الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

الله يخلى الريس









الله يخلى الريس .. الله يطول عمره
اغنيه خفيفة اللحن والايقاع ، غناها العراق لرئيسه صدام حسين ، تذكرتها يوم ان اعلن محمد مرسى يوم الاربعاء 4/7/2012 إنشاء ديوان التظلمات لاستقبال شكاوى المواطنين من امام القصر الرئاسى
===================================
استيقظ فجرا ، بهدوء انسل خارجا ، همه الوصول الى السوق لاستلام حصته من تاجر الخضار ، بعزيمه قويه تحمل لسعة البرد ، انكمش على نفسه امام باب احد المحلات ، رجل ستينى قصير ضعيف ، لحيه غير مشذبه ابيضها اكثر من سوادها ، غضون بطول الوجه توحى بصلابه ومثابره وقوة تحمل ، دقائق ووصلت فرحانه جارته بالسوق ، لم تتعد الخمسين ولكن مظهرها يوحى بانها فى السبعين ، ظاهره الطول ، ضعيفه حتى يخيل لمن يراها انها كومه من العظام يكسوها جلد كالح ، تهللت اساريره واخرج علبه من الصفيح ، سحب منها سيجاره ، سعل قبل ان يشعلها ، فكت صرة سوداء ، اخرجت منها رغيف قسمته نصفين ، "كل لك لقمه قبل ما تدخن ، الحلبه المعقوده تدفى الجسم" ، شكرها المعلم صابر وهو يقضم مافى يده ، عاوده السعال مع اول نفس من السيجاره ، ابتسم فى سخريه "انتى يا فرحانه اسم على مسمى ، فى الشتا فرحانه ، فى الصيف فرحانه ، جوزك يضربك بالجزمه فرحانه ، يآخد شقاكى يحشش بيه فرحانه" ، ضحكت فظهرت اسنانها الصدئه ، "ما انت برضه اسم على مسمى ، صرفت دم قلبك على علاج ام محمود وفى الآخر ماتت وصابر ، ولادك محمود وفتحى سابوك وسافروا ومسالوش فيك وبرضه صابر ، محلتكش اللضى واليوم اللى تريح فيه متلاقيش حق دخانك وصابر ، خايف تروح الاسبتاليه ليحجزوك وتموت هناك متلاقيش حد يدفنك وصابر" ، توقفت وصلة المعايره ونهضا فور ان لمحا سياره الخضار قادمه ، رمى العامل من فوقها مجموعه من حزم الجرجير والبقدونس والخس ، وناول فرحانه طشت المنيوم متوسط الحجم ملئ بالجبنه القريش ، وانصرفت السياره ، انهمك كل منهما فى تجهيز بضاعته ، كانا لا يتوقفان عن الحوار ليقضيا على ملل الساعات وقسوتها ، يشعر كل منهما انه انيس ونيس للآخر ، متآلفان متحدان امام اى مشكله تعترض احدهما ، دعا الله ان يكون يوم مبروك ويبيعا كل ما استلماه ، سيستمرا امام الفرش متجاوران على جنب الطريق حتى آذان المغرب ، ستمر عليهم السياره لاستلام البواقى والثمن .
مر عليهم جرجس القهوجى حاملا صينية عليها اكواب شاى يتصاعد دخانه ، ناول صابر واحده ، "الاولانى عشان متلغبطش فى الحساب آخر النهار" ، ثم نظر الى فرحانه وباسلوب ساخر "وانتى يا فرحانه امتى ييجى اليوم اللى تنفعينى فيه وتطلبى كوباية ميه" ، لم تنظر اليه وانشغلت بترتيب بضاعتها ، استكمل جرجس حديثه الى عم صابر ، مش ناوى تروح قصر الرياسه؟ ، رد عليه وهو يرش بيده بعض الماء على الخضار ، "اهبب ايه هناك ، متكنش فاكرنى وزير ولا عضو بالجماعه ، هوه اللى زينا وش قصور او رياسه" ، اكمل جرجس ، "انا واخد اجازه بكره ورايح اقدم شكوى ، الريس بتاعنا بنفسه هيستقبل الناس كلها واللى عنده مشكله هيحلها له فى الحال ، انت لو روحت تشتكى يمكن يحجز لك فى اجدعها مستشفى تعالج سدرك ببلاش ، ولو رأف بحالتك هيمد ايده فى جيبة يديلك ورقه بميه او بميتين" ، هنا تدخلت فرحانه ، "بطل هلوسه يا جرجس ، يظهر انك مبلبعتش برشامة الاصطباحه" ، رد عليها بحزم "والانجيل زى ما بقولكم كده ، دا انتى لو شافك هيحجزلك شهر عند بلبع بتاع الكباب ، وقليله ان ما صرفلك فلوس وهدوم بدل الهلاهيل اللى انتى لابساها" ، كشرت فرحانه وجهها وهى تقول "بطل مسخره واتلم "، تركهم وهم بالانصراف ، نادته فرحانه ، "بتتكلم بجد ولا بتهزر .. انا عارفاك مهياص وبكاش" ، اغلظ لها الحلفان موضحا لها ان الريس عمل حاجه اسمها ديوان مظالم ، ايتها بنى آدم عنده مشكله هيحلهاله فورا ، سالته بعفويه ، "اى مشكله؟؟" ، "ايوه اى مشكله مش هوه الريس اللى يقدر يعمل اى حاجه" ، قالت له "يعنى يقدر يشوف لجوزى شغلانه يآكل منها عيش ، بدل قعدته فى البيت طول النهار وعلى القهوه طول الليل".
اتفق ثلاثتهم ان يستغنوا عن يوميه باكر ويروحوا من بدرى على القصر ، كل منهم يمنى النفس ويحلم بما سوف يطلبه ويتحقق ، بصعوبه اقنعت فرحانه زوجها بالذهاب معهم ، تجمعوا فجرا حتى يلحقوا الخير بدرى بدرى ، اقترح عم صابر ان يستقلوا تاكسى ويقسموا الاجره على تلاته ، مش خساره طالما هيرجعوا بالخير كله وطلباتهم محققه ، فرحانه جنب السواق وثلاثتهم فى المقعد الخلفى ، كل شويه ينظر صابر الى جرجس قائلا "حق ياواد يا جرجس لو الريس شمطنى ميتين جنيه ، على النعمه من نعمة ربى لاديلك عشرين جنيه بقشيش ، لان انت مسيحى يمكن ميرضاش يديك إلا عشرين جنيه" ، نظرت فرحانه خلفها موجهة حديثها الى جرجس "وانا كمان طالع منى عشره جنيه ، مش خساره فيك يا جرجس" ، لم يرفض زوج فرحانه السيجاره التى اعطاها له صابر ، سمعوا ضحكة السائق على حوارهم ، استشاط زوج فرحانه غيظا "بتضحك على ايه يا اسطى ؟" رد وما زال يضحك " لما توصلوا هتشوفوا بعنيكم" ، سمعوا صياح واهازيج وافراح ، اوقف السائق سيارته "حمدا لله على السلامه" واستلم منهم الاجره وانصرف ، عشرات الآلاف مكدسه امام باب القصر ، يحمل كل منهم ورقه فى يده ، الجميع يزاحم ويغنى  " الله يخلى الريس ... الله يطول عمره" ، احتل الرصيف المقابل لسور القصر طاوله لبيع السجائر واخرى عليها بوتاجاز مسطح وبراد شاى وكوبايات واسفلها انبوبه وثالثة لسندويتشات الكبده واخرى لقلى الطعميه وقدرة الفول ، وبائع العرقسوس يشخلل بصاجاته ، اما الناصيه فيحتلها كاتب عجوز ينسخ الشكوى بجنيه ، نسخ لهم اربع شكاوى ، امسك كل منهم شكواه واندسوا وسط الجموع والزحام ، رددوا مع الجموع "الله يخلى الريس .. الله يطول عمره"
لا تمر دقيقه إلا ويزداد العدد ، طال الوقت وحل الاجهاد عليهم ، بح صوتهم من الغناء ، طرشت آذانهم من الضجيج ، "الصبر طيب يا مؤمنين" ، عباره كان يرددها جرجس كلما حاول احد زملاء رحلته ان يفتك به بسبب فكرته ، بعد آذان الظهر بساعه ظهر المنقذ ، شخص من داخل القصر ، امتطى سور الباب الحديدى ، الرجل اليمنى خارج القصر ، اما اليسرى فقد ظلت داخله ، هاجت الجموع ، تزاحمت ، كل رافعا يده بشكواه محاولا تسليمها للمنقذ ، تدافع الجميع فى اتجاه الباب ، التصقت الاجساد حتى اصبحت كتله واحده ، من تمكن منهم من تسليم شكواه لا يقدر على التحرر والخروج ، موجه مد تضغط فيها المجموعه الخلفيه محاوله الوصول للامام لتسليم شكواها ، الصف الامامى التصقت وجوههم واجسادهم بالباب الحديدى ، تقاوم لتتنفس فتدفع من يقف خلفها فى موجة جزر ، وسط هذا المد والجزر تعلق احدهم بالرجل اليمنى للمنقذ المدلدله ناحيتهم ، وقع المنقذ على الارض ، دهسوه ، مات ، استشهد ومازال الجميع فى صراع ، لا يدرون ان من سيستلم شكاواهم قد اختفى من فوق السور ، بصعوبه انسلت فرحانه من وسط الزحام ، لم تساعدها صحتها على استمرار المقاومه والزحام فقررت الانسحاب ، وقفت على الرصيف بجوار بائع العرقسوس ، ثيابها قطعت ، فقدت غطاء راسها وفردة شبشب ، الزحام مستمر ويزداد ، طال انتظارها لرفقاء الرحله ، عل احدهم يظفر بتسليم شكواه ، ملت ، يأست ، فقررت ان تعود لبيتها سيرا على قدميها ممنية نفسها ان ياتيها زوجها بالاخبار المفرحه.
لشهر كامل تاتى فجرا وتترك المكان مساءا ، وما زال زوجها وعم صابر وجرجس عالقين فى الزحام ، لا تدرى هل حققوا الحلم ام استشهدوا امام بوابة القصر ، من يومها لم يظهر منقذ جديد ، ولم يرى احدا من الجموع المحتشده وجه الرئيس ولو من بعيد ، ولم يتوقف الاعلان عن ديوان المظالم ، ولم يتحقق وعد الرئيس ، ولم يتسنى لاحد تحقيق حلم واحد من احلام المطحونين ، وما زال المغرر بهم فى جميع العصور وفى كل بلاد العالم الثالث يغنون  "الله يخلى الريس .. الله يطول عمره".