رغم انه يعيش الحقبه الرمادية من عمره ، لكنه لا يعترف
انه تعدى السبعين ، اعترته نشوى غامره عندما سمع زوجته تنادى عليه بصوت مرتعش
" تعال بسرعه ، تعال بسرعه " ، توقع انها فى ورطه وسيكون هو الفارس
الهمام الذى سينقذها ، هل هذه المره ستطلب منه تغيير لمبة الحمام المحترقه ، ام
حمل مرتبة السرير لتشميسها على سور البلكون ، من نبرة استغاثتها توقع ان الامر
اكثر تشويقا ، عندما اقترب منها مستفسرا ، بادرته قائلة "متفتحش باب المطبخ ،
لحسن يهرب ، فأر ضخم فى حجم قط ذكر ، شوفته مستخبى ورا البوتاجاز ، قفلت
الباب وقلت ما حدش هيجيب اجله إلا انت".
قال لنفسه "والله
فرصه استرجع بها شجاعة سبع سنوات قضيتها بالخدمة العسكرية من ايام حرب الاستنزاف
الى نصر اكتوبر 1973 ، فرصة ربنا ارسلها لى لاستعيد نجاحات زمان " ، احس
بحماس افتقده منذ مدة طويله ، بسرعه ارتدى كاوتش رياضى ، وبنطلون جينز ، حشر رجل
البنطلون داخل الشراب حتى إذا تجرأ الفار وهجم عليه لن يتمكن من الوصول الى ساقه ،
سحب عصا خشبيه وانسل الى ارض المعركه واغلق خلفه باب المطبخ.
بحكم خبرته العسكريه يعرف ان خسائر المهاجم ثلاثة اضعاف
المدافع فقرر الدفاع والسلامه ، سحب كرسى وجلس وسط المطبخ واشعل سيجاره ، خبط
بالعصا على اجناب البوتاجاز عدة مرات لعل الفار يشعر بالمطارده فيجرى ليختبا فى
مكان آخر ، هنا يمكن تحديد مكانه ومهاجمته وخبطه بالعصا على ام راسه فيخر صريعا ،
كرر المحاوله عدة مرات ، لا حركه ولا حس ، انتهى من تدخين سيجارته ولم يقم العدو باى
فعل او رد فعل ، اعاد الخبط بالعصا على النمليه والبوتاجاز ودولاب الخزين ، جميع المحاولات
باءت بالفشل ولم يظهر العدو او يصدر عنه اى صوت او حركه.
قبل ان يتسرب الياس الى نفسه ، لمح العدو يجرى فى اتجاه
الباب المغلق ، لا شعوريا هب واقفا على قدميه ثم عاد سريعا للجلوس رافعا قدماه لاعلى
حتى كاد ان يقع من فوق الكرسى ، لحظات استقر فيها الفار فى مكانه وهو يرتعش من
الخوف ، واستقر هو من جديد على الكرسى ، حمد الله كثيرا ان الفأر الذى امامه لا
يزيد حجمه عن علبة السجائر التى فى جيبه ، صغير مسكين ضعيف ليس له تجارب سابقه فى
مواجهة البشر ، واى بشر .. بشر مسلح بعصا طويله وفى مكان ضيق ومحدد ، استرجع ايام
التجنيد وتذكر انهم فى ايام التدريب الاولى كانوا يتدربون على الطعن بالسونكى ، فيصنعوا
من الخشب والخيش والقش هيكل على شكل نصف رجل ويصلبوه فى عامود من الخشب ، يقوم
الجنود بتركيب السونكى على مقدمة البندقيه الآلية ومن مسافة عشرة امتار تقريبا يجرى
واحد منهم بسرعه فى اتجاه العدو القش صارخا باعلى صوت آآآآآه ثم يطعنه بالسونكى
ثلاث مرات مع تكبيره بصوت اعلى فى كل طعنه ، ويعود للطابور ليبدأ الجندى التالى تكرار
ما فعله الاول ، استرجع فى ذاكرته هذه التدريبات ، بثقه فى النفس هب واقفا ، وقبل
ان يهم بتنفيذ خطة الطعن التى يجيدها ، لاحظ ان الفأر الذليل ينظر برعب يمنه ويسره
وهو يرتعد ، اشفق عليه وتمنى لو كان لهذا الفأر عقل وقدره على الفهم ، ليعقد معه اتفاق
، هو يفتح له شباك المطبخ ليهرب دون قتال ، شريطة الا يقع نظر زوجته علية مرة اخرى
، اعاد النظر اليه بتركيز شديد وابعد هذه الفكره عن راسه ، فزوجته لن تقتنع إلا
برؤية جثة العدو امام عينيها ، لن تصدق ان زوجها مخبول ليعقد اتفاق مع فأر ، كما
انه خشى ان تظن فيه الجبن والخنوع عن مقاتلة الاعداء ، هى خبطه عصا واحدة سريعه ودقيقه
على راسه خر المسكين صريعا فكانت القاضيه.
فتح الباب بهدوء وثقه وقال لزوجته باسلوب ضاحك ، "شيلوا
القتيل اللى جوه" ، اطمئنت عندما رات الجثه ، لمح فى عينيها الرضا عنه والثقه فيه ، احضرت له كيس
بلاستيك ليكون نعشا للمغدور ، وضع الجثه فى الكيس دون ان يلمسها ، ووضع الكيس فى كيس آخر وفى صندوق
الزباله خارج الشقه كانت نهاية هذا المسكين.
شعور الانتصار جميل ، اليوم انتصر بمفرده على فأر ، فى
شبابه شارك فى انتصار حرب اكتوبر ، الآن يتمنى ان تكون الفتره الرمادية من عمره فترة
انتصارات ، ولكنه على يقين انه فى النهاية سيهزم ، سيهزمه الزمن ، هذه سنة الحياة.
