشموخ وضع ساق على الاخرى وهو يسحب نفس من الشيشه قائلا " مالى انا ومال السفر ، ده على راى المثل "من خرج من داره .. اتقل مقداره" وضج الجميع بالضحك.

خليهم يتسلوا ... "من اقوال الرئيس المخلوع حسنى مبارك"

ايه رايك يا حاجه ، ابنك المهندس محسن عاوزنا نقضى يومين عنده فى الشالية ، ردت بابتسامه رقيقه ، "وماله ياحاج ، آهى فرصه نريح اعصابنا ونشم هوا البحر ونشوف حبيبة قلبنا حفيدتنا باكينام" ، رد عليها الحاج وهو يطالع جريدته " اتمنى ان اللواء سعيد حما ابنك وعصابته ميكونوش موجودين" ، ردت بهدوئها المعتاد "وماله ياحاج ده حتى راجل طيب" ، قهقه بسخرية قائلا "هوه طيب بس ؟ ده امير الامرا كمان ، انا مش عارف ابنك محسن طايقه ازاى ؟ حماه ده راجل مزعج مغرور مبيبطلش كلام ، عموما عشان باكينام هتصل بمحسن ابلغه اننا هنكون عندهم بكره الصبح" .
بترحاب شديد استقبلهما ابنهما محسن وزوجته هايدى ، سالت الحاجه عن حفيدتها باكينام ، افادوها انها ذهبت للشاطئ مع جدها سيادة اللواء ومعهم اخت هايدى وزوجها الدكتور وابنهم هشام ، انزعج الحاج عندما سمع اسم هشام الذى يكبر باكينام بسنتان ومصدر دائم لازعاجها ، قال لنفسه اكيد الواد ده ورث الرزاله والغتاته من جده اللواء.
فور وصول اللواء ومن معه عند باب الشالية قادمين من الشاطئ ، جرت باكينام لترتمى فى احضان جدها وجدتها ، انشغلوا بالسلامات والاحاديث الثنائيه ، لم تمضى دقائق إلا وسمعوا صرخه من باكينام ، انزعج لها جدها الحاج ، جرى عليها ورفعها الى حضنه ، مسح دموعها وطيب خاطرها ، بصوتها الذى يذوب رقه ، "جدو .. هشام عاوز يبوسنى ، لما زقيته ، شدنى من شعرى وضربنى " ، بصعوبه كظم الحاج غيظه ، اما ما جعل الدم يفور فى شرايينه ، عندما سمع اللواء صدقى يقول له " ما تزعلش نفسك ياحاج .. دول عيال .. خليهم يتسلوا" .. نظر اليه بغضب وحمل باكينام الى جدتها الحاجه تطيب خاطرها.
قضوا جميعا فترة بعد الغداء على شاطئ البحر ، استمتعوا بغروب الشمس ، اكتفى الجدان وقررا العوده الى الشالية ، جلسوا فى ركن بالفراندة ، لم يضيئوا الانوار حتى لا يتكاثر عليهم الناموس ، لعدم انسجامهما سويا فآثرا الصمت وانشغل كل منهم بافكاره ، وسط هذا السكون والظلام ، لاحظا شبحان يتسللان من باب الشالية ليقفا بجوار سور الحديقه المحاط باشجار قصيرة ، التصقا  ذابا فى قبلة حارة لم تدم طويلا ، بحسه البوليسى نهض اللواء بهدوء ليضيئ الانوار فجأه ، راى شاب يرتدى لباس البحر يخرج جريا من باب الحديقه ، اختفى ، اما الواقفه فى ذهول وخجل غير قادرة على الحركه ، فقد كانت الابنه الصغرى لسيادة اللواء ، صرخ سياده اللواء وهو متجه نحوها يريد عقابها ، اعترضه الحاج وهو يضحك بسخرية "حلمك يا سيادة اللواء المحترم .. ما تفورش دمك .. دول عيال .. خليهم يتسلوا".
  

يا ظالم لك يوم  (فى جمعة الغضب 28 يناير 2011 حطم الشعب المصرى مقار الشرطة فى جميع محافظات مصر واحرق اكثرها)



على الرصيف المجاور للقهوه ، ركن عم فراج عربته الكارو المحمله بالفراوله الطازجه ، رصها بعناية على شكل هرم يتوسط العربه ، اما الاطراف فقد زينها بمجموعه علب بلاستيكيه معباه بكيلو فراوله ، سحب كرسى من القهوه وجلس يحتسى كوب الشاى بتلذذ ، ابتسم وانشرح صدره وهو ينظر الى بضاعته ونظافتها وشكلها المغرى ولونها الجميل  ، يمنى نفسه بمكسب يسدد به ثمن الفراوله وإيجار العربه للمعلم الكبير ويتبقى له مايكفى مصروف البيت وعلاج ابنته التى تحتاج لجلسة غسيل كلى مرتان اسبوعيا.
لم يياس من ركود حركة البيع ، فاليوم ما زال فى اوله ، ويمنى النفس بتبدل الحال فى فترة خروج الموظفين من اعمالهم ، طلب من القهوجى واحد شاى وكرسى معسل ، وهو يشد نفس عميق من الشيشه قال لنفسه " يا سلام يا واد لو ييجى اليوم اللى تبقى فيه معلم كبير تجهز العربات المحمله بالفاكهة وتسلمها للسريحه ، وقتها اعالج بنتى عند اكبر دكاتره فى البلد ، واشترى شقه تبص على الشارع ، بدل الجحر اللى ساكن فيه".
 ابتسامة رضا وامتنان ظهرت على وجهه ونهض سريعا يلبى طلبات زبون ، النقود التى استلمها قبلها ورفعها الى جبهته قبل ان يضعها فى جيبه ، حمد الله كثيرا على هذا الاستفتاح الطيب ، عاد يشد نفس شيشه ، لمح الواد سعد الصعيدى ماسح الاحذيه وهو ينظر الى الفراوله بشغف  ، نادى عليه وناوله اربع حبات قائلا له "بالهنا والشفا ، كان نفسى يا ابنى البس جزمه عشان انفعك وتلمعها لى " ، هنا تدخل عم غريب الواقف بعربة سندوتشات الكبده قائلا "صباح الفل يا معلم فراج ، اعملك سندويتشين خصوصى يا معلم " ، رد بعفويه "الوليه مرضتش تسيبنى انزل الصبح قبل ما افطر".
كلما مر الوقت كلما اذداد الطلب على الفراوله ، توقع انه على نهاية اليوم سينتهى من بيع كل ما يحمله ، دق قلبه بعنف وهو يرى سيارة شرطة المرافق قادمه من آخر الشارع  ، اختفى ماسح الاحذيه ، اما غريب بتاع الكبده جرعربته لاحد الشوارع الجانبيه ، لحظه واحده وكانت امامه سيارة الشرطه الربع نقل ، بخفة القطط قفز من صندوقها الخلفى ثلاث رجال مباحث ، هجما على عربته ، اخذوا الميزان والموازين ، نقلوها الى سيارتهم ، لم يكتفوا بذلك بل نقلوا ايضا العلب البلاستيك المعباه بالفراوله ، انخرس المعلم فراج ووقف مشلولا ، من نافذة السيارة اطل ضابط شرطه ، قائلا بعد ان سب عم فراج بابوه وامه واهله "اسمع يا روح امك ، انا نص ساعه وراجع ، لو لقيتك لسه واقف وشاغل الطريق هقلبلك الفراوله فى الشارع واعملك قضيه توديك فى ستين داهيه " ، باشاره من يده انطلقت السياره .
ران سكون كئيب على المكان ، علت اصوات بعض رواد المقهى ، قال احدهم "والله العظيم ده افترى" ، يرد آخر "ده ظلم وقلة ادب" ، الجميع تعاطف مع عم فراج وحاولوا تعويضه عما اصابه من ضرر ، لكنه رفض وشكرهم على مشاعرهم الطيبه ، عاد ماسح الاحذيه لنشاطه ، ظهرت عربة عم غريب مرة اخرى ، اما عم فراج فقد شل فى كرسية غير قادر على الحركة وهو يتقبل مواساة الجميع ، كادت الدموع تفر من عينيه وهو يفكر كيف سيرد للمعلم ايجار العربة وثمن الفراوله التى استولت عليها الشرطه ، كيف يواجه مطالب ابنته المريضه ومصروف البيت اليومى ، اخرج من جيبة عشرة جنيهات ، رفض القهوجى اخذها منه قائلا المعلم دفع حساب الشاى والشيشه ، ربنا يعوض عليك يا معلم.
وقف امام عربته فى خزى ، المراره والقهر والكآبه ملأت روحه ، حزن الدنيا تجمع فى قلبه ، عزة نفسه منعت تساقط الدموع من عينيه ، وبدأ يدفع عربتة عائدا ، تذكر انه حضر صباحا ممنيا نفسه برزق وفير ويوم مبروك ومعنويات مرتفعه ، الآن يدفع عربته امامه والحزن يعصر قلبه والالم يمزق روحه ، فرت دمعه من عينية حزنا على حالة ، ركن العربه امام بيته وصعد ، بحنان بالغ حضن ابنته المريضه ، نظر فى عينى زوجته طويلا وهو يحتضنها دون ان ينبس بكلمه ، تركهم و خرج هائما على وجهه .
تصدرت عناوين جرائد صباح اليوم التالى حادثة مقتل ضابط شرطه على يد إرهابى  اسمه صبحى.